بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 198

اللهم إلّا أن يقال باكتفاء جعل حكم وضعي واحد. فأقول إذا كان المراد ذلك فقد جعل الله تعالى لكل شي‌ء حكماً، بقوله (ع): (كل شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر) ولكن لا يخفى ما فيه، لأنه لا يجري في كثير من الأفعال هذا فيما كانت الواقعة محتاجا إليها. وأما إذا كانت الواقعة غير محتاج إليها للمكلفين ولا لبعض منهم كوقائع الحور العين في هذه الدنيا أو نكاح الجنية ومثل من صعد جرم الشمس والقمر جنبا أو حائضاً إلى غير ذلك: فوجهان يحتمل جواز الخلو، ويحتمل امتناعه لكن أقواهما عدم الخلو للنصوص الكثيرة الدالة على أن الله تبارك وتعالى بيّن لنبيه (ص) كل حلال وكل حرام حتى أرش الخدش فإنها مطلقة أو عامة كما هو كذلك في كثير منها، فنأخذ بعمومها ونحكم بعدم الخلو أيضاً ولو قيل أن نصوص أرش الخدش مطلقة وخصوص رواية درست مقيدة بخصوص الوقائع المحتاج إليها وبعد حمل المطلق على المقيد لا إطلاق فيها حتى نتمكن من التمسك بها.

قلنا إن تقييد نصوص أرش الخدش برواية درست فرع فهم العرف التخالف بين الخطابين ولا تخالف بينهما لكون كل منهما مثبتين فلا يحمل المطلق على المقيد لفقد شرط الحمل، ويمكن أن يقال أن فهم العرف التنافي إنما هو شرط في حمل العام على الخاص، أما في حمل المطلق على المقيد فهو ليس بشرط ألا ترى أنهم يحملون قول القائل (اشتري حُقَةً من اللحم) على لحم الغنم إذا قال بعده: (اشترِ حُقَةً من لحم الغنم) وكذلك قوله (اعتق رقبة) و (اعتق رقبة مؤمنة) حيث لا تخالف بينهما ومع ذلك يحمل المطلق على المقيد.


صفحه 199

الوجه الخامس: الرواية الدالة على أنه تعالى جعل لكل واقعة مما يحتاج ومما لا يحتاج إليها حكماً، وهو مضبوط عند أمنائه تعالى، وهي ما رواه في الكافي في كتاب الحجة عن الحسين بن أبي العلاء (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شي‌ء فيه قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم والحلال والحرام ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآناً وفيه ما يحتاج الناس إليه أو لا يحتاج إلى أحد حتى في الجلدة وبربع الجلدة وأرش الخدش). فهذه الرواية تدل على عدم الخلو في الوقائع المحتاج إليها بخصوصها وعلى عدم الخلو في الوقائع غير المحتاج إليها بخصوصها.

ثم لا يخفى عليك أن ما عدا الدليل الأول وهو قاعدة اللطف من الأخبار التي تمسكنا بها على المطلوب في المقامين لا يدل إلّا على عدم الخلو لا أنها تدل على امتناع الخلو كما هو محل النزاع، ولا ريب أن عدم الخلو لا يستلزم امتناع الخلو فلعل الخلو لم يكن ممتنعاً لكنه تعالى تفضلًا على العباد لم يخل شيئاً منها عن الحكم. فالأدلة الثلاثة الأخيرة في المقام الأول وما ذكر في المقام الثاني لا يبطل قول الخصم وهو عدم امتناع الخلو كما لا يثبت القول بامتناع الخلو. اللهم إلّا أن يكون النزاع في الخلو وعدم الخلو لا في امتناع الخلو وإمكانه، وهو كما ترى مخالفاً لصريح عنوان القوم لكن يمكن أن يقال أن النزاع وإن كان في امتناع الخلو وإمكانه إلّا أن ما يتفرع على القول بامتناع الخلو يتفرع على القول بعدم الخلو، ويترتب ثمرة القول بامتناع الخلو على القول بعدم الخلو،


صفحه 200

ولذا اكتفى القائلون بامتناع الخلو على إثبات عدم الخلو ولم يعترضهم الخصم بأن عدم الخلو لا يلازم ما تدعون من امتناع الخلو.

