من الله تعالى لعدله وحكمته، فالمقدم وهو عدم صدور التشريع منه باطل، فيجب صدوره منه.
فإن قيل: لِمَ خلق الخلق ولم يتركهم في كتم العدم فلم يفتقر إلى التكليف لحفظ النظام؟
قلنا: لا شك أن الإيجاد من أعظم النعم على المخلوق وإحسان بالنسبة إلى الخلق، والماهيات طالبة بلسان الحال له منه- تعالى-، وبعد الإيجاد أعطى الأعضاء والجوارح النعم الظاهرة والباطنة وذلك كله خير محض ليس فوقه خير.
فإن قيل: لِمَ لم يمنعهم بإرادته التكوينية عن المفاسد ويجبرهم على فعل المصالح فلا يحتاج إلى التكليف وإرسال الرسل كالملائكة؟
قلنا: يلزم على ذلك الجبر منه- تعالى- لهم وهو خلاف المنة عليهم، وخلاف مقتضى ذاتياتهم، فإنَّ من كمال النعمة أن يكون ما يعطيه من الوجود كل على حسب ذاته وإلّا كان بخيلًا في عطائه، بل لم يكن قد أعطاه وجوده وألبسه ثوبه. والذاتي لا يعلل وفي الدعاء (غير منقوص ما أعطيت) فإن قيل: لِمَ لا يعطيهم الثواب بلا تكليف؟
قلنا لما كان التكليف لازماً لحفظ النظام وإصلاح الحياة فلابد من التكليف، ومعه فلا وجه لإعطاء العامي الثواب وجعله مع المطيع بمنزلة واحدة، بل لا يصح إعطائه الثواب بعد ما كان الله تعالى خلق الثواب والعقاب لأجل الطاعة والعصيان.
فإن قيل: لا نسلم أن التكليف حسن بالنسبة إلى الكافر والفاسق كيف وهو يوجب عليهم العقاب لمخالفتهم له والحال أن الكفار والفساق مكلفون عندكم؟
وبعبارة أخرى إن التكليف إنما يحسن إذا كان فيه دفع ضرر أو جلب نفع. والكافر والفاسق لم يكن تكليفهما موجباً لجلب النفع لهما ودفع الضرر عنهما بل تكليفهما موجب لمضرتهما وهلاكهما.
قلنا: حسن التكليف بواسطة أنه يهيأ العبد لما فيه صلاحه في الدارين ويعرضه للسعادة في النشأتين، وهذا المعنى موجود في التكليف بالنسبة إلى الكافر والفاسق والمؤمن، كيف وكثير من الكفار والفساق قد ارتدعوا عن كفرهم وفسقهم بواسطة الوعد والوعيد بالثواب والعقاب على التكاليف؟ ولولا ذلك لما عدلت نفوسهم الأَمّارة بالسوء عن ملذاتها المحرمة وشهواتها المبغوضة، بل الكثير من المؤمنين لولا ذلك لما حافظوا على ايمانهم وأطاعتهم لديّانهم. فحسن التكليف لهما إنما كان من جهة داعويته وبعثه لما فيه خيرهما وصلاحهما ودفع الفساد عنهما.
فإن قيل: التعريض بالنسبة إلى الكفار إنما يستحسن إذا لم يكن العلم حاصلًا بأنهم لا يقبلون الأيمان أما مع العلم فلا.
قلنا: العلم ليس بمؤثر في حسن التكليف وقبحه، إذ أن حسنه من جهة كونه مهيأ للعبد ومعرضاً له للسعادة نظير الأمر باستعمال الدواء للمريض فإن علم الطبيب بعدم استعمال المريض له لا يوجب قبح أمر الطبيب، مضافاً إلى أن عدم التكليف له يوجب عدم إطاعة الغير للتكليف لأنه يختار عدم الإتيان والعصيان لما في ذلك من الراحة حيث
بذلك يصير مثله فلا يكلف، ومع عدم التكليف لا عقاب عليه حسب الفرض.
