بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 233

التفصيلية) في تعريف الفقه حيث ذكروا أن المراد بها العقل والكتاب والسنة والإجماع. فإن مرادهم الدليل العقلي كما أن مرادهم بالكتاب الدليل الكتابي. وقد خالف في ذلك الإخباريون والكلام معهم في ذلك في مبحث أدلة الأحكام الشرعية.

المقام الخامس:هو إ ثبات إدراك العقل لحسن أفعال الله تعالى بخصوصها أو قبحها، وقد خالف في ذلك الأشاعرة وأنكروا إدراك العقل لذلك ولو بنحو الموجبة الجزئية.

الحسن والقبح للأفعال‌

أما المقام الأول فقد عرفت إنه قد تكلّم فيه علماء الكلام في مبحث العدل، وتكلّموا فيه قدماء الفقهاء والأصوليين ومتأخريهم في مبحث دليل العقل وفي مبحث الحاكم، ونحن قد تكلمنا فيه في هذا المبحث أعني مبحث الملازمة بين حكم الشرع والعقل لأنه مما يشخص به موضوعها إذ لا تكون الملازمة المذكورة بين حكم العقل والشرع طرداً أو عكساً إلّا بعد ثبوت إدراك العقل لحسن الأفعال وقبحها. وكيف كان فقد حصل الخلاف بين المسلمين في إن حسن الأفعال وقبحها هل هما ثابتان لها في أنفسها وبحسب الواقع من غير اعتبار الشرع أو هما ثابتان لها بمجرد اعتبار الشارع، فأصحابنا والمعتزلة على الأول وإن الأفعال تثبت لها صفة الحسن والقبح مع قطع النظر إلى الشرع. والأشاعرة على الثاني فزعموا أن الحسن والقبح ليسا بعقلين وإنما هما شرعيان بمعنى أن الأفعال في حد ذاتها ليس لها صفة حسن تقتضي استحقاق فاعلها المدح والثواب ولا صفة قبح تقتضي استحقاق فاعلها الذم والعقاب، بل كلما


صفحه 234

أمر به الشارع فهو حسن يستحق عليه فاعله المدح والثواب، وكلما نهى عنه الشارع فهو قبيح يستحق فاعله عليه الذم والعقاب. فلو أمر الشارع بالظلم لصار حسناً ولو نهى عن العدل لكان قبيحاً. وهذا المبحث من أهم المباحث لدى المعتزلة والأشاعرة لأنه الأصل الذي تبتني عليه أغلب مقالات المعتزلة، كما أن على عدمه تبتني أغلب مقالات الأشاعرة وقبل الخوض في إقامة الحجة لابد من ذكر أمور:

الأمر الأول:إن المراد بالعقل في محل النزاع هو القوة المدركة المدبرة للإنسان في حركاته وأعماله المشتركة بين الأنام الخالية عن شوائب الأوهام لا خصوص الكاملة الحاصلة للنبي (ص) أوالإمام (ع) ولا الناقصة الموجودة في الهمج الرعاع من العوام بل المراد به هي القوة المشتركة بين أواساط بني الإنسان.

الأمر الثاني:إنه كان المناسب أن نذكر هذا المبحث في المقصد الثاني وهو بيان الحاكم حيث يقسمه العدلية إلى الشارع والعقل، والبعض الآخر منهم قد خصه بالعقل وإن الشارع مؤكد لحكم العقل ومبين له، وخصه الجبرية بالشارع ونفوا حكومة العقل. ولكن نحن لما كان علينا أن نذكر في هذا المقام ملازمة الحكم الشرعي للعقلي أعني (قاعدة كلما حكم به الشارع حكم به العقل) باعتبار أن الملازمة المذكورة من شؤون الحكم الشرعي وعوارضه. كان علينا أن نذكر مسألة التحسين والتقبيح العقليين إذ مع عدم ثبوت ذلك لم يثبت للعقل حكم مستقل يلازم الحكم الشرعي.

