كالشجاعة ونحوها. والظلم يذم عليه ولو صدر مرة واحدة وإن لم يكن سجية لفاعله.
ولو سلمنا ذلك فنقول: إن إدراك العقل الذم والقبح الفاعلي إنما كان سببه ما ذكره الخصم ونحن لا ننكر أن يكون للعقل مدرك لحكمه.
إن قلت أن ما ذكرت من إيثار الصدق عند تساوي الوجوه والأحوال إنما يدل على المطلوب لو قلنا ببطلان الترجيح بلا مرجح إذ عليه لا مرجح للصدق إلّا الجهة المحسنة. ولكن لا نسلم بطلان الترجيح بلا مرجح و إنما الباطل هو الترجيح بلا مرجح حيث لا مانع من ترجيح المرجوح على الراجح فضلًا عن المساوي كما هو المشاهد في أكل أحد الرغيفين وسلوك أحد الطريقين مع التساوي فإن الفاعل إذا كان مختاراً له أن يرجح المرجوح على الراجح إذ الفعل تابع لإرادته واختياره.
قلنا لو سلمنا صحة ذلك فكلامنا في حكم العقل وإنه يحكم بحسن الصدق مع التساوي ويرجحه على الكذب. أما أن الصدق يصدر منه أو الكذب فهو تابع للإرادة والاختيار.
الدليل الثاني:بأن الحسن أو القبح لو كانا شرعيين لم يقبح من الله تعالى شيئا، بل كان كلما صدر منه غير قبيح لأن القبح حينئذ إنما يكون بالشرع ولا شرع بالنظر إليه لتنزهه عن النواهي الشرعية والتالي وهو عدم قبح شيء منه تعالى باطل من وجهين:
الوجه الأول:إنه إذا لم يقبح منه تعالى شيء لم يقبح منه الكذب، بل جاز صدوره عنه تعالى وحينئذ لا يبقى وثوق بوعده ولا وعيده فتنتفي فائدة التكليف حيث لا ملزم للعبد بامتثالها لعدم علمه باستحقاق
الثواب على الإطاعة، واستحقاق العقاب على المعصية لتجويزه الكذب في الوعد والوعيد.
والحاصل أن الوثوق بوعده ووعيده موقوف على العلم بصدقه بوعده ووعيده، والعلم بصدقه في ذلك مفقود على ذلك التقدير، اعني على تقدير عدم قبح الكذب منه تعالى، وإذ ذاك لم يمتثل تكاليفه تعالى لاحتمال كذبه (عز و جل) في وعده ووعيده مع لزوم الارتياب المستدعي للكفر والعذاب.
فإن قلتم كَذب الكلام النفسي مستحيل.
قلنا: لو سلم فعدم إتصافه بالكذب ممنوع ولو سلم فَلِمَ لا يجوز أن تكون هذه الكلمات المسموعة مخالفة لما عليه الشيء في نفسه فيعود الإشكال. فإن قيل لِمَ لا يجوز أن يرد الشرع بصدقه تعالى فيكون صدقه حسناً فلا يرتفع الوثوق.
قلنا: على تقدير أن يكون الحسن والقبح شرعياً لم ينفع ورود الشرع بصدقه في حسن صدقه لعدم الوثوق بصدق ما ورد منه لجواز كذبه تعالى في ذلك لعدم قبحه في حقه، بل يكون ثبوت الشرع موقوفاً على صدقه تعالى فلو علم صد قه تعالى به كان دوراً.
إنْ قلت إنّ العادة منه تعالى قد جرت على صدقه تعالى بحيث نقطع من عادته تعالى بعدم صدور الكذب منه تعالى.
