الاختصاص، ومع عدم الأخذ فالأصل عدم اعتباره في موضوع الحكم ويثبت إذ ذاك الاشتراك.
واعلم أن الحكم بالاشتراك في المقامات المذكورة فيما لم يعلم طريان حالة مغيره للحكم بالأدلة المذكورة فيما لا شك فيه كما ذكرناه، وأما إذا شك في حالة من الأحوال في كونها مغيّرة للحكم أولا فمقتضى الأصل الاشتراك ووجهه الاستقراء لإنا إذا تتبعنا الأحوال ووجدنا إن أكثرها غير مغيّر للحكم فنلحق الحالة المشكوك فيها بالأعم الأغلب، وأما إذا علم عدم كونها مغيرة أو علم كونها مغيرة للحكم كالاضطرار والاختيار في أكل الميتة فلا يبقى إشكال فيه فلا حاجة إلى شيء مما ذكر.
اجتهاد النبي (ص) في الأحكام الشرعية
اختلف العلماء في الاجتهاد في الأحكام الشرعية دون الدنيوية بالنسبة إلى النبي (ص) والخلاف في الجواز والوقوع. أما القول بالجواز عقلًا فقد نسبه الفاضل الجواد إلى الأكثر من أصحابنا والعامة، وبعض العامة من جوز ذلك على النبي (ص) في أمر الحروب دون الأحكام الشرعية، وقد حكي القول بالجواز عقلًا عن علم الهدى السيد المرتضى معللًا ذلك بقوله: (إذ لا مانع من جهة العقل أن يتعبّد النبي (ص) بالاجتهاد لمصلحة من المصالح والمخالف في ذلك أبو علي وأتباعه حيث منعوا من الجواز استناداً إلى أنه لو جاز اجتهاده لجاز مخالفته كما هو مقتضى الاجتهاد والتالي باطل لوجوب متابعته على كل حال).
وفيه نظر فإنا نمنع الملازمة وما المانع من وجوب متابعته في جميع أقواله وإن كانت عن اجتهاد، وكما أنه عندكم الأمة إذا اجتمعت على قول من الأقوال من طريق الاجتهاد حرم خلافها من حيث الإجماع وإن كان أصل قولها عن اجتهاد وبهذا يتميز عن غيره من المجتهدين.
وأما وقوع الاجتهاد منه (ص) فالعلماء فيه على أقوال:
منهم من جزم بعدمه وهؤلاء أصحابنا والجبائيان وأبو عبد الله البصري.
ومنهم من توقف فيه، وقال: (لا اقطع بوقوعه ولا انتفائه) وقد نسب ذلك إلى الغزالي وأكثر المحققين من العامة ونسب ميل الرازي في المحصول إليه.
ومنهم من جزم بوقوعه وهم الشافعية والمالكية وبعض الحنفية. ومنهم من خصّ محل الخلاف بالأحكام الصادرة عنه (ص) بطريق الفتوى، ونقل الإجماع على الجواز والوقوع فيما صدر بطريق القضاء وفصل الخصومات وهم بعض المتأخرين من العامة.
لنا على عدم الوقوع إن الاجتهاد إنما يصح مع عدم التمكن من العلم والإطلاع على الواقع، والنبي (ص) متمكن من ذلك بالوحي. وتحقيق هذا الدليل قد تقدم في الجزء الأول من كتابنا النور الساطع.
ولنا على عدم الوقوع قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] وهو صريح في إن كل ما ينطق به (ص) يكون عن وحي وهو ينفي الاجتهاد. وأورد عليه:
أولًا:بأن ذلك لرد ما كانوا يقولونه في القرآن الشريف إنه افتراء على الله تعالى.
وجوابه إنه ظاهر في إن ما ينطق به عن الله تعالى لم يكن عن هواه ورأيه بل هو عن الوحي.
وثانياً:أن هذه الآية لا تنفي الإجتهاد منه (ص) لأنه على تقديره يكون اجتهاده بوحي الله تعالى إليه فيكون حكمه عن وحي أيضاً.
وجوابه إن من المعلوم قطعاً إن ما نطق به من الحكم إذا كان عن اجتهاد لم يكن عن وحي وإن كان أصل الاجتهاد عن وحي. كذا ذكر القوم في الجواب عن هذا الدليل.
والتحقيق أن يقال: إن الاجتهاد هو استنباط الحكم الشرعي عن أدلته فإن كان المراد الوحي في إن يستنبط الحكم الشرعي من تلك الأدلة بأن يكون وحياً بالاجتهاد والاستنباط فهو نظير الدليل الذي يقام على حجية الاجتهاد والاستنباط فنفس اجتهاده لم يكن وحياً وإنما الوحي أمره بالاجتهاد فقد كان نطقه بالحكم الشرعي ليس بالوحي وهذا ما تنفيه الآية، وإن كان المراد إنه استنباطه واجتهاده كان وحياً بأن كان الله تعالى أوحى له بالحكم الفلاني من هذه الأدلة لا إن عقله وفكره استفاده منها فهذا أولًا ليس باجتهاد وإنما هو وحي للحكم الشرعي، وإن كان المراد أن القضايا المركب منها الدليل الاجتهادي أوحي بها إليه فلم يكن حينئذ الحكم الشرعي الذي استفاده منها من الوحي الذي يوحى وهذا ما تنفيه الآية.