فإن قيل: هَبْ أن التعريض حسن لكن إذا لم يترتب على عدم قبوله الإخلاد في النار والعقاب السرمدي، أما إذا كان كذلك فلا نسلم حسنه، مضافاً إلى أن العقاب إنما يحسن إذا كان لردع الإنسان عن العصيان مرة أخرى أو لردع غيره عن العصيان، وفي الآخرة لا عصيان حتى يكون العقاب رادعاً له أو لغيره.
قلنا: قد عرفت بأن حفظ نظام الخلق يتوقف على إطاعتهم لتكاليفهم، وإطاعتهم لتكاليفهم تتوقف على الوعيد بالعقاب، فإنه لولاه لما امتثلت التكاليف، فيكون من الواجب على الله تعالى هو جعل استحقاق العقاب على العاصي وصدقه في إخباره بذلك، بل التكليف مجرداً عن الوعيد قبيح إذ لا يكون حينئذ داعياً للعمل وباعثاً على فعله فلابد من التكليف [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] و [لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى].
وأيضاً يجوز أن يكون من لوازم بعض المعاصي مع وجود شرائطه وعدم موانعه كالاستغفار وشفاعة النبي (ص) ونحو ذلك العقاب السرمدي، كما من لوازم بعض السموم إهلاك النفس، فيكون التكليف حسناً محضاً، كأمر الطبيب باحتراز الناس من المرض وبعض الأغذية المضرة والسموم القتالة ولو بالنسبة إلى من لا يمتثل أمر الطبيب. وأيضاً يجوز انقلاب أفعال العباد في النشأة الآخروية إذا كانت معاصي بصورة حيّات وعقارب والنيران التي وقودها الناس والحجارة كما يدل عليه ظواهر بعض الآيات كقوله تعالى: [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] وذكرته
بعض الأخبار، وصرّح به بعض المحققين فحينئذ يكون التكليف حسناً محضاً لتضمنه إظهار مفاسد أفعال العباد الشنيعة ويكون خلود الكفار في النار من قبل نفسه.
مضافاً إلى ما هو المقرر في محله عند العدلية من أن أفعاله تعالى كلها حسنة وغاياتها صحيحة وإن لم تصل العقول البشرية إلى وجوه حسنها كلها. والتكليف من أفعاله تعالى فلابد أن يكون حسناً.
إن قلت إنه قد ثبت عند العدلية أن العقل مدرك لحسن الحسن ووجوب المدح على فعله، ولقبح القبيح ووجوب الذم بفعله، وكان ذلك كافياً في الزجر فلا حاجة للتكليف فلا يكون واجباً عقلا في الحكمة.
وأجيب عن ذلك: إن إدراك العقل غير كاف في زجر العبد عما تميل إليه النفس من المحرمات، وغير كاف في داعوية العبد لفعل الواجبات، لأن الدواعي للملذات في نفوس نوع البشر تقهر دواعي العقل وتصرعها وتتغلب عليها، فلذا لابد من تكليف المولى على طبقها لتقوى بالتكليف على صرع دواعي الملذات المحرمة ومعاضدة دواعي العقل للأفعال المستحسنة، على أن الكثير من الأفعال لا يدرك العقل حسنها أو قبحها، فلابد من التكليف بفعل الحسن منها وبترك القبيح منها.
إن قلت لعل التكليف مشتمل على وجه قبح لا نعلمه فلا نحرز حسنه.
قلنا قد بينا وجه حسنه وضرورة وجوده لإصلاح المعاش ووجوبه على الله تعالى، ورفعنا ما تخيل من وجوه القبح فيه، وذلك يوجب العلم بحسنه وعدم قبحه.
وقد أورد البراهمة على حسن التكليف بإيرادين:
الأيراد الأول:إن التكليف أما أن يكون لا فائدة فيه أو لفائدة وهي أما الضرر أو النفع الراجع إلى المكُلِّف أو النفع الراجع إلى غيره. والأول والثاني واضح قبحهما، وأما الثالث فالله تعالى هو الغني بذاته لا يحتاج إلى الغير في نفعه، وأما الرابع فالتكليف يكون قبيحاً لأنه بمنزلة جرح الإنسان غيره ثم يداويه فيكون قبيحاً له.
