بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 244

لبعضهم من أن النزاع في أن العقل مع قطع النظر عن الشرع هل يدرك أن الفعل مما يستحق فاعله الذم أو الثناء من الشارع أم لا؟ ووجه الفساد هو أن النزاع في حكم العقل بحسن الفعل وقبحه في نفسه حتى لو فرض عدم الشارع، ولذا استدلوا على وجودهما بحكم منكري الصانع بهما كما سيجي‌ء إن شاء الله. كما جعل مثبتوهما مؤثرين في حكمه تعالى على حَسبهما من إيجاب أو تحريم أو غيرهما. ثم أنه لا وجه لتخصيص النزاع بأفعال العباد بل يشمل أفعال العباد وأفعاله تعالى كما يقتضيه عموم عناوين النزاع والأدلة بل صريح الأمثلة.

نعم قد عرفت أن النزاع بالنسبة لأفعال الله تعالى ينبغي إسقاط الثواب والعقاب فيه، ويقتصر على المدح والذم لعدم اتصاف أفعاله تعالى بالثواب والعقاب، ولعل المراد من ذكرهما مع تعميمه لمحل النزاع لأفعاله تعالى إرادته استحقاقهما في الموارد التي لا مانع من ثبوتهما وإلّا فبعض أفعال العباد لا يثبت فيهما الثواب والعقاب كمقدمات الواجبات وكالواجبات التوصلية مع اتصافها بالحسن واتصاف تركها بالقبح.

أدلة المعتزلة

إذا عرفت ذلك فنقول: أستدل المعتزلة على إبطال مذهب الأشاعرة.الدليل الأول:بأن حسن العدل والإحسان بمعنى استحقاق فاعلهما المدح، وقبح الظلم والعدوان بمعنى استحقاق فاعلهما الذم ضروري يشهد به كل أحد من غير نظر إلى ثبوته في الشرع، بل يحكم به من أنكر الشرع ولم يقل به أصلًا كالبراهمة والملاحدة ولو كان شرعياً لما كان كذلك، بل أن من قال منهم بحجية الأستحسان والمصالح قال بذلك فإن مرادهم: أن ما يستحسنه العقل ويحكم فيه بمصلحة فهو حجة وإن لم‌


صفحه 245

يرد به نقل من الشرع بل العقلاء كافة على أن للأفعال في حد ذاتها مع قطع النظر عن الشرع صفة حسن تقتضي استحقاق فاعلها المدح والثواب أو صفة قبح تقتضي استحقاق فاعلها الذم والعقاب، ولم يخالف في ذلك إلّا السوفسطائية والأشاعرة. أما السوفسطائية فإنما أنكروا ذلك بناء على قواعدهم الفاسدة من تكذيب الحس والوجدان، فإنهم إذا قيل لهم هذا أسود قالوا لعله أبيض وقد كذب بصرك، وإذا قيل لهم أنا متألم قالوا لعلك فرح وقد كذب وجدانك، ولعل ذلك منهم لقطع ألسنة أهل الأديان وسد طرق الاحتجاج. وأما الأشاعرة فسبب إنكارهم أن الشيخ الأشعري كان تلميذاً لأبي علي الجبائي المعتزلي فجرى نزاع بينه وبين أستاذه المذكور فانحرف عنه وجعل يبذل الجهد في إبطال مذهب الاعتزال ولما كانت أغلب المسائل التي خالف بها المعتزلة تبتني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين بمسألة قبح التكليف بما لا يطاق، وكمسألة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض، لذا أنكر هو واتباعه كون الحسن والقبح عقليين. ثم إذا ثبت المعنى المتنازع فيه ولو في مورد واحد كما ذكرناه في العدل والظلم كفى في إثبات مطلوبنا لعدم القائل بالفصل أو لأن المدعى هو الإيجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي. ويمكن تقرير هذا الدليل بأن يقال: إن مدرك الحسن والقبح لو كان هو الشرع لما تحققا بدونه لكون الشرع إذ ذاك أما علة أو شرط لتحققها، ويستحيل إنفكاك المعلول أو المشروط عن علته وشرطه، فعلى تقدير شرعيتهما لا يوجدان إلّا بالشرع، وبيان بطلان اللازم أن من لا يعتقد بالشرع يجزمون بحسن الصدق وقبح الكذب وحسن شكر المنعم وقبح الكفر بالنعمة ويذمونه.