ولنا أيضاً إنه (ص) معصوم لا يصدر منه الخطأ بوجه لقيام الأدلة القاطعة على ذلك فهو عالم بعصمته عن الخطأ، وحينئذ فالحكم عنده مقطوع به ومثل ذلك لا يكون اجتهادياً إذ هو لا يكون إلا مظنوناً وهذا الدليل جار عندنا في جميع الأئمة (ع) لوجود العصمة فيهم (ع) أيضاً كما أثبتناه، فلا تكون أحكامهم عن اجتهاد أيضاً وهذا لا يتم إلّا بناء على القول بأن الأحكام القطعية لا تكون اجتهادية. ولكن قد ذهب الأغلب إلى أن الأدلة قد يستنبط منها الحكم على سبيل القطع. نعم الضروريات لا يقع فيها الاجتهاد لعدم تحقق الاستنباط فيها.
احتج القائلون بالوقوع وإنه كان يعمل بالاجتهاد.
أولًا:بقوله تعالى [عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ] وعاتبه على حكمه بإطلاق أسرى بدر حتى نقل أنه (ص) قال: (لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر لأنه أشار بقتلهم) وهو ظاهر في أن إطلاقه لهم كان عن اجتهاد لا عن وحي وإلّا لما عاتبه على ذلك.
قلنا لا نسلم أن ذلك عتاباً وإنما هو تلطف منه بالنسبة إلى نبيه (ص) كقولك لصاحبك (يرحمك الله وغفر الله لك) كيف ولو كان كذلك لكان هناك إثم، والمعلوم قطعاً لا إثم في الاجتهاد، وإن كان خطأ، سلمنا كونه عتابا لكن لا نسلم أن إطلاق الأسارى والإذن لهم حكم شرعي ليكون العتاب عليه دليلًا على اجتهاده (ص) وإنما هو مصلحة دنيوية وأمر يتعلق بالدنيا إذ هو من باب الحروب وتدبير الجيوش وليس الكلام في مثله إنما الكلام في الحكم الشرعي.
ثانياً:بقوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] أوجب المشاورة لأصحابه في الأمور التي أراد إيقاعها، وذلك ظاهر في أن ذلك إنما هو فيما علم بطريق الاجتهاد لا الوحي إذ ذاك لا يحتاج إلى المشاورة فيه.
قلنا المراد شاورهم في المصالح الدنيوية العملية فإن لهم مجال النظر فيها لخبرتهم وتجربتهم فيها لممارستهم إياها واشتغالهم بها وتمكنهم من معرفة ما يبتني عليها بخبرة أو تجربة ونحو ذلك، أو أن المراد شاورهم في الأمر ليتعلموا منك كيفية المشاورة فيما بينهم إذا همهم أمر، أو لأجل المجاملة معهم والمصانعة لهم حتى لا تخشن قلوبهم عليه بعدم اعتنائه بهم.
وكيف كان فليس المراد شاورهم في المسائل الدينية وإلّا كان مستفيدا للأحكام من اجتهاد غيره فكان مقلداً واجتهاده ناقصاً يتم بانضمام اجتهاداتهم إليه وكلا الأمرين باطل إجماعاً.
ثالثاً:لما أمر (ص) أصحابه بالتمتع وتخلف عنهم وساق الهدي نزل جبرائيل (ع) وأخبره بفضيلة التمتع وإن من لم يسق هديا جاز له العدول إلى التمتع فقال (ص): (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) أي: لو علمت أولا ما علمته أخيراً، لما سقت الهدي ولا شك أن سياق الهدي حكم شرعي، ولا يصح مثل ذلك القول إلّا على تقدير أن يكون السياق بالاجتهاد.
قلنا لا نسلم كون (السياق) بالاجتهاد. كيف وأفعال الحج لا يعلم العقل تفاصيلها إلّا ببيان من الشرع فيجوز أن الله أوحى إليه أولًا بإنه مخيّر بين حج التمتع وسوق الهدي، ثم أوحى اليه ثانيا فضيلة التمتع وإنه ليس للقارن السائق الهدي تلك الفضيلة فتأسف (ص) على
المبادرة إلى القرآن وتفويت فضيلة عمرة التمتع أو أن تأسفه كان لما رأى من تألم الناس وضيق خواطرهم بعدم كونه متمتعاً.
رابعاً:لما قال النبي (ص) في مكة شرفها الله تعالى (لا يُخْتلى خلالها ولا يتعضد شجرها. فقال العباس: إلّا الأذْخر، فقال النبي (ص): إلّا الأذخر)ومعلوم أن مثل تلك الساعة لا تسع نزول الوحي عليه فتعين أن يكون استثناء مثله بالاجتهاد.