حكم الأفعال قبل الشرع‌

وتحرير محل النزاع في ذلك إن يقال إن الأفعال أما ضرورية لا يمكن البقاء والتعيش بدونها كالتنفس في الهواء، ولا خلاف في كونها غير ممنوع عنها لا شرعاً ولا عقلًا قبل ورود الشرع وبعده عند من لم يجوّز التكليف بما لا يطاق. وقد نسب القول بالتحريم إلى طائفة من الأشعرية. وأما غير ضرورية يمكن البقاء والتعيش بدونها وهي عند المعتزلة قسمان: ما يدرك بالعقل حسنها أو قبحها. وتنقسم إلى الأحكام الخمسة لأنه إذا اشتمل تركه على مفسدة فواجب أو فعله فحرام وإلّا فإذا اشتمل فعله على مصلحة فمندوب أو تركه فمكروه، وإن لم يشتمل أحد طرفيه على مصلحة ولا مفسدة أو كانا متساويين فمباح.

وما لا يدرك العقل حسنها ولا قبحها لكنها مما ينتفع بها كشم الورد وأكل الفاكهة مثلًا، فهذه قبل ورود الشرع ممّا اختلف في حكمها فأكثر أصحابنا كالسيد المرتضى في الذريعة والعدة والعلامة في التهذيب وغيرهم والمعتزلة والبصريين ونسب إلى أبي حنيفة وأصحابه وجملة من فقهاء الشافعية على أنها على الإباحة. وذهب بعض علمائنا والمعتزلة البغداديين ونسب إلى أبي علي ابن أبي هريرة من الشافعية من الأشاعرة وإلى بعض أصحابنا من الأخبارية على أنها على الحظر والتحريم وذهب إلى الوقف الشيخ المفيد (ره) والشيخ الطوسي (ره) من أصحابنا وأبو بكر الصيرفي، وينسب إلى ظاهر المعارج والحاجبي والعضدي وحكي عن أبي الحسن الأشعري، ونسب أيضاً إلى أبي علي‌


صفحه 201

ابن أبي هريرة من الأشاعرة. فهؤلاء حكي عنهم القول بالوقف بمعنى أنا نجزم أن هناك حكماً ولم نعلم ما هو إباحة أو تحريم، ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين من قطع على الحظر في وجوب الكف عن الإقدام إلّا أنهم اختلفوا في التعليل فمن قال بالحظر إنما كف لأنه اعتقد أنه مقدم على محرم مقطوع به ومن قال بالوقف إنما كف لأنه لا يأمن من كونه قادماً على محظور قبيح، وبعضهم فسر محظور قبيح وبعضهم فسر الوقف بأنه لا ندري هل فيها حكم أم لا؟ وعلى تقدير وجود الحكم فلا نعلم أنه إباحة أو حرمة؟ وذهبت الأشاعرة كالحاجبي وغيره إلى أنه لا حكم لها قبل ورود الشرع. ثم القائلون بالإباحة اختلفوا في كونها إباحة واقعية كما هو المحكي عن المحقق الثالث أم ظاهرية كما هو المحكي عن جماعة من علمائنا؟ ثم أن الظاهر أن مرادهم بالإباحة هي الإباحة بالمعنى الأخص المقابلة للأحكام الأربعة وهي ما لا رجحان لفعله ولا لتركه لا الإباحة بالمعنى الأعم وهي الشاملة لما عدا الحرام.

ثم إنه لم يعلم المراد لهم من قبل الشرع، فيحتمل أن مرادهم قبل بعثة الرسل أو قبل فرض بعثتهم أو قبل بعثة نبينا (ص) أي زمان الفترة الجاهلية أو قبل العثور على الدليل الشرعي في شريعة نبينا (ص) أو المراد بالقبلية هو مع قطع النظر عن الدليل الشرعي فتكون الاحتمالات خمسة، والاحتمال الأول والثاني لا فائدة في البحث عنهما إلّا من جهة التمسك بالاستصحاب، والاحتمالات الثلاثة الأُخر خلاف ظاهر عناوينهم مضافاً إلى أنه يصبح البحث على تقديرها هو


صفحه 202

البحث في مسألة أصالة البراءة، ولذا آثرنا في هذا المقام أن ننقل كلمات القوم دون أن نعمل الفكر والدقة في صحتها وسقمها.