قلنا إن العادة في كل عمل وفعل مسببة عن تكراره والمواظبة عليه. ولا ريب أنه تعالى يمتنع الكذب عليه قبل أن يصير الصدق عادة له. وبعبارة أخرى أنه ما الدليل على عدم جواز الكذب منه تعالى قبل
حصول العادة بالصدق. ولو سلمنا عدم جواز الكذب منه تعالى لأجل العادة لكن الاطلاع على العادة والعلم بها لا يحصل إلّا للأوحدي من الناس دون المكلف في أوائل أمره فإنه لم يعلم العادة منه تعالى على ذلك إلّا بعد مضي زمان، فكان ترك الامتثال قبل حصول العلم بالعادة جائز بل بعد مضي زمان كثير أيضاً لا يحصل له العلم بأن عادته تعالى على الصدق إذ لا دليل له عليها.
إن قلت بأن الصدق موافقاً لغرضه والكذب مخالفاً له وارتكاب الحكيم ما ينافي غرضه محال.
قلنا لا نسلم أن الكذب يكون منافيا لغرضه تعالى كما عليه بعض المتصوفة حيث زعموا بأن غرضه تعالى إسكات العباد ونظم العالم بالوعد والوعيد. ولو سلمنا ذلك لا نسلم امتناع صدور منافي غرضه منه تعالى مضافاً إلى أن الخصم لا يقول بكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض.
إنْ قلت إنّ الصدق ملائم لطبعه تعالى والكذب منافر له فنعلم بصدور الأول وعدم صدور الثاني عنه تعالى.
قلنا لا نسلم عدم صدور منافر الطبع عنه تعالى فلعله يصدر منه ذلك. سلمنا، لكن لا نسلم أن الكذب منافر لطبعه والصدق ملائم لطبعه إذ لا طريق للعلم بذلك هذا مضافاً إلى أنه تعالى منزه عن الطبع لأن الطبيعة من الماديات.
إنْ قلت أنّ الكذب صفة نقص والصدق صفة كمال وهو تعالى منزه عن النقائص مستجمع للكمالات بالإجماع وبحكم العقل لكونه واجب
الوجود مستجمعاً لجميع الكمالات فيكون تعالى منزهاً عن الكذب صادقاً في أقواله وإن لم نقل بادراك العقل للحسن والقبح.
قلنا نعم ولكن ذلك لا يوجب جبره على الصدق وعدم صدور الكذب فلابد من حكم العقل بقبح الكذب منه وحسن الصدق منه.
وإن شئت قلت أن الكذب والصدق من صفات الأفعال لأنها صفة للكلام الخارجي لا من صفات الذات كالعلم والقدرة. وعليه فلا يحصل الوثوق بالصدق وعدم الكذب إلّا بعد حكم العقل بقبح فعل الكذب بل إنما صار الصدق من صفات الكمال بهذا الاعتبار وبواسطة حكم العقل المذكور بل مرجع النقص في الأفعال إلى كونها قبيحة عند العقل ومرجع الكمال في الأفعال إلى أنها حسنة عند العقل، فلولا ذلك لما كان فيها نقص ولا كان فيها كمال.
إن قلت نمنع لزوم جواز ترك الامتثال لتكاليفه تعالى إذ يكفي في لزوم الامتثال احتمال صدقه تعالى في وعده ووعيده، ومع هذا الاحتمال يجب الامتثال دفعاً للضرر المحتمل.
قلنا مع احتمال الكذب في حقه (عز و جل) يحتمل الضرر بترك الامتثال كذلك يحتمل الضرر بفعل الامتثال، فإن الاحتمال للضرر مشترك بين الامتثال لأحكامه تعالى وبين ترك الامتثال لها إذ لا موجب لرفعه عن أحد الطرفين. مضافاً إلى أن لزوم دفع الضرر المحتمل إن كان ثابتاً بالشرع فيحتمل كذبه إذ المفروض إمكان الكذب عند الخصم، وإن كان بالعقل الحاكم بقبح ارتكاب الضرر المحتمل فقد ثبت المطلوب وهو إدراك العقل الحسن والقبح.
