واجدين للشرط غالباً أو مطلقاً عملًا بالظاهر إذ الاشتراك فرع اتحاد نوع الواقعة وصنفها بالنظر إلى التكليف وشرائطه.
الوجه الرابع:الاجماعات المحكية في موارد متعددة على أصالة الاشتراك عدد التواتر.
الوجه الخامس:تنقيح المناط القطعي نظراً إلى أن الأحكام التابعة للمفاسد والمصالح- النفس الآمرية- لا تختلف بحسب أفراد المكلفين للزوم دفع المضرة وجلب المنفعة اللازمة على الكل.
إن قيل المفروض تبعيتها للوجوه والاعتبارات ولعل للخصوصيات مدخلية.
قلنا قد قُرِرَ أن الوجوه والاعتبارات يراد بها ما عدا خصوصيات المكلفين من حيث ذاتهم من حيث هم كذلك، لأنهم أشخاص مختلفين بحسب الذات لا يدور مدارهم الأمور- النفس الآمرية- بل مدار الوجوه والاعتبارات على المفاهيم العامة كالمريض والصحيح والمسافر والحاضر ونحو ذلك من الصفات اللاحقة للمكلفين واللاحقة للأفعال. وأما مع اتحاد ذلك كله فخصوص محمد و علي ولا دخل لها في ذلك.
إن قيل هذا ينتقض بخصائص النبي (ص).
قلنا لا نسلم كون الخصائص لشخصه بل إنما هو لعنوان كلي غايته انحصار ذلك في الفرد الواحد، ولو وجد له نظائر في ذلك العنوان لاشترك معه في ذلك.
إن قيل فلعل في كل مقام اعتبر هناك خصوصية.
قلنا الأصل عدم اعتبارها في الحكم إلّا أن يقوم دليل عليه إذ الاحتمال لا ينفع، ودليلنا على ذلك طريقة العقلاء فإنا نراهم إذا وجدوا رجلًا فعل فعلًا فتضرر به أو فعل فعلًا انتفع به انتفاعاً لازماً فإنهم يجتنبون عن الأول ويرتكبون الثاني ولو مع الشك ولا يلتفتون إلى أن ذلك لعله لخصوصية في ذلك الرجل لا نعرفها فتبصر. فإن هذا لا يتم إلّا إذا ثبت أن الشارع أمضى هذه الطريقة في معرفة الأحكام الشرعية.
ولعل الظاهر أنه قد أمضاها كما يظهر لك من الدليل السابع.
الوجه السادس:الاستقراء فإنا وجدنا أغلب التكاليف والأحكام مشتركة بين المكلفين كافة، ولم نجد الفرق إلّا في مقامات نادرة فإذا شك في الاشتراك والعدم فينبغي الإلحاق بالغالب فتأمل لعدم الدليل على حجية الإلحاق بالأعم الأغلب.
الوجه السابع:إطباق أهل الأديان كافة على الأخذ بما يصل إليهم ممن سبقهم من الموجودين أو السامعين من دون سؤال عن أن ذلك هل كان لخصوصية هناك أو لا؟ ولا ريب أن ذلك لما انغرس في أذهانهم من كون التكليف الثابت عاماً لكل مكلف ولا مدخلية لخصوصية الحضور، وهذا كاشف عن كون الواقع كذلك وإن لم نعرف مأخذه.
الوجه الثامن:ما دل على لزوم التأسي بالنبي (ص) والأئمة (ع) من آية أو رواية وما دل على حجية فعلهم (ع) إذ ليس ذلك إلّا لمشاركة الرعية معهم في ذلك.
إن قيل هذا أخص من المطلوب، لأنه إنما يدل على الاشتراك مع النبي (ص) والأئمة (ع) في خصوص أفعالهم (ع) لا فيما كلفوا به الحاضرين في زمانهم.
قلنا يتم بوجهين:
أولهما:عدم القول بالفرق.
ثانيهما:إن اشتراكنا معهم مع وجود أمارة الاختصاص فيهم ووجود بعض الخواص بهم بحيث يحتمل كون المشكوك فيه من ذلك يدل على اشتراك بعضنا مع بعض بالأولوية.
الوجه التاسع:الخبر المعروف (حلال محمد (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد (ص) حرام إلى يوم القيامة).
إن قيل لعل معناه بقاء الحكمين بالنسبة إلى من ثبت في حقه بمعنى أنه أن بقي شخص من زمانه (ص) إلى يوم القيامة لكان الحكمان الحِّل والحرمة باقيين بالنسبة إليه.
قلنا إن كان المراد البقاء للشخص الموجود في زمانه (ص) هو البقاء له حتى بعد موته فلا معنى له، لأن الميت لا حكم عليه، وإن كان المراد أنه لو فرض بقائه إلى يوم القيامة كان الحكمان المذكوران باقيين عليه فهذا فرض نادر لا يراد من العبارة، والمتبادر خلافه إذ الظاهر بقاء أحكام الشرع وتكليف كل من يتجدد من الناس بذلك.