والجواب أنا نختار القسم الرابع ونبطل القياس المذكور بالفرق وذلك لأن الجرح مضرة صرفة والتداوي تخليص عن تلك المضرة بخلاف التكليف فقد عرفت منافعة في العاجل والآجل وليست منفعته هي التخليص من مشقته فقط.
والأولى أن يمثل بالجرح الذي يقصد منه التداوي كرفع الزائدة الدودية وكإزالة البواسير والنواسير وإخراج المواد المتعفنة.
الأيراد الثاني:إن التكليف لأجل المصلحة بمثابة المعاوضات، والمعاوضات شرط حسنها التراضي من الطرفين، فالتكليف بدون رضا المكلف قبيح كالمعاوضات.
والجواب أن التكليف ليس من قبيل المعاوضات وإنما هو لإصلاح العباد ورفع الفساد، ولا يشترط في حسن ذلك رضا الطرف الآخر ألا ترى أن الولي يحسن منه تأديب الصبي مع عدم رضا الصبي بذلك. فكيف بمن هو ولي العباد والمطلع في الغيب على ما هو الصالح والضار لهم؟
أدلة القائلين بنفي التكليف
ذهب قوم إلى نفي التكليف ولهم على ذلك عدة من الشبهات:
الشبهة الأولى:إن الأشياء بأجمعها مخلوقة لله تعالى ومن جملتها أفعالنا فهي مخلوقة لله تعالى، فلا يصح تكليفنا بها. وجوابه ما تقرر في محله من أن أفعال العبد مخلوقة للعبد.
الشبهة الثانية:إن الله تعالى أما أن يكون مريداً للأفعال الصادرة منا فهي واجبة الوقوع وإلّا لزم تخلف المراد عن إرادته أو لا يريدها فهي ممتنعة الوقوع وإلّا لزم تخلف المراد عن إرادته.
وجوابه أنها مرادة له بالإرادة التشريعية لا التكوينية، والمحال هو تخلف المراد بالإرادة التكوينية عن إرادته التكوينية، وأما تخلف المراد بإرادته التشريعية عن المراد بالإرادة التشريعية فليس بمحال، ولا دليل على محاليته كما هو واضح بالبداهة والوجدان.
إن قلت أن الإرادة التكوينية أما أن تتعلق بإطاعة العبد فلا فائدة بتكليفه، بل يكون لغواً لتحقق الإطاعة حتماً لاستحالة تخلف المراد عن إرادته التكوينية، وأما أن تتعلق بعصيان العبد فلا فائدة في تكليفه، بل هو لغواً لاستحالة الإطاعة لاستحالة تخلف المراد عن إرادته التكوينية.
قلنا أن الإرادة التكوينية إنما تتعلق بأفعاله تعالى لا بأفعالنا وإلّا لزم الجبر وقد حققنا في محله عدم الجبر.
الشبهة الثالثة:إن أفعالنا أما معلومة الوجود لله تعالى فهي واجبة الوقوع لاستحالة تخلف المعلوم عن علمه تعالى وإلّا لزم الجهل على الله تعالى، وأما معلومة العدم له تعالى فهي ممتنعة الوقوع وإلّا لزم الجهل عليه تعالى فلا يصح التكليف بها من الله تعالى لسلب اختيار العبد فيها.
وجوابه إنها معلوم لله تعالى وقوعها باختيار العبد أو معلوم لله تعالى عدم وقوعها باختيار العبد، فلو كان علمه تعالى يسلب اختيار العبد بالنسبة لها لزم جهله تعالى لخروجها بذلك عن اختياره، مضافاً إلى أن العلم تابع للمعلوم فلا يعقل أن يؤثر فيه، مضافاً إلى أن هذا لا يتم فيمن يقول أن الله تعالى لا يعلم بالجزئيات وهو لا ينافي قدرته التامة وعلمه الكامل لأن علمه بذلك يوجب سلب اختيار العبد وهو خلاف المنة عليه.
