الأيراد الرابع:ما يظهر من أستاذنا المرحوم الشيخ كاظم الشيرازي (ره) من أن الحكم ليس في تشريعه إلّا مرتبة واحدة، فإن الحاكم إنما يحكم على طبق ما في الأفعال من المصالح والمفاسد فإذا علم به المكلف أو قام دليل معتبر عليه حكم صريح عقله بوجوب امتثاله، فليس لتشريعه إلّا مرتبة واحدة مسبوقة بمصلحة تكوينية في نفس الحكم أو في متعلقه، وبحكم العقل يتنجز عند العلم به أو قيام الدليل المعتبر عليه. وما ورد من الأمر بالسكوت عما سكت الله تعالى عنه فالمراد بسكوته عدم جعله مع وجود المقتضي، ولو سلمنا ترتب المثوبة على فعل ما كان كذلك فلعله من جهة وجود المصلحة. والإرادة الاستعمالية التي التزم بها بعضهم في العمومات بإرجاع التخصيص إلى مطابقة تلك الإرادة للإرادة الجدية لا تقتضي وجود الحكم بمرتبة إنشائية، لأنا لو سلمناها فإنما هي إرادة سيقت توطئة لبيان المقدار الجدي منها وأين هذا من الحكم الإنشائي الذي يصير فعليا بزوال المانع. كيف ولو أريد بالحكم الإنشائي هذه الإرادة لم يحصل الثواب بمطابقتها لأنها إرادة استعمالية لا ربط لها بالواقع ومصلحته.
وجوابه: إن من الوجدان لمن رجع لنفسه يجد أن للحكم مرتبة إنشائية غير الفعلية، والأخبار كما تقدم ظاهرة في ذلك. وليست الإرادة الاستعمالية هي الحكم الإنشائي.
وجوب تشريع الأحكام ووجه حسنه
ذهبت الإمامية إلى وجوب التكليف على الله تعالى عقلًا وكذا عند المعتزلة. والمراد بالوجوب على الله تعالى في هذا المقام وغيره- كما يقال اللطف واجب عليه تعالى- هو كون الفعل موافقاً للحكمة، أي أن
حكمته تعالى تقتضي ذلك الفعل لا أن غيره أوجبه عليه تعالى كما توهمه بعضهم وشنع على القائلين بالوجوب.
وأما الأشاعرة فقد نفوا ذلك وزعموا أن التكليف والتشريع للأحكام ليس بواجب بل هو تفضل منه تعالى إن شاء فعله وإن شاء لم يفعل.
والحق هو الأول لأن جعل التكليف على نوع الإنسان إنما هو لإصلاح المعاش وتنظيم الحياة، فهو أمر حسن يحكم بوجوبه العقل على من بيده ملكوت الإنسان وله عليه السلطان. وعليه سيرة العقلاء من قديم الزمان فلا تجد حكومة إلّا وقد سنت قوانين لإصلاح أمور أتباعها وتنظيم حياة رعاياها، وذلك لجلب السعادة إليهم ودفع الشقاء عنهم في أدوار حياتهم الفردية والاجتماعية، وفي أطوار نشأتهم الأولية والأخروية. فإنه تعالى لو تركهم سدى لأحاطت بهم المهالك، ولضاقت بهم المسالك لقصور عقل الإنسان عن إدراك ما ينفعه وما يضره، ولغلبة الشهوة فيه على سلطان العقل، وحبه للسطوة والسيطرة على أفراد النوع، والنزاع على وسائل العيش. وهو أعز مخلوق لدى الله (عز و جل)، وأشرف موجود عنده. فلا يعقل أنه يهمل أمره ولا يصلح شأنه وهو الرب الرحيم الرؤوف بمخلوقاته المدير لمصنوعاته، فأرسل الرسل مبلغين ومنذرين بقوانين وأحكام. ترشدهم لصالحهم الخاص والعام، وتنظم لهم أمور الحياة في السراء والضراء، وتوصلهم إلى الكمال، وتجنبهم عن الضلال وتربطهم بخالق الكون ومدبره. فكلفهم بالمعرفة بأصول الدين ليطلعوا على عظيم شأنه، وكمال قدرته على خلقه. ويطاع في أمره ونهيه،
