والشر إعدام وكم قد ضلَّ من
يقول باليزدانِ ثم الأهرمن
ثم إلّا هو من ولكن ظاهر كلام المعتزلة إنكار الجعل رأساً حتى تبعاً وإلّا لم يندفع إشكال مسألة الجبر وخلق الشرور فتأمل. وعلى هذا فالسببية والشرطية والمانعية وأمثال ذلك تكون من قبيل لوازم الماهية في عدم تأصّل لها كالطالبية والمطلوبية ونحوهما، وليست بهذا الاعتبار من مقولة الإنشاء القائم بنفس المنشيء بل تكون من العوارض الطارئة على جعل ذات الشيء سبباً أو شرطاً أو نحوهما، فالحكم الوضعي بهذا الاعتبار لا يمكن أن يكون محلًا للنزاع لبديهة كون السببية من التوابع واللوازم المنجعلة بجعل ملزوم آخر حسبما كان الوجوب والحرمة مثلًا من التوابع واللوازم المنجعلة بجعل نفس الحكم وإنشائه كما عرفت في الأمر الأول والثاني، كما لا يمكن إنكار ثبوته بهذا المعنى بل النزاع في مجعوليته بأحد المعنيين:
أحدهما:ما حكي تحريره عن السيدالكاظميفيمحصولهحيث قال ما حاصله: أن النزاع ليس في جعل السبب فإن جعل السبب كجعل الحكم من الإنشاءات القائمة بنفس المنشيء فلا يليق كون ذلك منشأ للنزاع بل النزاع في سببية السبب من أنها مجعولة بجعل الحكم ومن لوازمه كالطلبية والمطلوبية أومجعولة بجعل آخر وإن كانت من لوازم شيء آخر. ويستفاد من ذلك أنه بعد تسليم كون السببية والشرطية ونحوهما من التوابع واللوازم لشيء آخر يكون النزاع في منشأ انتزاعها بمعنى أن المنكرين يزعمون إنها منتزعة من الأحكام التكليفية وأنه لا منشأ لانتزاعها غيرها، والمثبتين يدعون وجود منشأ انتزاع خاص لها
مغاير للأحكام التكليفية، وإنه كما كان الحكم التكليفي أعني الوجوب مثلًا أمراً اعتبارياً قائماً بالفعل منتزعاً من الإنشاء القائم بنفس المنشيء أعني الإيجاب، فكذلك السببية أمر اعتباري قائم بالفعل منتزع من إنشاء خاص مغاير لإنشاء الحكم التكليفي كإنشاء السبب والعقلة بين السبب والمسبب، فيرجع النزاع إلى تشخيص منشأ الانتزاع فالتعبير عنه بجعل السببية مبني على نوع من التسامح، وحاصله أن الوضعيات المعروفة هل هي من لوازم الأحكام التكليفية؟ بمعنى أنه إذا قال الشارع (أقم الصلاة لدلوك الشمس) هل يكون لهذا الخطاب لازمان وتابعان وجوب الصلاة وسببية الدلوك له أم لا؟ بل السببية مجعولة بجعل أمر آخر غير هذا الخطاب بأن يقول جعلت الدلوك سبباً للوجوب، وبتقرير آخر إن النزاع في كون السببية مثلًا منجعلة بجعل الحكم التكليفي وتكون من لوازمه كالوجوب والمطلوبية، أو بجعل أمر آخر ومن لوازم مجعول آخر وراء الحكم التكليفي، وإلّا فلا إشكال في كون السببية كالوجوب والمطلوبية من الأمور الاعتبارية غير المتأصلة المنتزعة من جعل ملزوماتها، ولكن لا يخفى ما فيه من البعد بل الأولى هو التحرير على الوجه الثاني وهو أن يقال إن النزاع في أنه هل صدر من الشارع إنشاء جعل السبب والشرط وسائر الوضعيات كما صدر منه إنشاء الأحكام التكليفية أم لا؟ بل ينحصر إنشائه في الأحكام التكليفية فقط ومرجع ذلك إلى النزاع في كمية الإنشاءات الصادرة المختلفة في النوع وإن الإنشاء القائم بنفس الشارع بل كل منشئ هل هو مقصور في إنشاء الحكم خاصة أو له إنشاء آخر مغاير لإنشاء الحكم وفي عرضه كإنشاء التمني والترجي الذي هو في