احتج القائلون بالأول بأنها منفعة خالية عن مادة المفسدة العاجلة والآجلة، والأذن في التصرف معلوم عقلًا فكانت حسنة، أما أنها منافع فظاهر، وأما أنها خالية عن المفسدة فلأنه المفروض، وأما أن الأذن في التصرف معلوم عقلًا فلأنها لا مضرة في الانتفاع بها على المالك، وأما إن كان كذلك فهو حسن لإنا نعلم حسن الاستظلال تحت جدار الغير والنظر في مرآته إذا خلا عن أمارات المفسدة وكان غير مضر بالمالك لأن العلم بالحسن دائر مع العلم بهذه الأوصاف وهي موجودة فيما نحن فيه فوجب الجزم بحسنها وإنها مباحة وهذا معنى قولهم منافع بلا مفسدة.

فإن قيل عدم حصول العلم بمفاسدها لا يوجب خلوها عنها لاحتمال اشتمالها على مفاسد غير معلومة، ولِمَ لا يجوز أن يكون احتمال المفاسد كافياً في كون الشي‌ء قبيحاً فلا يتم ما ذكرتم.

قلناأولًا:أنه لو قبح الإقدام لاحتمال المفسدة لقبح الترك لاحتمال المفسدة أيضاً، ووجوب الإنفاك عن كل واحد منهما يستلزم التكليف بما لا يطاق لاستحالة ارتفاع النقضين.

ثانياً:إن العبرة في كون الشي‌ء قبيحاً اشتماله على مفسدة مستندة إلى إمارة، وأما احتمال المفسدة الخالية عن الإمارة فلا يعتد بها ألا ترى أنهم يلومون من امتنع عن الجلوس تحت حائط محكم البنيان لا ميل فيه باحتمال سقوطه، ويحكمون بأن تجويز العقل من غير إمارة على ذلك‌


صفحه 203

ملحق بظن أصحاب الجنون والسوداء ونحو ذلك وهذا يدل على أن الشي‌ء إذا كان خالياً عن إمارات المفسدة لا قبح فيه عقلًا.

ثالثاً:أنا نعلم قطعاً حسن التنفس في الهواء من العقلاء وأن يدخلوا منه أكثر مما تحتاج إليه الحياة، وإن من رام الاقتصار على قدر ما تحتاج اليه الحياة فقط، ذمه العقلاء على ذلك بل عدّوه من المجانين والسفهاء وليس ذلك إلّا لكونه منفعة خالية عن المفسدة وذلك حاصل فيما نحن فيه فيكون حسن.

إن قلت أن الحكم بالحسن فيما نحن فيه لا يجتمع مع فرض أنه مما لا يدرك بالعقل حسنه ولا قبحه.

قلنا أن المراد من أن العقل لا يدرك الحسن والقبح فيها، هو عدم إدراكه بالنسبة إلى خصوص كل فعل لعدم ادراكها الجهة الموجودة فيه المقتضية لحكم العقل بالحسن أو القبح. وأما بعنوان أنه مما لا يدرك بالعقل جهة حسنه أو قبحه فهو يحكم بحسنه نظير أن يقال أن هذا الشي‌ء لا يحكم بإباحته لكنه بعنوان أن مشكوك الإباحة والحرمة يحكم بإباحته.

وبعبارة أخرى أن الأحكام تختلف باختلاف العنوان فيجوز أن لا ندرك حسن الفعل أو قبحه إذا لوحظ بخصوصه وإذا لوحظ بعنوان آخر يدرك العقل حسنه أو قبحه ويحكم حكماً عاماً بالحسن بالنسبة إلى الجميع.