وكلفهم بالعبادات في عدة من الأوقات وفي كثير من المناسبات، ليخرجهم من مقام الحيوانية إلى مقام الإنسانية، ومن ظلمات النفس إلى نورها وروحانيتها، ويقوي فيهم الشعور الديني حتى تلتهب النفس بالعاطفة الدينية، ويصبح الشعور الديني فيها وازعاً نفسياً يسوقها لإتيان ما يريده تعالى منها، ورادعاً قلبياً عن فعل ما يبغضه عز اسمه منها، وكلفهم بما يصلح شؤون حياتهم في جميع أدوارها وأطوارها لئلا يترك الناس سدى، ويسودهم الهرج والمرج، فقنن لهم قوانين الاختصاص في الأموال، وسن لهم قسمة المواريث وموجبات الإنفاق وتوزيع الغنائم والصدقات، وألزمهم بالعقود لئلا تختلف النيات وتجهل أو تتجاهل المقاصد في المعاملات والإيقاعات، وندبهم لما فيه صلاحهم ونجاحهم، وجعل القصاص والحدود والتعزيرات والضمانات حفظاً للنفوس والأموال، وخوفاً من المروق عن طاعة الرحمن، ووعدهم بالثواب على حسب مقادير الإطاعة، وأوعدهم بالعقاب على حسب مقادير المعصية، وبالغ في الإنذارات، وأكثر من التحذيرات والترغيبات والترهيبات حرصاً منه تعالى عليهم. أن لا يقصّروا في ذلك فتفوت عليهم المصالح ويقعوا في المفاسد فيبوئوا بالخسران المبين والضرر العظيم. وقد وقع التنبيه من أئمتنا على محاسن التكليف في مواضع كثيرة منها ما في الاحتجاج إنه اتصل بأمير المؤمنين (ع) أن قوماً من أصحابه خاضوا في التعديل والتجوير فخرج حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق أراد أن يكون على آداب رفيعة وأخلاق شريفة فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلّا بأن يعرفهم
ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلّا بأمر ونهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلّا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلّا بالترغيب، والوعيد لا يكون إلّا بالترهيب، والترغيب لا يكون إلّا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، والترهيب لا يكون إلّا بضد ذلك، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفاً من اللذات ليستدلوا به على ما ورائهم من اللذات الخاصة التي لا يشوبها ألم الّا وهي الجنة وأراهم طرفاً من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة الا وهي النار، من أجل ذلك يرون نعيم الدنيا مخلوطاً بمحنها، وسرورها ممزوجاً بكدرها، وغمومها)، قيل فَحُدِّث الجاحظ بهذا الحديث فقال: (هو جماع الكلام الذي دوّنه الناس في كتبهم وتحاوروه بينهم) قيل ثم سمع أبو علي الجبائي بذلك فقال: (صدق الجاحظ هذا مالا يحتمله الزيادة والنقصان). وأمثال تلك الأحاديث أحاديث كثيرة لا تحصى. وبالجملة النظر إلى هذه الأحاديث يستفاد منه أن الغاية والمصلحة في تكليف العباد هو التعريض للثواب وحفظ نظام العالم. وهذا غرض صحيح فيكون التكليف حسناً، بل واجباً لأن الترك للإحسان بالنسبة إلى من يستحقه مع عدم المانع قبيح، بل لولا صدور التكليف والتشريع للأحكام لكان الله تعالى فاعلًا للقبيح لأنه بتركه للتشريع يكون مغرياً للعبد بالقبيح، والإغراء بالقبيح قبيح، بيان الشرطية: إن المكلف البالغ العاقل فيه ميل بمقتضى طبعه لفعل القبيح، ونفور عن فعل الحسن مع جهله الكثير بما يصلحه ويضره، فلو لم يشرع له الله تعالى الأحكام لزم إغرائه بالقبيح، والتالي باطل لأن الإغراء بالقبيح قبيح، والقبيح لا يصدر
من الله تعالى لعدله وحكمته، فالمقدم وهو عدم صدور التشريع منه باطل، فيجب صدوره منه.