والجواب أنا لا نسلم أن ذلك الاستثناء باجتهاد، لِمَ لا يجوز أن يكون بالوحي قولك أن الوقت لا يسع الوحي. قلنا ليس الاجتهاد أسرع من الوحي ليصح كون مثل تلك الساعة وقتاً له بل ربما يدعى العكس وأن الوحي أسرع منه، على أنا نقول يجوز أن يكون النبي (ص) استثنى قبل ذلك الوقت بحضور العباس، وأن العباس سمعه فلما تكلم (ص) بذلك وأراد الاستثناء سبقه العباس فاستثنى وأمره النبي (ص).
خامساً:الاجتهاد أشق من العمل بالنص لاحتياجه إلى إتعاب النفس في بذل الجهد، والأشق أفضل لقوله (ص): (أفضل الأعمال احمزها) أي أشقها، والأفضل لا يتركه الرسول (ص) وإلّا كانت أمته أفضل منه في هذا الباب حيث عملت به.
قلنا الاجتهاد وإن كان فضيلة لكن الفضيلة قد تترك لعدم كونها لائقة بأن يكون هناك ما هو أعلى منها وهنا كذلك فإن النبي (ص) لما كان متصفاً بالنبوة التي يقل دونها الاجتهاد سقط الاجتهاد لعدم كونه لائقاً بذلك المقام الأعلى، ولا يكون ذلك نقصاً ولا اختصاص غيره
بفضيلة ليست له، فإن المجتهد ليس له فضيلة التقليد ولا نقص في ذلك لحصول ما هو أرفع منها رتبة وسقوطها بالنسبة إلى تلك أو يكون ترك الفضيلة لغرض وهو عدم توجه الاعتراض عليه بأنه لو كان هناك وحي لما اجتهد لأن الوحي لو كان لأعتاض به عن الاجتهاد وارتكاب تلك المشقة فترك الاجتهاد لدفع مثل هذا الكلام.
سادساً:قوله تعالى [لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ] وقرره الفارسي بأن قال: (لا يجوز أن يكون إلّا رآه بالبصر لاستحالته في الأحكام، ولا بالإعلام وإلّا لوجب ذكر المفعول الثالث لأن الثاني في حكم المذكور إذ هو عائد إلى (ما الموصولة) وباب (أعملت) لا يصح فيه حذف المفعول الثالث مع ذكر الثاني، فإذا بطل كونه بمعنى البصر وبمعنى الإعلام تعيّن كونه بمعنى الرأي أي جعله الله لك رأياً).
والجواب إنّ الرأي إن كان بمعنى العلم فالمحذور الذي ذكر لازم، وإن كان بمعنى الظن فالظن والعلم واحد في المنع من حذف المفعول الثالث دون الثاني فإن (ظننت) مثل (أعلمت) فلم يبق إلّا أن يقال: إن المراد بالإراءة الإعلام، ولا نسلم أن المفعول الثاني كالمنطوق به بل الثاني والثالث محذوفان جميعاً والتقدير: بما أراك الله إيّاه صواباً أي أعلمك الله إياه صواباً فلا حجة فيه.
التحسين والتقبيح العقليين
إنما تعرضنا لمباحث هذا الموضوع لأنها تشتمل على قاعدتين تخص الأحكام الشرعية وهي قاعدة (كلما حكم به الشرع حكم به العقل)، وقاعدة (كلما حكم به العقل حكم به الشرع) إذا عرفت ذلك فاعلم أن
الباحثين من الفقهاء والأصوليين في مسألة الحسن والقبح بحثوا في مقامات خمسة:
المقام الأول:في إثبات الحسن والقبح للأفعال بحكم العقل، والمنكرون في هذا المقام هم الأشاعرة. كما أن القائلين به اختلفوا فبعضهم ذهب إلى أن الحسن والقبح ذاتيان للأفعال، وبعضهم إلى أنها بالوجوه والاعتبارات، وثالث إلى الأعم بمعنى إنهما قد يكونان ذاتيين وقد يكونان بالوجوه والاعتبارات. وكيف كان فقد تكلم في هذا المقام علماء الكلام في مقام بحثهم عن عدل الله تعالى، وتكلم فيه الفقهاء والأصوليون في مبحث دليل العقل وفي مبحث الحاكم في انه هو الشرع أو العقل.
المقام الثاني:في إثبات الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بمعنى إنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع. والمخالف في ذلك من أصحابنا هو الفاضل التوني (ره) في الوافية والمحقق السيد صدر الدين في شرحها وغيرهما والآخند في فوائده والمخالف من العامة أبو حنيفة وأتباعه وأبو الخطاب الحنبلي واسعد بن علي الزنجاني والزركشي من الشافعية، فهم سلموا بالمقام الأول وأنكروا المقام الثاني وذهبوا إلى أن العقل يحكم بحسن الفعل أو قبحه عنده لا عند الله تعالى، فلا يدرك حكم الله تعالى خلافا لجمهور القائلين بالحسن والقبح العقليين. وذهب السيد الأعرجي في شرح الوافية وصاحب قوامع الفضول إلى أن النزاع في هذا المقام لم يكن معروفاً بين المتقدمين وإن التحقيق اتحاد المقامين في كلمات المتقدمين، فإن المقام الأول في كلماتهم عين المقام الثاني إذ لا