إنْ قلت إنّ هذا الإشكال مشترك الورود بين القول بنفي التحسين والتقبيح العقلين وبين القول بثبوتهما بالوجوه والاعتبارات إذ على هذا القول يجوز عند العقل أن يتحقق في الكذب مصلحة مرجحة فإذا تطرق هذا الاحتمال إلى أخبار الله تعالى ووعده ووعيده عاد الإشكال.
وربما أمكن تأييده بما يثبت عند أصحابنا الإمامية من جواز التقية على الإمام فإنها لا تختص عندهم بالأفعال بل تجري في الأقوال، فإذا جاز أن يقول الإمام عبارة كاذبة مراعاة لمصلحة التقية جاز مثله في حق النبي بل في حقه تعالى، فكيف يحصل الوثوق بتلك المواعيد والأخبار؟ ومن هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين للإسلام إنّ الأخبار الواردة بما يتعلق بتعذيب الكفار والفساق بأسرها أخبار صورية كاذبة قصد بها التخويف لحفظ النظام وتكميل الأنام.
قلنا قد أجاب صاحبه الفصول (ره) عن ذلك بما حاصله أن العقل يحكم بقبح الكذب مطلقاً إلّا مع الاضطرار إليه، أما إذا لم يضطر إليه فلا يحكم بعدم قبحه ولو ترتب عليه النفع العظيم، والله تعالى لم يضطر إلى الأخبارات الكاذبة ولا إلى إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه النبوة وجاز على الإمام التقية لأنه قد اضطر إليها.
ولا يخفى ما فيه فإن الكذب لو لم يحسن بترتب النفع عليه لما أجازه الشارع في الإصلاح وعلى الزوجة وفي الحرب مع عدم الاضطرار إليه. نعم يمكن أن يقال الأخبار الكاذبة مع القسم واليمين لا تجوز مع عدم الاضطرار إليها وإن ترتب عليها النفع العظيم. وجوازها في نجاة المؤمن أو تخليص المال إنما كان مع الاضطرار إليها في تلك الحال. ولعل مراده
(ره) أن العقل حاكم بقبح الكذب من له القدرة التامة والسلطنة على الغير ألا ترى أن كبير القوم وجليلهم لا يكذب عليهم حتى لمصلحتهم لأنه ينافي عظيم سلطنته وكمال قدرته.
الوجه الثاني:إذا لم يقبح منه تعالى شيء جاز منه تعالى إظهار المعجزة على يد كاذب، ولازم تجويز ذلك هو تجويز أن يكون الأنبياء كلهم كاذبين مفترين أظهروا المعاجز على أيديهم للأضلال، ويلزم أن لا يفرق بين النبي (ص) والمتنبئ ليحكم بصدق أحدهما وكذب الآخر فيلزم إفحام النبي الصادق (ص) بعد رؤية معجزته لاحتمال أن يكون كاذباً فيها، وإنه تعالى مع ذلك مكّنه منها إذ لا رافع لهذا الاحتمال إلّا حكم العقل بقبح ذلك منه تعالى فإذا فرض أن العقل لا يقبح ذلك جاء الاحتمال المذكور ولازمه عدم ثبوت الشرع لانسداد باب إثبات النبوة على ذلك التقدير.
أما نحن لما قلنا بقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب من الله تعالى إذ يلزم منه إضلال الناس وإغرائهم بالجهل، كان إظهار المعجزة على يد شخص مع دعواه النبوة موجباً للعلم بصدقه.
فإن قيل الاستدلال بالمعجزة على صدق الرسول غير صحيح حتى لو بنينا على أن الحسن والقبح عقليان وذلك لأن دلالة المعجزة على صدق الرسول يتوقف على شيئين:
الأول:إنه تعالى إنما خلق المعجزة لأجل التصديق.