فإن قيل: لِمَ خلق الخلق ولم يتركهم في كتم العدم فلم يفتقر إلى التكليف لحفظ النظام؟
قلنا: لا شك أن الإيجاد من أعظم النعم على المخلوق وإحسان بالنسبة إلى الخلق، والماهيات طالبة بلسان الحال له منه- تعالى-، وبعد الإيجاد أعطى الأعضاء والجوارح النعم الظاهرة والباطنة وذلك كله خير محض ليس فوقه خير.
فإن قيل: لِمَ لم يمنعهم بإرادته التكوينية عن المفاسد ويجبرهم على فعل المصالح فلا يحتاج إلى التكليف وإرسال الرسل كالملائكة؟
قلنا: يلزم على ذلك الجبر منه- تعالى- لهم وهو خلاف المنة عليهم، وخلاف مقتضى ذاتياتهم، فإنَّ من كمال النعمة أن يكون ما يعطيه من الوجود كل على حسب ذاته وإلّا كان بخيلًا في عطائه، بل لم يكن قد أعطاه وجوده وألبسه ثوبه. والذاتي لا يعلل وفي الدعاء (غير منقوص ما أعطيت) فإن قيل: لِمَ لا يعطيهم الثواب بلا تكليف؟
قلنا لما كان التكليف لازماً لحفظ النظام وإصلاح الحياة فلابد من التكليف، ومعه فلا وجه لإعطاء العامي الثواب وجعله مع المطيع بمنزلة واحدة، بل لا يصح إعطائه الثواب بعد ما كان الله تعالى خلق الثواب والعقاب لأجل الطاعة والعصيان.
فإن قيل: لا نسلم أن التكليف حسن بالنسبة إلى الكافر والفاسق كيف وهو يوجب عليهم العقاب لمخالفتهم له والحال أن الكفار والفساق مكلفون عندكم؟
وبعبارة أخرى إن التكليف إنما يحسن إذا كان فيه دفع ضرر أو جلب نفع. والكافر والفاسق لم يكن تكليفهما موجباً لجلب النفع لهما ودفع الضرر عنهما بل تكليفهما موجب لمضرتهما وهلاكهما.
قلنا: حسن التكليف بواسطة أنه يهيأ العبد لما فيه صلاحه في الدارين ويعرضه للسعادة في النشأتين، وهذا المعنى موجود في التكليف بالنسبة إلى الكافر والفاسق والمؤمن، كيف وكثير من الكفار والفساق قد ارتدعوا عن كفرهم وفسقهم بواسطة الوعد والوعيد بالثواب والعقاب على التكاليف؟ ولولا ذلك لما عدلت نفوسهم الأَمّارة بالسوء عن ملذاتها المحرمة وشهواتها المبغوضة، بل الكثير من المؤمنين لولا ذلك لما حافظوا على ايمانهم وأطاعتهم لديّانهم. فحسن التكليف لهما إنما كان من جهة داعويته وبعثه لما فيه خيرهما وصلاحهما ودفع الفساد عنهما.
فإن قيل: التعريض بالنسبة إلى الكفار إنما يستحسن إذا لم يكن العلم حاصلًا بأنهم لا يقبلون الأيمان أما مع العلم فلا.
قلنا: العلم ليس بمؤثر في حسن التكليف وقبحه، إذ أن حسنه من جهة كونه مهيأ للعبد ومعرضاً له للسعادة نظير الأمر باستعمال الدواء للمريض فإن علم الطبيب بعدم استعمال المريض له لا يوجب قبح أمر الطبيب، مضافاً إلى أن عدم التكليف له يوجب عدم إطاعة الغير للتكليف لأنه يختار عدم الإتيان والعصيان لما في ذلك من الراحة حيث
بذلك يصير مثله فلا يكلف، ومع عدم التكليف لا عقاب عليه حسب الفرض.