عرض إنشاء الحكم؟ ويعبر عن هذا الإنشاء المغاير بالسببية والشرطية والمانعية وإضراب ذلك، ولا ريب أن مثل ذلك النزاع أمر معقول يترتب عليه الثمر كما سنشير إليه. والحاصل أن هناك نقاط معلومة غير قابلة للإنكار:
أحدها:مجعولية الحكم التكليفي، ويدل عليه بعد الاتفاق ظاهراً. ووضوح ذلك فيه عند العرف والعقّلاء كافة أن الأحكام التكليفية ليس إلّا إنشاءات صادرة عن الشارع كما أشرنا إليه، فالأربعة منها عبارة عن الطلب، والطلب عبارة عن الإرادة التصديقية إذ هي غير التصور، كما أن الأول يزيد عليه بالتصديق، ومن المعلوم إنفكاك الثاني عنه إذ ليس كل ما يراد بالإرادة التصورية أن يراد بالإرادة التصديقية لما نرى في أنفسنا من أنا نريد بعض الأشياء ولا نطلبه في الخارج، ومن المعلوم أن التصديق لا يحصل إلّا بالإنشاء. ومن هنا ذهبت الأشاعرة إلى القول بثبوت الكلام النفسي بجعله عبارة عن الإرادة التصورية وجعل الخطاب اللفظي عبارة عن الإرادة التصديقية نظراً إلى إمكان التفكيك بينهما بأن يوجد الإرادة التصديقية على خلاف الإرادة التصورية بأن يطلب شيئاً لم يرد إيجاده، كما نشاهد في أنفسنا من صحة أن يقال: أشرب ذلك الماء ولم نرد وقوع الشرب في الخارج، فلو لم يثبت كلام نفسي كيف يتحقق طلب ما ليس بمراد؟ وإن كان يمكن دفعه في الأخبار بأنه مركب من تصورات ثلاثة: تصور المحكوم، وتصور المحكوم عليه، وتصور النسبة الحكمية، وتصديق واحد وهو الإذعان بتلك النسبة إيقاعاً أو انتزاعاً. وقد عرفت بأن الإرادة التصورية عارية عن التصديق والأخبار لا
يتحقق إلّا بالتصديق فكيف يتحقق الأخبار بلا تصديق؟ حتى يقال بثبوت الكلام النفسي وكذا الحال في الكلام الإنشائي فإن قوامه أيضاً بالتصديق، والإرادة التصورية عارية عن التصديق فيبطل القول بالكلام النفسي. وبالجملة فإذا كان الطلب عبارة عن التصديق المتوقف على الإنشاء فلا ينبغي له التأمل في تأصله وتحققه على وجه الاستقلال، وكذلك الحال في الخامس منها وهو الإباحة فإنها أيضاً عبارة عن التصديق بالتسوية بين الفعل والترك فيحتاج إلى الإنشاء فيكون أيضاً كإخوانه مجعولًا بجعل مستقل، وإنما الكلام في الوضعيات وأنه هل تعلق بها جعل مستقل في عرض جعل الطلبيات أم لا؟ بل هي منتزعة عنها.
ثانيها:أنه لا إشكال في عدم إنفكاك أغلب الأحكام الوضعية عن حكم تكليفي أو أحكام كذلك، ومن هنا جاء النزاع والخلاف في المسألة، فزعم المنكرون أنه ليس إلّا هذه الأحكام التكليفية غاية الأمر أن العقل ينتزع منها معنى يعبر عنها بحكم من الأحكام الوضعية، والمثبتون يمنعون منه ويدعون أن كلا منهما أمر مستقل مجعول في عرض الآخر.