صفحه 246

إن قلت جاز أن يكون ذلك ثابتا عندهم بشريعة سابقة.

قلنا نجد هذا الحكم عند من لا يؤمن بالشرائع.

إن قلت أن الله تعالى قد أجرى عادته بخلق هذه العلوم عند تصوراتهم.

قلنا إذن لا يسمى ذلك شرعاً بل يكون حكماً عقيلًا لأنه نشأ من حكم العقل وتصوراته غاية الأمر يكون ذلك بإيجاد الله تعالى.

إن قلت يحتمل أن اتصاف هذه الأشياء بالحسن والقبح من جهة العادة وإلّا فهي في ذاتها لا تتصف بشي‌ء إذ قد يكون الشي‌ء معتاداً تركه فيقبح فعله مع أن فعله في نفسه ليس بقبيح كقبح لبس الرجل لباس المرأة فإنه في نفسه ليس بقبيح لكنه بعد ملاحظة الناس صار قبيحاً، أو يكون الشي‌ء معتاداً فعله فيستحسن فعله مع أن في حد ذاته ليس بحسن كلبس الرجل لباس الرجال فيمكن أن تكون تلك الأفعال اتصافها من هذا القبيل.

قلنا إن هذه الأفعال تتصف بالحسن والقبح حتى لو فرض اعتياد الناس على خلافها. فالظلم قبيح وإن اعتاد الناس على فعله كما في هذا الزمان على إنا لو سلمنا ذلك فلا ريب في المدح والذم على المذكورات لا من جهة الشرع، ولازم ذلك ثبوت الحسن والقبح بمعنى المدح والذم لا من جهة الشرع وهو المطلوب، ونحن لا ننكر أن المدح والذم يكون بسبب جريان العادة أو غيره من الأسباب إذ لا يعقل أن يحكم به العقل بلا مستند أصلًا.


صفحه 247

وقد أجابت الأشاعرة عن ذلك بأنكم إن أردتم أن اتصاف هذه الأشياء بالحسن والقبح بالمعاني الأُخر أي بمعنى موافقتها لغرض العامة وملائمتها لطباعهم وعدمها، أو لكونها صفة كمال ونقصان فمسلم أنه يحكم به من لم يقل بالشرع ولا يجديكم لأنه ليس هذا من المتنازع فيه وإن أردتم اتصافها بالحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه فممنوع بل أول البحث.

وأجابهم المعتزلة عن ذلك بأن إنكار ثبوت الحسن والقبح في الأشياء المذكورة بالمعنى المتنازع فيه مكابرة صرفة ومخالفة لمقتضى العقل، فإنا لو فرضنا أن من استوى من جميع الوجوه في تحصيل غرضه الصدق والكذب والإحسان للغير بإنقاذه من الغرق بحيث لا مرجح فيه أصلًا حتى المدح من الغير فإنه لا إشكال يؤثر الصدق وإنقاذ الغريق وما ذاك إلّا لحسنها ذاتاً الذي يدركه العقل ولو كان السبب لذلك ميل طباعهم أونفرتها أو موافقة أغراضهم أو عدمها كما ادعاه الخصم لا عقولهم لما تحقق اتفاقهم في ذلك، لأن الطباع مختلفة والأغراض والأهواء متباينة. فلو كان حسن ذلك من جهة ملائمة الطبع وقبحه من جهة مخالفة الطبع ونفرته أو موافقة الغرض أو عدمها لاختلفوا في حسنها وقبحها كما يختلفون في الملابس والثياب والأكل والشراب ألا ترى أن الظلم مذموم حتى من كان موافقاً لغرضه، فإن عدو الإنسان يذم قاتل ذلك الإنسان وإن كان موافقاً لغرضه بل وإن كان سفاكاً والقتل موافق لطبعه. ثم كيف يتوهم أن حسن تلك الأشياء أو قبحها من جهة كونها صفة نقص أو صفة كمال مع أن الصفات المقتضية ذلك هي ما كانت من السجايا


صفحه 248

كالشجاعة ونحوها. والظلم يذم عليه ولو صدر مرة واحدة وإن لم يكن سجية لفاعله.