إن قيل لا يشمل غير الحكمين الحِّلُ والحرمة.
قلنا ظاهر الحلال مطلق المأذون فيه فيشمل غير الحرمة لا سيما مع مقابلته بها مع أنه يمكن الإتمام بعدم القول بالفصل.
الوجه العاشر:قوله (ص): (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة).
إن قيل لعل المراد جماعة من الحاضرين خاصة. والدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال.
قلنا لا ريب أن المتبادر من العبارة كون الحكم على البعض الحكم على الكل وهو الحجة.
الوجه الحادي عشر: رواية ابن أبي عمير والزبيدي عن أبي عبد الله (ع) في باب الجهاد (حكم الله في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواء إلّا من علة أو حادث يكون. والأولون والآخرون أيضاً في منع الحوادث شركاء، والفرائض عليهم واحدة يسأل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسأل عنه الأولون، ويحاسبون به كما يحاسبون به).
وجه الدلالة لو أريد من الخبر جنس الأول والآخر واضح لأن المعنى يكون أن حكم الله في الواقعة المتحقق في جنس الأولين سواء كان ثابتاً لبعضهم أو ثابتاً لجميعهم يكون ثابتاً لتلك الواقعة في جنس الآخرين الذين يكونون مثلهم في الصنف، وإذا أريد الاستغراق فيكون دالًا على اشتراك كل فرد من الأول مع كل فرد من الآخر، وهذا يستلزم اشتراك الأولين بعضهم مع بعض أيضاً لأن الفرد من الأولين يشاركه كل من الآخرين وكل جمع من الأولين يشاركهم في ذلك فيشترك الكل.
إن قيل لا يشمل ما لو ثبت الحكم لواحد من الأولين خاصة فلا يدل على اشتراك الآخرين معه لاحتمال إرادته في ضمن العموم لا وحده.
قلت ظاهر الاستغراق عدم ارتباط الواحد بالكل.
الوجه الثاني عشر:قوله تعالى [لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ] وهذا يدل على أن الغائب كالحاضر في الحكم وإن لم يشاركه في الخطاب، وذلك لأن (من) الموصولة عطف على الضمير (كم) وفاعل (ينذر) هو النبي (ص) والضمير في (به) عائد للقرآن، أي لينذركم النبي (ص) بالقرآن وينذر أيضاً من بلغه القرآن بعد ذلك من المعدومين. ولكن يمكن أن يقال بل قيل إنه من المحتمل أن تكون (من) عطف على الضمير المستتر في ينذركم وهو راجع لله تعالى ويكون المراد (بمن بلغ) هو الرسول (ص) فيكون المعنى ينذركم الله تعالى أيها المخاطبون وينذركم من بلغه القرآن وهو الرسول (ص).
الوجه الثالث عشر:قوله (ص): (فليبلغ الشاهد الغائب) والوجه مثل ما مّر، والظاهر شمول الغائب للمعدومين في ذلك الوقت أيضاً ولو بقرينة المقام.
الوجه الرابع عشر:ما في الصحيح عن أبي جعفر (ع) (أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصلوا الرحم).
ونظير قوله (ص) في يوم الغدير: (فليبلغ الشاهد الغائب) ووجه الدلالة أن هذا كاشف عن عموم التكاليف فلا وجه للقول بأن هذا خرج بالنص ونحو ذلك.
الوجه الخامس عشر:مفهوم ما دّل على الاختصاص في بعض الأحكام كقوله تعالى [وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ] حيث دل على اختصاصه بالنبي (ص) والنصوص الدالة على الاختصاص كقوله (ص) لأبي بردة: (يجزي عنك ولا يجزي عن أحد بعدك)
وخصص (ص) عبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير، وخصص العبيد ببعض الأحكام وخصص الأحرار ببعض الأحكام، وخصص الرجال ببعض الأحكام كما في الطواف للحج، وخصص النساء ببعض الأحكام فإن ذلك يدلّ على أن غير ما نصّ فيه على الاختصاص شامل للموجودين والمعدومين.
الوجه السادس عشر:قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ] فإنه يستفاد منه أن الأحكام المرسل بها غير مختصة بالحاضرين. ونظير ذلك قوله (ص): (بعثت إلى الأسود والأحمر).
الوجه السابع عشر:ما رواه الصدوق بسنده عن الرضا (ع) عن أبيه (ع) أن رجلا سأل أبا عبد الله (ع) ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلّا غضاضة؟ فقال: (أن الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة). ونظيره ما رواه الكليني (ره) بسنده عن أبي بصير قال. قلت لأبي عبد الله (ع) إنما أنت منذر ولكل قوم هاد، إلى أن قال (ع): (يا أبا محمد لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنه يجري فيمن يأتي كما يجري فيمن مضى).