ويمكن أن يجاب أيضاً عن ذلك بأن المراد أن العقل لا يدرك حسنها ولا قبحها ابتداء مجردة عن ملاحظة شي‌ء آخر ولا ينافي ذلك حكمه بالحسن عاما بالنظر إلى الدليل.


صفحه 204

وأحتج القائلون بالحرمة بوجهين:

أولهما:بأن ذلك تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح عقلًا.

والجواب إنا لا نسلم كونه تصرفاً بغير إذن المالك فإن الأذن في مثله معلوم بالعقل كالاستظلال بحائط الغير فإنا نعلم قطعاً إذنه في ذلك سلمنا. لكن لا نسلم أن التصرف في ملك الغير مطلقاً حرام، وإنما هو فيما يتضرر به المالك والله (عز و جل) منزه عن التضرر فلا يحرم.

ثانيهما:إن الفعل المتنازع فيه قبل الشرع يحتمل المفسدة والمضرة ولو وهماً واحتمالًا مرجوحاً، وإذا ثبت احتمال المضرة فيجب دفع الضرر المحتمل بحكم العقل.

وجوابه ما عرفته في جواب (إن قلت) الأولى في حجة القائلين بالحرمة.

واحتج القائلون بالتوقف، إن أحكام الشرع متلقاة من الشارع وحيث لا شرع فلا حكم.

والجواب أن العقل هو الحاكم بأن الشرع حكمه كذلك.

اشتراك الأحكام بين الموجودين والمعدومين‌

إذا ثبت حكم لأحد المكلفين بخطاب لفظي أو بغيره مفيد للعموم أو لا فهل القاعدة تقتضي اشتراك سائر المكلفين معه في ذلك الحكم إذا اتحدوا في موضوع ذلك الحكم وشرائطه؟ والظاهر أنهم اتفقوا على عدم الاشتراك مع إحراز الاختلاف في الموضوع أو الشرائط، كما أن محل البحث فيما أحرز تمام موضوع الحكم وشرائطه وإنما احتمل أن حضور زمان الخطاب أو كون المكلف نبياً أو إماماً أو رجلًا أو أنثى أو حراً أو


صفحه 205

عبداً أو نحو ذلك يكون قيداً للحكم، كما سيتضح لك ذلك من مطاوي كلماتهم.

ثم لا يخفى أن هذه المسألة من المسائل التي تغلب الحاجة إليها في الفروع إذ معظم الأدلة لم يرد بعنوان قضية كلية حتى تشمل الأحوال والأزمان والأشخاص، بل وردت في وقائع خاصة دعت الحاجة للمكلفين للسؤال عنها أو وردت بنحو التقرير أو الفعل فلا عموم فيها ولا ينفع في ذلك القول بعموم الخطابات الشفاهية كما ذ هب إليه جملة من المحدثين لأنه أخص من المدعى إذ في الخطابات ما ورد مختصاً بالنبي (ص) وما ورد مختصاً بأهل البيت (ع) وما ورد مختصاً بالمؤمنين أو بالمسلمين أو بالرجال دون الإناث، وما ورد مختصاً بالأحرار أو بالعبيد وما ورد مختصاً بشخص واحد في ظاهر اللفظ كلفظ (إفعل وإفعلي) مما يختص بواحد كما لا يخفى على المتتبع في الروايات بل الخطابات العامة التي يدعى شمولها للكل أقل قليل في الباب بالنسبة إلى غيرها، مع إن الكثير قد ذهب إلى عدم ا لعموم في الخطابات الشفاهية على ما قرر في الأصول. والحق أن الأصل هو الاشتراك ولنا على ذلك وجوه:

الوجه الأول:ما ذكره واشار إليه غير واحد كصاحب الضوابط وصاحب العناوين وهو أنه قد قرر في محله عدم خلو الواقعة المحتاج إليها عن الحكم بمقتضى الأخبار ومصير الأخيار واعتضاد العقل السليم كما تقدم منا تحريره مفصلًا، فإذا ثبت لأحد في واقعة حكم فينبغي ثبوته لغيره أيضاً في تلك الواقعة لعدم إمكان خلو الواقعة عن الحكم، واستلزام‌