ثالثها:أنه لا إشكال في أن الخطاب لو كان متضمنا لما يدل على حكم تكليفي من أمر أو نهي كقوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس، يكون الاستفادة والمستفاد وهو الحكم الطلبي كلاهما أصليان، بخلاف الوضعي فإن استفادته حينئذ تبعي. وأما المستفاد هو نفس الوضعي يكون تأصله محلًا للخلاف وأما لو تضمن الحكم الوضعي كأن يقول: الدلوك سبب لوجوب الصلاة فيكون استفادة الوضعي منه أصلية، واستفادة الطلبي تبعية بمعنى أنه يفهم منه وجوب الصلاة عند حصول
الدلوك وإن كان أصل الكلام مسوقاً لبيان السببية. ومن هنا يمكن دعوى ظهوره في كون المستفاد وهو الحكم الوضعي أصلياً كأستفادته هذا لكن تبعية الحكم التكليفي في الاستفادة لا تقتضي تبعية المستفاد أعني نفس الحكم بعد ما عرفت من الدليل على تأصله، وأنه لا يمكن أن يكون اعتباريا.
رابعها:ما أشرنا إليه سابقاً من أن حصر الحكم الشرعي في التكليفي وأنه لا تحقق لغيرها من الوضعيات ولو اعتباراً ممالا يتخيله أحد إذ المنكرون لا ينكرون ثبوتها رأساً ولو باعتبار، بل ينكرون تأصلها في الجعل حسبما عرفت. ومن هنا أبطلنا تخيل كون النزاع هنا في الحصر والعدم، فالحكم الوضعي بالنسبة إلى الحكم التكليفي عند المنكرين كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة لها تحقق في الخارج لا كالإمكان بالنسبة إلى الممكن كما هو ظاهر فانحصر الإشكال والنزاع في أن الصادر من الشارع في قوله: الدلوك سبب أو أقم الصلاة لدلوك الشمس هل هو إنشاء واحد أو إنشاءان مستقلان إنشاء الحكم وإنشاء السببية بالمعنى المتقدم وأنه على تقدير وحدة الإنشاء هل المنشئ أمران مستقلان كل في عرض الآخر كفرسي رهان أو ممتزجان كامتزاج اللبن بالماء مثلًا أو مترتبان كالوصف والموصوف أو المنشأ أمر واحد مستقل ينتزع العقل منه أمر آخر يعبر عنه باسم غير اسم الأوّل؟
الأمر الرابع:إنه قد تقرر في علم المعقول أنه للشيء غير الكون في الأعيان كون بنفسه لدى الأذهان بمعنى أنه للشيء وجود خارجي عيني يكون ظرف وجوده هو الخارج، ويترتب عليه الأثر المقصود منه في
الخارج، ووجود ذهني ظلي يكون ظرف تحققه هو الذهن، وهو الذي لا يترتب عليه الأثر المقصود منه. ولا إشكال في أن لكل منهما تحققاً متأصلًا في ظرف وجوده، كما لا إشكال في أن ما أشتهر بينهم من تقرر الماهيات ليس مرادهم به الوجود لا خارجاً ولا ذهناً ولا غيرهما بل هو عندهم بالعدم أقرب من الوجود.
نعم قد وقع الخلاف بينهم في أن الأمور الاعتبارية التي يعتبرها العقل وينتزعها من الخارج بأن يكون الخارج ظرفاً لوجود منشأ اعتبارها وانتزاعها لا لوجود نفسه حظاً من الوجود، ويكون قسماً ثالثاً للوجود أم لا بل هي ملحقة بالعدم، ذهب إلى كل فريق، وتحقيق الحال موكول إلى محله. ثم الوجود الخارجي ينقسم إلى ما إذا وجد وجد لا في موضوع كالجوهر وإلى إذا ما وجد وجد في الموضوع كالأعراض، وهذا تارة يكون من قبيل الأفعال وأخرى من قبيل الأوصاف وثالثة من غيرهما، والغرض من ذكر هذا الأمر بيان أن ليس النزاع في ثبوت الوجود الاعتباري للحكم الوضعي وعدمه، وأن وجوده بهذا المعنى على تقدير تسليم كونه من أقسام الوجود مما لا يقبل الإنكار ولا يترتب على ثبوته وعدمه فائدة كما لا يخفى، كما أن وجوده الذهني أيضاً مما لا ينكر كما سنشير إليه، وإنما الكلام في تحققه ووجوده الخارجي لأن الحكم من فعل الحاكم فيدخل في القسم الثاني من قسمي الوجود الخارجي فتدبر.