الوجه الثامن عشر:هو عمومات الخطابات وإطلاقاتها الشاملة للموجودين والمعدومين فإنها تقتضي اشتراكهم معهم في الأحكام التي تضمنتها.
نعم هذا الدليل يختص بخصوص الأحكام المبينة بنحو العموم أو الإطلاق، ودعوى أن وقوع ألفاظ العموم في سياق ما وضع لخطاب المشافهة يصرفها عن عمومها إلى التخصيص بالمشافهين لدوران الأمر بين التصرف في تلك الألفاظ بالتجوز أو في العموم بالتخصيص، والثاني مقدم على الأول لكثرة التخصيص وغلبته حتى قيل: (ما من عام إلّا وقد خصّ).
مدفوعة بانا لو سلمنا وضع تلك الألفاظ للخطاب بالمعنى غير القابل للتوجيه إلى المعدوم إلّا أنه لا يقتضي تخصيص العام بالموجودين وذلك بتنزيل المعدومين منزلة الموجودين وهو أقرب من التخصيص فيبقى العام على عمومه، والأداة على معناها الحقيقي، ويتصرف في أمر عقلي بتنزيل المعدوم منزلة الموجود، ولعله الأقوى في النظر لكثرة تحققه في الخطابات الكتابية العامة التي لا تختص بطائفة خاصة حيث أنها ظاهرة في التنزيل وفرض المعدوم موجوداً. هذا مضافاً إلى أنه قد يمنع من كون تلك الأدوات موضوعة للخطاب الحقيقي بدعوى وضعها للإنشائي الذي هو خفيف المؤنة بحيث لا يحتاج إلى مخاطب فيصح إرادة العموم من الألفاظ الواقعة في سياقها بلا تنزيل أو تجوز، ولو سلمّنا ظهورها في الخطاب الحقيقي فإنما هو ظهور انصرافي يرفع اليد عنه بمجرد وقوع العموم في سياقها، ولذا نرى صحة إرادة العموم منها بلا تكلف تجوز ورعاية علاقة أو تنزيل، ودعوى أنه أمر ارتكازي مندفعة بأنه لا يعلم به حتى بعد الالتفات والفحص ولو كان من الأمور الارتكازية لحصل الالتفات إليها بعد ذلك وإلّا فمن أين يعلم كونه إرتكازياً؟ ولكن يمكن أن يقال أن التبادر، ونقل علماء اللسان الذين هم المرجع في مداليل الألفاظ حاكمان
بأنها موضوعة للمخاطبة المتقومة بوجود المخاطب أما حقيقة أو تنزيلًا أو إدعاء. فلا محيص إلّا عن كون مثل تلك الخطابات مبنية على نحو من التنزيل والتجوز. هذا مضافاً إلى أن الخطاب الإنشائي الذي زعم أنه الموضوع له وإنه يغاير الخطاب الحقيقي في عدم احتياجه إلى المخاطب ليس له معنى محصّل ومجرد التعبير عنه بأنه إنشائي، والإنشاء خفيف المؤنة لا يحقق المراد منه. وهل الخطاب الحقيقي أيضاً إلّا أمراً إنشائياً؟ وأي منافاة بين كونه إنشائياً وكونه من المفاهيم النسبية غير المتحققة إلّا بعد تحقق أطرافه؟ وأما دعوى عدم العلم بالتنزيل حتى بعد الالتفات إليه ولو كان من الأمور الارتكازية لحصل العلم به بعد الالتفات فهي ممنوعة جداً حيث لا نريد من التنزيل إلّا فرض المخاطب قابلًا للمخاطبة وتوجيه الخطاب به وهو ملازم لإنشاء المخاطبة معه فلو فرضنا لم يلتفت إليه المخاطِب- بالكسر- فإنما هو من جهة أنه لا يراه أمراً آخراً غير فرضه من يصح معه المخاطبة، فهو في الحقيقة من الأمور المختفية لغاية ظهورها. ومن ذلك ظهر، إن ارتكاب التنزيل أهون بمراتب في مثل تلك الخطابات من التخصيص فلا وجه لدعوى أنه لو سلم وضع الأدوات للخطاب الحقيقي فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الإلهية بأداة الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة كغيرها بالمشافهين فيما لو تكن هناك قرينة على التعميم لا لما قد يتوهم من أن إحاطته تعالى بالموجود والمعدوم يوجب صحة مخاطبة كلتا الطائفتين لأن إحاطته تعالى يمنع القصور من ناحيته جل وعلا، لا عن ناحيتهم، بل لما عرفت من صحة المخاطبة معهم بالتنزيل وتقدمه على التخصيص. ومن جميع ما زبر ظهر أن المعنى المتنازع فيه في مسألة خطاب المشافهة إنما هو هذا الذي