ولو سلمنا ذلك فنقول: إن إدراك العقل الذم والقبح الفاعلي إنما كان سببه ما ذكره الخصم ونحن لا ننكر أن يكون للعقل مدرك لحكمه.

إن قلت أن ما ذكرت من إيثار الصدق عند تساوي الوجوه والأحوال إنما يدل على المطلوب لو قلنا ببطلان الترجيح بلا مرجح إذ عليه لا مرجح للصدق إلّا الجهة المحسنة. ولكن لا نسلم بطلان الترجيح بلا مرجح و إنما الباطل هو الترجيح بلا مرجح حيث لا مانع من ترجيح المرجوح على الراجح فضلًا عن المساوي كما هو المشاهد في أكل أحد الرغيفين وسلوك أحد الطريقين مع التساوي فإن الفاعل إذا كان مختاراً له أن يرجح المرجوح على الراجح إذ الفعل تابع لإرادته واختياره.

قلنا لو سلمنا صحة ذلك فكلامنا في حكم العقل وإنه يحكم بحسن الصدق مع التساوي ويرجحه على الكذب. أما أن الصدق يصدر منه أو الكذب فهو تابع للإرادة والاختيار.

الدليل الثاني:بأن الحسن أو القبح لو كانا شرعيين لم يقبح من الله تعالى شيئا، بل كان كلما صدر منه غير قبيح لأن القبح حينئذ إنما يكون بالشرع ولا شرع بالنظر إليه لتنزهه عن النواهي الشرعية والتالي وهو عدم قبح شي‌ء منه تعالى باطل من وجهين:

الوجه الأول:إنه إذا لم يقبح منه تعالى شي‌ء لم يقبح منه الكذب، بل جاز صدوره عنه تعالى وحينئذ لا يبقى وثوق بوعده ولا وعيده فتنتفي فائدة التكليف حيث لا ملزم للعبد بامتثالها لعدم علمه باستحقاق‌


صفحه 249

الثواب على الإطاعة، واستحقاق العقاب على المعصية لتجويزه الكذب في الوعد والوعيد.

والحاصل أن الوثوق بوعده ووعيده موقوف على العلم بصدقه بوعده ووعيده، والعلم بصدقه في ذلك مفقود على ذلك التقدير، اعني على تقدير عدم قبح الكذب منه تعالى، وإذ ذاك لم يمتثل تكاليفه تعالى لاحتمال كذبه (عز و جل) في وعده ووعيده مع لزوم الارتياب المستدعي للكفر والعذاب.

فإن قلتم كَذب الكلام النفسي مستحيل.

قلنا: لو سلم فعدم إتصافه بالكذب ممنوع ولو سلم فَلِمَ لا يجوز أن تكون هذه الكلمات المسموعة مخالفة لما عليه الشي‌ء في نفسه فيعود الإشكال. فإن قيل لِمَ لا يجوز أن يرد الشرع بصدقه تعالى فيكون صدقه حسناً فلا يرتفع الوثوق.

قلنا: على تقدير أن يكون الحسن والقبح شرعياً لم ينفع ورود الشرع بصدقه في حسن صدقه لعدم الوثوق بصدق ما ورد منه لجواز كذبه تعالى في ذلك لعدم قبحه في حقه، بل يكون ثبوت الشرع موقوفاً على صدقه تعالى فلو علم صد قه تعالى به كان دوراً.

إنْ قلت إنّ العادة منه تعالى قد جرت على صدقه تعالى بحيث نقطع من عادته تعالى بعدم صدور الكذب منه تعالى.