الأمر الثالث:إن للحسن والقبح معانياً:


صفحه 235

المعنى الأول:كون الشي‌ء على صفة كمال وكونه على صفة نقصان، فإن العلم حسن لكونه صفة كمال، والجهل قبيح لكونه صفة نقصان. ولا خلاف في أن هذا المعنى ثابت للأفعال في أنفسها وإن مدركه العقل ولا تعلق له بالشرع وإن كان يظهر من المحكي عن تهذيب العلامة إنكار بعض الأشاعرة لإدراك العقل إياه لكنه خلاف الضرورة والوجدان. وبعضهم أدعى عدم وجود هذا المعنى في كتب العلامة (ره).

المعنى الثاني:كون الشي‌ء موافقاً لغرض الفاعل وكونه مخالفاً، له كشرب الدواء المر النافع وكشرب اللذيذ المضر فما وافق الغرض حسن، وما خالفه قبيح، وما ليس كذلك ليس بحسن ولا قبيح. وقد يعبر عنهما بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة فالحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما ليس شيئاً منهما. ولا خلاف في أنهما عقليان ويختلفان بالإضافة والاعتبار فإن قتل زيد مصلحة لأعدائه وموافق غرضهم ومفسدة لأوليائه مخالف لغرضهم، لكن هذا إنما يتحقق في أفعال العبد عند الأشاعرة إذ أن الله تعالى عندهم لا يفعل لغرض.

المعنى الثالث:ما لا حرج في فعله ولا منع في ذاته ولا بواسطة الغير كأمر المولى بتركه وهو الحسن، وما فيه في فعله أو منع ولو بواسطة الغير وهو القبيح. ولا يخفى أن هذا المعنى إنما يكثر استعماله بل إنما يصح استعماله عند العرف فيما يتوهم الحظر فيه فيقال: إنه حسن ولضده قبيح فإن الظاهر أنه يستهجن عرفاً أن يقال ابتداء (القيام) حسن و (البيع) حسن ويراد به هذا المعنى. وكيف كان فليس شي‌ء من هذه الثلاثة محل النزاع.


صفحه 236

المعنى الرابع:كون الشي‌ء ملائماً للطبع فيكون حسناً، وما يخالف الطبع وينفر منه يكون قبيحاً مثل أن يكون هذا الطعم ملائماً للطبع فيكون حسناً، وذلك الطعم ينفر منه الطبع فيكون قبيحاً. وهذا الوجه ملائم للطبع فهو حسن وهذا الوجه ينفر منه الطبع فهو قبيح.

المعنى الخامس:كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح من الكل والثواب ممن بيده الأمر ويرجع إليه الشأن، أو يستحق فاعله الذم من الكل والعقاب ممن بيده التدبير. فما يستحق عليه المدح عاجلًا والثواب ولو آجلًا حسن وما يستحق عليه الذم عاجلًا والعقاب ولو آجلًا هو القبيح. وهذا بالنظر إلى أفعال العباد فقط. وأما تعريفهما بحيث يشملان أفعاله تعالى فهو أن يقال الحسن كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح فقط والقبيح كونه بحيث يستحق فاعله الذم فقط. والمراد بالذم هو القول أو الفعل أو الترك الذي ينبئ عن انتقاص حال الشخص وانحطاط شأنه. وفسر بعضهم المدح بما يدل على ارتفاع حال الشخص، ولكن هذا ينافي جعلهم المباح حسناً فإنه لا يمدح عليه بالمعنى المذكور، فالأصح تفسيره بعدم الذم حتى ينطبق على كلامهم، والمراد بالمدح والذم المدح والذم من كل العقلاء لا من بعضهم لأن ذلك هو الموجب لكون الشي‌ء حسناً وقبيحاً بقول مطلق، وهذا لا ينافي كون بعض الأشياء حسنة عند بعضهم وقبيحه عند آخرين، فإن ذلك قد ينشأ من إرادة الحسن والقبح بالمعاني الأخر، وقد ينشأ من تخيله أن العقلاء يمدحونه عليه فيكون حسناً عنده والآخر يتخيل أن العقلاء يذمونه عليه فيكون قبيحاً عنده.