الأمر الخامس:إن المركب ينقسم إلى مركب خارجي حقيقي كالمعاجين الخارجية وغيرها، وإلى جعل اعتباري والمراد به: هو الأشياء غير الملتئمة الملحوظة شيئاً واحد بلحاظ خاص، بأن يكون لكل منها
مدخلية في حصول الأثر المقصود من المركب من المصالح والخواص. ومن هنا ظهر أن لكل من هذه الأشياء دخلًا في المصلحة المترتبة على المجموع على ما هو الحق من إبتناء الأحكام على المصالح الكامنة كما عليه العدلية وإلّا لم يتحقق الارتباط ويلزم الترجيح بلا مرجح. فتركيب هذا القسم وجعله ليس إلّا لحاظ مجموع هذه الأشياء شيئاً واحداً، وإن شئت عبرت عن هذا القسم بالمركب الذهني، وعن الأول بالمركب الخارجي، وقد يتركب شيء واحد منهما كالصلاة بالنسبة إلى الشرط والجزء فإن الأول جزء ذهني والثاني جزء خارجي. وعلى كل حال فلا ينبغي له التأمل في أن كل جاعل لشيء مركب من الأشياء سواء أكان التركيب خارجياً أو ذهنياً حقيقياً أم اعتبارياً جزء كان تمام هذه الأشياء أو بعضها جزء وبعضها قيد، لا محال يتصور كل ذلك الأشياء أولًا على حدة، ثم يلاحظ المجموع من حيث المجموع ويتصوره ثم يأمر بالإتيان به، وكذلك يتصور ذات السبب وذات المسبب والعلقة بينهما ثم يجعل السببية والعلقة بينهما أو يأمر بإتيانها وكذلك في الشرطية والمانعية فإن كل ذلك قيود للمركب وأجزاء ذهنية له. وهذا مما لا إشكال فيه بل هو أمر بديهي ضرورة أن العاقل ما لم يتصور الأجزاء أو الشروط والسبب والمسبب لا يتحقق منه الجعل بالنسبة إلى المركب، ولا يصدر منه الأمر بإتيانه. وهذا هو المراد بالجعل التصوري الذي خارج عن محل النزاع، فإن النزاع في الجعل التصديقي بمعنى أنه بعد تصور الأجزاء والشروط وإيقاع الحكم عليه هل أنشأ إنشاء آخر وجعل الجزء والشرط شرطاً والسبب سبباً أو أوجد الأرتباط بينهما أم لا؟ بل بعد تصور تلك
الأجزاء والشروط يكون الصادر منه هو خصوص الأمر بإتيان المركب فالجزئية والشرطية مما ينتزعه العقل من الأمر بالمركب، وكذا بعد تصور ذات السبب والمسبب يكون الصادر منه طلب هذا الشيء عند وجود ذلك الشيء، فالعقل ينتزع من هذا الطلب المقيد سببية الثاني للأول وهكذا.
الأمر السادس:إن الأحكام الطلبية منحصرة في الخمسة بلا خلاف بل بالإجماع، وعدم كل منها ليس بحكم جزماً لعدم قابليته للجعل الشرعي.
وأما الوضعي فعن بعضهم حصره في ثلاثة: السببية، والجزئية، والشرطية. وعن آخر خمسة بزيادة الفساد والصحة. وعن ثالث في ستة بزيادة المانعية. وعن رابع في سبعة بزيادة الضمان. وعن خامس في تسعة بزي- ادة الطهارة والنج- اسة. وع- ن سادس في أربع-- ة عشر. وعن سابع أن- ه لا حصر له، فكل ما لم يكن حكماً تكليفياً مما يصلح أن يؤخذ من الشارع فهو وضعي كالضمان والملكية والزوجية والرقة والطهارة والنجاسة والكرية وتنزيل الموجود منزلة المعدوم وعكسه بل وسائر التنزيلات الشرعية إلى غير ذلك. وعن بعض مشايخنا المناقشة في ذلك بأن مورد الحكم الشرعي كما يظهر من كلماتهم لابد من أن يكون فعل المكلف، ومورد تلك المذكورات هي الأعيان الخارجية وهذا بخلاف الأحكام المعروفة فإن موردها فعل المكلف ويدفعها أن الدلوك سبب والحيض مانع مع إنهما ليسا من الأفعال، وكذا الشرطية لا يمكن عروضها للفعل أبداً على ما عليه المناقش من كون الشرط من مقولة