الشبهة الرابعة:إن التكليف بالعمل أما أن يكون حال حصول العمل وهو محال لأنه طلب للحاصل، وأما أن يكون حال عدم العمل وهو محال لأن العمل إذ ذاك يكون معدوماً لا يمكن إيجاده إلّا بعد التكليف، وأما أن يكون قبل العمل فهو لا يخلو أما مع تساوي داعي الفعل وداعي عدمه فهو أيضاً محال لأنه في هذه الحالة العمل ممتنع، وإن كان عند الرجحان لأحد طرفي العمل فالراجح واجب والمرجوح ممتنع فلا يصح التكليف بأحدهما.
وجوابه إنا نختار الشق الثالث والعمل إنما كان ممتنعاً أو واجباً بالنسبة لما يقتضي تحققه أو عدمه، وأما بالنسبة لذات الفاعل فهو غير ممتنع ولا واجب فإن الأعمال الاختيارية إذا لوحظت بالنسبة لفاعلها كان له الاختيار والقدرة عليها وإذا لوحظت بالنسبة لفاعلها مع الدواعي وباقي أجزاء علتها التامة كانت واجبة الوقوع، كما أنه إذا لوحظت مع عدمها كانت ممتنعة الوقوع، ولا شك أن اللحاظ لا دخل له في الواقع والتحقق فهي ممكنة الوقوع لفاعلها في عالم الواقع والتحقق.
بقى هنا كلام للفخر الرازي في نهاية العقول قال: إن الله تعالى كلّف بالإيمان في علم أنه لا يؤمن وذلك تكليف بما لا يطاق وذلك يقدح في قولكم أن الواجب تعالى لا يصدر عنه القبيح هَبْ أن صدور الإيمان ممن علم أنه لا يؤمن ليس بمحال، ولكن مع ذلك فالتكليف به قبيح بيانه أن العقلاء يستقبحون من العاقل أن يفعل فعلًا لغرض، مع حصول اليقين بأنه لا يفضي إلى ذلك الغرض وإنما يفضي إلى ضده فإن من جمع بين عبيده وإمائه وقال غرضي من ذلك أن تشتد الشهوة في حقهم ثم أنهم يمتنعون عن قضاء تلك الشهوة فيستحقونه التعظيم بسبب ذلك الامتناع مع أنه يعلم يقينا أنهم لا يفعلون ذلك بل يرتكبون الفواحش فإنه يستقبح منه ذلك، ومن رأى بريّة عرفها المسافرون وكانت خالية عن السراق وقطاع الطريق بسبب قلة الماء والأبنية فقال: إني أبني فيها أبنية واستخرج فيها أودية حتى يكمل انتفاع المسافرين بها مع أنه يعلم قطعاً إنه متى فعل ذلك اجتمع فيها من السراق وما يقطعون القوافل ويغيرون على الناس ويقتلونهم ثم إنه يقول مع هذا اليقين: إني إنما فعلت ذلك لغرض الإصلاح وإن كنت قاطعاً لا يحصل منه إلّا الإفساد فإنه يستهزء به ويسخر منه، والوالد إذا علم من ولده أنه مهما أعطاه السكين فإنه يقتل به نبياً من الأنبياء ويقتل به نفسه ثم يقول: إني وإن كنت أعلم منه ذلك لكنني إنما أعطيته ذلك السكين ليبري منه قلبه فإنه يسخر منه. فثبت بهذا الصور أن من فعل فعلًا لغرض الإصلاح مع أنه يكون على يقين من أنه لا يحصل الإصلاح وإنما يحصل الفساد فإن ذلك الفعل يكون قبيحاً، ثم إنه تعالى كلف الكافر مع إنه تعالى كان يعلم أنه لا