الثاني:إن كل من صَدّقه الله تعالى فهو صادق، والحسن والقبح إنما ينفعان في الثاني وأما الأول فنمنعه لأنه يجوز أن يكون خلق ذلك المعجز
لا لغرض التصديق فَلِمَ لا يجوز أن يكون خلق لا لغرض أو غرض سوى التصديق فَلِمَ قلتم أنه ليس كذلك.
ودعوى أن خلق المعجزة من الله تعالى على يد الكاذب عند دعواه موهم إلى أن المقصود منه تصديقه فلو كان المدعي كاذباً كان ذلك إيهاماً منه تعالى لتصديق الكاذب وهو قبيح لا يفعله سبحانه وتعالى. فاسدة لأنا نمنع قبح خلق ما يوهم القبيح ولم يكن علة تامة للقبيح فإن المكلف لما علم أن خلق المعجز عند الدعوى للنبوة يحتمل أن يكون للتصديق وأن يكون لغيره، فلو حمله على التصديق كان التقصير منه حيث قطع لا في موضع القطع وهل ذلك إلّا مثل إنزال المتشابه في القرآن؟ فإنه يوهم القبح ولكنه لما احتمل سائر الوجوه لم يقبح.
قلنا الضرورة قاضية بأن خلق مثل ذلك ليس إلّا للتصديق كالشاهد، وإنكار ذلك مكابرة، فثبت البرهان الدال على نبوة مظهر المعجزة بعد دعواه النبوة. والبرهان هو أن هذا أظهر المعجزة بعد دعوى النبوة وكل من أظهر المعجزة بعد دعوى النبوة فهو نبي لامتناع ظهور المعجزة على يد غير النبي لأن إظهاره على يد الكاذب تصديق له، وتصديق الكاذب كذب والكذب قبيح والقبيح يمتنع صدوره منه تعالى.
وأما إنزال المتشابه فليس بهذه المثابة لقبول التأويل كما لا يخفى.
وقد أجابوا عن هذا الدليل تبعاً للعضدي بأنه لا يلزم من جواز الكذب منه سبحانه وتعالى وجواز إظهاره المعجزة على يد الكاذب وقوعه منه تعالى ليلزم ما ذكرتم من انسداد إثبات النبوة، وذلك لأن
العادة قد جرت بعدم وقوع الكذب منه تعالى وتقدست أسماؤه وعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب.
ولا يخفى فساد هذا الجواب فإن ما ذكروه إنما يتم بعد ثبوت العادة ولا عادة في الأول وهو عدم وقوع الكذب منه تعالى من أول الأمر وفي أول الخلقة فيجوز أن يكون كاذباً وإذا كان في الحال الأول يصدر منه الكذب فيجوز في الحال الثانية منه يصدر الكذب أيضاً، فلا تتحقق العادة على الصدق ولم يحصل العلم بتحققها لعدم حصول العادة. وهكذا فلا يحصل الجزم بعدم وقوع الكذب منه تعالى وهكذا نقول في إظهار المعجزة على يد النبي (ص) الأول لعدم حصول العادة حينئذ وهكذا فيلزم أن لا تثبت نبوة أحد من الأنبياء ().
وإن شئت قلت إن أردتم جريان العادة منه تعالى لكل المكلفين فبطلانه واضح إذ لم يحصل الجريان لجميعهم لعدم تلقيهم لأخباره تعالى وإن أريد لبعضهم بارائته عادته تعالى على الصدق لهذا البعض فينقل الكلام للبعض الآخر.
لا يقال نحن نقول الكذب وإظهاره المعجزة على يد الكاذب نقص يجب تنزيهه عنه تعالى وتقدست أسماؤه.
لإنا نقول النقص في الأفعال يرجع إلى القبح العقلي، لأن كون الفعل صفة نقص ليس إلّا لكونه قبيحاً عقلا كما صرح به صاحب المواقف وغيره من محققيكم. فإن قلت نحن نجعل النقص صفة لصدور اللفظ عنه تعالى حتى لا يرجع إلى العقل، بل الكلام النفسي الذي هو من قبيل