صفحه 237

المعنى السادس:كون الفعل مما أثنى عليه الشارع فهو حسن وكون الفعل مما ذم عليه الشارع فهو قبيح وبينهما واسطة وهو المباح. ثم أن الكلام في كون الحسن والقبيح مشتركاً لفظياً بين هذه المعاني أو مشتركاً معنوياً بأن يكون الحسن هو مطلق المرغوب فيه سواء أكان من أجل كونه ملائماً للطبع أم موافقاً للغرض أم صفة كمال أم كان فاعله ممدوحاً عند العقل أم الشرع، وكذلك القبيح هو مطلق المرغوب عنه سواء أكان من أجل كونه منافراً للطبع أم مخالفاً للغرض أم مذموماً فاعله أو صفة نقص، أم لفظهما حقيقة في بعضها ومجاز في البعض الآخر. ولا أرى في البحث في ذلك فائدة مهمة ولا ترتب عليه ثمرة علمية تتعلق بالمقام بل ولا بغيره، كما أن بيان النسبة بين هذه المعاني وإرجاع بعضها إلى بعض ليس فيه كثير فائدة فلذا تركنا البحث في ذلك وقد أرجعها النراقي (ره) إلى معانٍ ثلاثة ملائمة للغرض ومخالفته، وكونه موجباً لاستحقاق المدح أو الذم، ولاستحقاق الثواب أو العقاب ونفي باقي المعاني.

الأمر الرابع:إن المعنى الخامس هو المعنى المتنازع فيه بين الفريقين فقد قالت المعتزلة: إنه كما يوجد في المحسوسات أشياء ملائمة للحس وأشياء منافرة له، كذلك في المعقولات أفعال ملائمة للعقل بمعنى أنه لو أدركها يجدها في أنفسها مع قطع النظر عن الشرع ملائمة لنفسه ويحكم بأن فاعله يستحق المدح، وأفعال منافرة له ويحكم بأن فاعلها يستحق الذم. وأنكرت الأشاعرة ذلك وقالت: إن العقل في نفسه لا يفرق بين قتل المظلوم وإكرامه بل الجميع عنده سواء. وليس بينهم نزاع في المعنى السادس فإنه ثابت عند المعتزلة والأشاعرة. وهكذا ليس لهم نزاع في‌


صفحه 238

ثبوت المعاني الأربعة المتقدمة فإنها يحكم العقل بها أما بالضرورة أو بالنظر عندنا وعند الأشاعرة، فإن الأشاعرة، قد صرحوا بأن الحسن والقبح بهذه المعاني الأربعة لا يتوقفان على الشرع ضرورة أن كون الشي‌ء ملائماً للغرض أو الطبع أو منافياً لهما مما لا ربط له بالشرع بل يدركه العقل. نعم هذه المعاني الأربعة عند الأشاعرة لا توجب رجحان الفعل أو نقصانه بحيث يستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب عقلًا، بخلافه عندنا فإنها قد توجب ذلك المعنى الخامس فأصحابنا الإمامية والمعتزلة والكرامية والحنابلة على ما نسب إليهم على أن هذا المعنى الخامس ثابت للأفعال في حد ذاتها وفي الواقع ونفس الأمر وليس بجعل الشارع، وحكمه بحيث أن الأفعال في أنفسها مع قطع النظر عن الشرع تكون فيها صفة تقتضي لفاعلها استحقاق المدح والثواب أو الذم والعقاب ويسمى ذلك بالحسن الفاعلي العقلي والقبح الفاعلي العقلي.

الأمر الخامس:إن المعنى الخامس عند الفريقين يخصص باسم العقلي ولكن لا باعتبار حكم العقل به إذ قد يكون الشي‌ء حسناً أو قبيحاً ولا يتصوره العقل ولا يلتفت إليه، بل إنما يطلق عليهما العقلي في مقابل الشرعي بمعنى ما ليس بشرعي كما يقال الوجوب العقلي المقابل للوجوب الشرعي الثابت للعمل لا بخطاب شرعي.

ويمكن أن يكون إطلاق العقلي عليهما باعتبار أن العقل لو أدرك العمل على ما هو عليه من الجهات المحسنة لحكم بحسنه أو الجهات المقبحة لحكم بقبحه.


صفحه 239

إن قلت إنه لابد من الإدراك العقلي في حسن العمل وقبحه ولا يعقل ثبوتهما في الواقع، وذلك لأن الحسن إنما يكون بالمدح عليه والقبح بالذم عليه ولا يعقل المدح والذم بدون إدراك المادح والذام.

قلنا الحسن هو استحقاق المدح لأفعلية المدح والذم كذلك بمعنى استحقاق الذم عليه لا فعليته.

والحاصل أنه عندنا معاشر الإمامية والمعتزلة إن من الأفعال ما يتصف بهذا المعنى الخامس ويسمى هذا المعنى الخامس بالحسن الفاعلي العقلي والقبح الفاعلي العقلي بخلاف السادس فإنه يسمى بالحسن الفاعلي الشرعي والقبح الفاعلي الشرعي. وبخلاف الأربعة الأول فإنها تسمى بالحسن الفعلي لأن حسنها لا يرتبط بفاعلها وإن كان يظهر من بعضهم من تخصيص النزاع فيه بالنسبة إلى درك الثواب والعقاب بمعنى أنه أدعى أن لا نزاع في الحسن والقبح بمعنى حكم العقل باستحقاق المدح والذم، وانما النزاع فيهما بمعنى حكم العقل باستحقاق الثواب والعقاب كما يحكى ذلك عن اللاهجي في كتابه المسمى بكوهر مراد. وعن الفاضل التوني ولذا سنعقد إن شاء الله فصلا خاصاً في هذا المطلب وإن كانت عبارات القوم تنافي ما نسب لهذا العلامة فإنها ظاهرة في أن البحث في التحسين والتقبيح العقليين بمعنى حكم العقل باستحقاق المدح والذم والثواب والعقاب لا أنه في الجزء الثاني فقط كما سيظهر لكل من أطلع على أدلتهم وعلى كلماتهم في هذا المقام.

ويدلك على أن مرادهم بالعقل في المقام هو ما ذكرناه أعني الواقع ونفس الأمر هو أن المثبتين لهذا المعنى الخامس قسموا الحسن والقبح إلى‌


صفحه 240

ما يدركه العقل بالضرورة من دون تأمل وفكر كحسن شكر المنعم والصدق النافع وكقبح الكذب الضار، وقد يدرك بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، وقد لا يدرك بالعقل ولا بالضرورة ولا بالنظر ولكن إذا ورد به الشرع كشف عن حسن وقبح ثابتين له. فالشارع متفضل بكشف ما خفي علينا حسنه أو قبحه لا أنه مثبت لهما مضافاً إلى أنَّ المعتزلة يعترفون بعدم إدراك العقل حسن أو قبح بعض الأفعال كحسن الطواف وقبح صوم العيدين، وإنما نسبا للعقل فقالوا الحسن والقبح العقليين باعتبار أن العقل لو انكشف له الواقع وتجلت له الحقائق لأدركهما في الأشياء كما أدركهما في قسم منها لما انكشف له واقعها كالصدق النافع والإحسان والظلم والكذب الضار، وأما الأشاعرة فينكرون ذلك بنحو السلب الكلي ويقولون بأن العقل لا يدرك ذلك أبداً و ليس منه في شي‌ء وإنما يقولون بالمعنى السادس وإن الفعل إنما يحسن أو يقبح بأمر الشارع ونهيه فإذا أمر بشي‌ء فذاك تحسينه وليس له حسن في نفسه يدركه الشارع فيأمر به ولا استحقاق للثواب على فعله في نفسه قبل الأمر به وإذا نهى عن شي‌ء فذاك تقبحه وليس له في نفس الأمر قبح يدركه الشارع فينهى عنه، ولا استحقاق للعقاب على فعله في نفسه قبل النهي عنه. ولهذا نسبوا القبح والحسن بهذا المعنى إلى الشرع وقالوا الحسن والقبح الشرعيان، أما نحن فنقول إن الأفعال في الواقع وفي حد ذاتها مع قطع النظر عن الشرع صفة تقتضي حسنها واستحقاق فاعلها المدح والثواب، أو صفة تقتضي قبحها واستحقاق فاعلها الذم والعقاب قد دعت الشارع لحكمه على طبقها لا بمعنى إن حكم الشارع‌