قلنا إن العادة في كل عمل وفعل مسببة عن تكراره والمواظبة عليه. ولا ريب أنه تعالى يمتنع الكذب عليه قبل أن يصير الصدق عادة له. وبعبارة أخرى أنه ما الدليل على عدم جواز الكذب منه تعالى قبل‌


صفحه 250

حصول العادة بالصدق. ولو سلمنا عدم جواز الكذب منه تعالى لأجل العادة لكن الاطلاع على العادة والعلم بها لا يحصل إلّا للأوحدي من الناس دون المكلف في أوائل أمره فإنه لم يعلم العادة منه تعالى على ذلك إلّا بعد مضي زمان، فكان ترك الامتثال قبل حصول العلم بالعادة جائز بل بعد مضي زمان كثير أيضاً لا يحصل له العلم بأن عادته تعالى على الصدق إذ لا دليل له عليها.

إن قلت بأن الصدق موافقاً لغرضه والكذب مخالفاً له وارتكاب الحكيم ما ينافي غرضه محال.

قلنا لا نسلم أن الكذب يكون منافيا لغرضه تعالى كما عليه بعض المتصوفة حيث زعموا بأن غرضه تعالى إسكات العباد ونظم العالم بالوعد والوعيد. ولو سلمنا ذلك لا نسلم امتناع صدور منافي غرضه منه تعالى مضافاً إلى أن الخصم لا يقول بكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض.

إنْ قلت إنّ الصدق ملائم لطبعه تعالى والكذب منافر له فنعلم بصدور الأول وعدم صدور الثاني عنه تعالى.

قلنا لا نسلم عدم صدور منافر الطبع عنه تعالى فلعله يصدر منه ذلك. سلمنا، لكن لا نسلم أن الكذب منافر لطبعه والصدق ملائم لطبعه إذ لا طريق للعلم بذلك هذا مضافاً إلى أنه تعالى منزه عن الطبع لأن الطبيعة من الماديات.

إنْ قلت أنّ الكذب صفة نقص والصدق صفة كمال وهو تعالى منزه عن النقائص مستجمع للكمالات بالإجماع وبحكم العقل لكونه واجب‌


صفحه 251

الوجود مستجمعاً لجميع الكمالات فيكون تعالى منزهاً عن الكذب صادقاً في أقواله وإن لم نقل بادراك العقل للحسن والقبح.

قلنا نعم ولكن ذلك لا يوجب جبره على الصدق وعدم صدور الكذب فلابد من حكم العقل بقبح الكذب منه وحسن الصدق منه.

وإن شئت قلت أن الكذب والصدق من صفات الأفعال لأنها صفة للكلام الخارجي لا من صفات الذات كالعلم والقدرة. وعليه فلا يحصل الوثوق بالصدق وعدم الكذب إلّا بعد حكم العقل بقبح فعل الكذب بل إنما صار الصدق من صفات الكمال بهذا الاعتبار وبواسطة حكم العقل المذكور بل مرجع النقص في الأفعال إلى كونها قبيحة عند العقل ومرجع الكمال في الأفعال إلى أنها حسنة عند العقل، فلولا ذلك لما كان فيها نقص ولا كان فيها كمال.

إن قلت نمنع لزوم جواز ترك الامتثال لتكاليفه تعالى إذ يكفي في لزوم الامتثال احتمال صدقه تعالى في وعده ووعيده، ومع هذا الاحتمال يجب الامتثال دفعاً للضرر المحتمل.

قلنا مع احتمال الكذب في حقه (عز و جل) يحتمل الضرر بترك الامتثال كذلك يحتمل الضرر بفعل الامتثال، فإن الاحتمال للضرر مشترك بين الامتثال لأحكامه تعالى وبين ترك الامتثال لها إذ لا موجب لرفعه عن أحد الطرفين. مضافاً إلى أن لزوم دفع الضرر المحتمل إن كان ثابتاً بالشرع فيحتمل كذبه إذ المفروض إمكان الكذب عند الخصم، وإن كان بالعقل الحاكم بقبح ارتكاب الضرر المحتمل فقد ثبت المطلوب وهو إدراك العقل الحسن والقبح.