فإن قيل: هَبْ أن التعريض حسن لكن إذا لم يترتب على عدم قبوله الإخلاد في النار والعقاب السرمدي، أما إذا كان كذلك فلا نسلم حسنه، مضافاً إلى أن العقاب إنما يحسن إذا كان لردع الإنسان عن العصيان مرة أخرى أو لردع غيره عن العصيان، وفي الآخرة لا عصيان حتى يكون العقاب رادعاً له أو لغيره.
قلنا: قد عرفت بأن حفظ نظام الخلق يتوقف على إطاعتهم لتكاليفهم، وإطاعتهم لتكاليفهم تتوقف على الوعيد بالعقاب، فإنه لولاه لما امتثلت التكاليف، فيكون من الواجب على الله تعالى هو جعل استحقاق العقاب على العاصي وصدقه في إخباره بذلك، بل التكليف مجرداً عن الوعيد قبيح إذ لا يكون حينئذ داعياً للعمل وباعثاً على فعله فلابد من التكليف [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] و [لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى].
وأيضاً يجوز أن يكون من لوازم بعض المعاصي مع وجود شرائطه وعدم موانعه كالاستغفار وشفاعة النبي (ص) ونحو ذلك العقاب السرمدي، كما من لوازم بعض السموم إهلاك النفس، فيكون التكليف حسناً محضاً، كأمر الطبيب باحتراز الناس من المرض وبعض الأغذية المضرة والسموم القتالة ولو بالنسبة إلى من لا يمتثل أمر الطبيب. وأيضاً يجوز انقلاب أفعال العباد في النشأة الآخروية إذا كانت معاصي بصورة حيّات وعقارب والنيران التي وقودها الناس والحجارة كما يدل عليه ظواهر بعض الآيات كقوله تعالى: [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] وذكرته
بعض الأخبار، وصرّح به بعض المحققين فحينئذ يكون التكليف حسناً محضاً لتضمنه إظهار مفاسد أفعال العباد الشنيعة ويكون خلود الكفار في النار من قبل نفسه.
مضافاً إلى ما هو المقرر في محله عند العدلية من أن أفعاله تعالى كلها حسنة وغاياتها صحيحة وإن لم تصل العقول البشرية إلى وجوه حسنها كلها. والتكليف من أفعاله تعالى فلابد أن يكون حسناً.
إن قلت إنه قد ثبت عند العدلية أن العقل مدرك لحسن الحسن ووجوب المدح على فعله، ولقبح القبيح ووجوب الذم بفعله، وكان ذلك كافياً في الزجر فلا حاجة للتكليف فلا يكون واجباً عقلا في الحكمة.
وأجيب عن ذلك: إن إدراك العقل غير كاف في زجر العبد عما تميل إليه النفس من المحرمات، وغير كاف في داعوية العبد لفعل الواجبات، لأن الدواعي للملذات في نفوس نوع البشر تقهر دواعي العقل وتصرعها وتتغلب عليها، فلذا لابد من تكليف المولى على طبقها لتقوى بالتكليف على صرع دواعي الملذات المحرمة ومعاضدة دواعي العقل للأفعال المستحسنة، على أن الكثير من الأفعال لا يدرك العقل حسنها أو قبحها، فلابد من التكليف بفعل الحسن منها وبترك القبيح منها.
إن قلت لعل التكليف مشتمل على وجه قبح لا نعلمه فلا نحرز حسنه.
قلنا قد بينا وجه حسنه وضرورة وجوده لإصلاح المعاش ووجوبه على الله تعالى، ورفعنا ما تخيل من وجوه القبح فيه، وذلك يوجب العلم بحسنه وعدم قبحه.
وقد أورد البراهمة على حسن التكليف بإيرادين: