بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 250

حصول العادة بالصدق. ولو سلمنا عدم جواز الكذب منه تعالى لأجل العادة لكن الاطلاع على العادة والعلم بها لا يحصل إلّا للأوحدي من الناس دون المكلف في أوائل أمره فإنه لم يعلم العادة منه تعالى على ذلك إلّا بعد مضي زمان، فكان ترك الامتثال قبل حصول العلم بالعادة جائز بل بعد مضي زمان كثير أيضاً لا يحصل له العلم بأن عادته تعالى على الصدق إذ لا دليل له عليها.

إن قلت بأن الصدق موافقاً لغرضه والكذب مخالفاً له وارتكاب الحكيم ما ينافي غرضه محال.

قلنا لا نسلم أن الكذب يكون منافيا لغرضه تعالى كما عليه بعض المتصوفة حيث زعموا بأن غرضه تعالى إسكات العباد ونظم العالم بالوعد والوعيد. ولو سلمنا ذلك لا نسلم امتناع صدور منافي غرضه منه تعالى مضافاً إلى أن الخصم لا يقول بكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض.

إنْ قلت إنّ الصدق ملائم لطبعه تعالى والكذب منافر له فنعلم بصدور الأول وعدم صدور الثاني عنه تعالى.

قلنا لا نسلم عدم صدور منافر الطبع عنه تعالى فلعله يصدر منه ذلك. سلمنا، لكن لا نسلم أن الكذب منافر لطبعه والصدق ملائم لطبعه إذ لا طريق للعلم بذلك هذا مضافاً إلى أنه تعالى منزه عن الطبع لأن الطبيعة من الماديات.

إنْ قلت أنّ الكذب صفة نقص والصدق صفة كمال وهو تعالى منزه عن النقائص مستجمع للكمالات بالإجماع وبحكم العقل لكونه واجب‌


صفحه 251

الوجود مستجمعاً لجميع الكمالات فيكون تعالى منزهاً عن الكذب صادقاً في أقواله وإن لم نقل بادراك العقل للحسن والقبح.

قلنا نعم ولكن ذلك لا يوجب جبره على الصدق وعدم صدور الكذب فلابد من حكم العقل بقبح الكذب منه وحسن الصدق منه.

وإن شئت قلت أن الكذب والصدق من صفات الأفعال لأنها صفة للكلام الخارجي لا من صفات الذات كالعلم والقدرة. وعليه فلا يحصل الوثوق بالصدق وعدم الكذب إلّا بعد حكم العقل بقبح فعل الكذب بل إنما صار الصدق من صفات الكمال بهذا الاعتبار وبواسطة حكم العقل المذكور بل مرجع النقص في الأفعال إلى كونها قبيحة عند العقل ومرجع الكمال في الأفعال إلى أنها حسنة عند العقل، فلولا ذلك لما كان فيها نقص ولا كان فيها كمال.

إن قلت نمنع لزوم جواز ترك الامتثال لتكاليفه تعالى إذ يكفي في لزوم الامتثال احتمال صدقه تعالى في وعده ووعيده، ومع هذا الاحتمال يجب الامتثال دفعاً للضرر المحتمل.

قلنا مع احتمال الكذب في حقه (عز و جل) يحتمل الضرر بترك الامتثال كذلك يحتمل الضرر بفعل الامتثال، فإن الاحتمال للضرر مشترك بين الامتثال لأحكامه تعالى وبين ترك الامتثال لها إذ لا موجب لرفعه عن أحد الطرفين. مضافاً إلى أن لزوم دفع الضرر المحتمل إن كان ثابتاً بالشرع فيحتمل كذبه إذ المفروض إمكان الكذب عند الخصم، وإن كان بالعقل الحاكم بقبح ارتكاب الضرر المحتمل فقد ثبت المطلوب وهو إدراك العقل الحسن والقبح.


صفحه 252

إنْ قلت إنّ هذا الإشكال مشترك الورود بين القول بنفي التحسين والتقبيح العقلين وبين القول بثبوتهما بالوجوه والاعتبارات إذ على هذا القول يجوز عند العقل أن يتحقق في الكذب مصلحة مرجحة فإذا تطرق هذا الاحتمال إلى أخبار الله تعالى ووعده ووعيده عاد الإشكال.

وربما أمكن تأييده بما يثبت عند أصحابنا الإمامية من جواز التقية على الإمام فإنها لا تختص عندهم بالأفعال بل تجري في الأقوال، فإذا جاز أن يقول الإمام عبارة كاذبة مراعاة لمصلحة التقية جاز مثله في حق النبي بل في حقه تعالى، فكيف يحصل الوثوق بتلك المواعيد والأخبار؟ ومن هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين للإسلام إنّ الأخبار الواردة بما يتعلق بتعذيب الكفار والفساق بأسرها أخبار صورية كاذبة قصد بها التخويف لحفظ النظام وتكميل الأنام.

قلنا قد أجاب صاحبه الفصول (ره) عن ذلك بما حاصله أن العقل يحكم بقبح الكذب مطلقاً إلّا مع الاضطرار إليه، أما إذا لم يضطر إليه فلا يحكم بعدم قبحه ولو ترتب عليه النفع العظيم، والله تعالى لم يضطر إلى الأخبارات الكاذبة ولا إلى إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه النبوة وجاز على الإمام التقية لأنه قد اضطر إليها.

ولا يخفى ما فيه فإن الكذب لو لم يحسن بترتب النفع عليه لما أجازه الشارع في الإصلاح وعلى الزوجة وفي الحرب مع عدم الاضطرار إليه. نعم يمكن أن يقال الأخبار الكاذبة مع القسم واليمين لا تجوز مع عدم الاضطرار إليها وإن ترتب عليها النفع العظيم. وجوازها في نجاة المؤمن أو تخليص المال إنما كان مع الاضطرار إليها في تلك الحال. ولعل مراده‌


صفحه 253

(ره) أن العقل حاكم بقبح الكذب من له القدرة التامة والسلطنة على الغير ألا ترى أن كبير القوم وجليلهم لا يكذب عليهم حتى لمصلحتهم لأنه ينافي عظيم سلطنته وكمال قدرته.

الوجه الثاني:إذا لم يقبح منه تعالى شي‌ء جاز منه تعالى إظهار المعجزة على يد كاذب، ولازم تجويز ذلك هو تجويز أن يكون الأنبياء كلهم كاذبين مفترين أظهروا المعاجز على أيديهم للأضلال، ويلزم أن لا يفرق بين النبي (ص) والمتنبئ ليحكم بصدق أحدهما وكذب الآخر فيلزم إفحام النبي الصادق (ص) بعد رؤية معجزته لاحتمال أن يكون كاذباً فيها، وإنه تعالى مع ذلك مكّنه منها إذ لا رافع لهذا الاحتمال إلّا حكم العقل بقبح ذلك منه تعالى فإذا فرض أن العقل لا يقبح ذلك جاء الاحتمال المذكور ولازمه عدم ثبوت الشرع لانسداد باب إثبات النبوة على ذلك التقدير.

أما نحن لما قلنا بقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب من الله تعالى إذ يلزم منه إضلال الناس وإغرائهم بالجهل، كان إظهار المعجزة على يد شخص مع دعواه النبوة موجباً للعلم بصدقه.

فإن قيل الاستدلال بالمعجزة على صدق الرسول غير صحيح حتى لو بنينا على أن الحسن والقبح عقليان وذلك لأن دلالة المعجزة على صدق الرسول يتوقف على شيئين:

الأول:إنه تعالى إنما خلق المعجزة لأجل التصديق.

الثاني:إن كل من صَدّقه الله تعالى فهو صادق، والحسن والقبح إنما ينفعان في الثاني وأما الأول فنمنعه لأنه يجوز أن يكون خلق ذلك المعجز


صفحه 254

لا لغرض التصديق فَلِمَ لا يجوز أن يكون خلق لا لغرض أو غرض سوى التصديق فَلِمَ قلتم أنه ليس كذلك.

ودعوى أن خلق المعجزة من الله تعالى على يد الكاذب عند دعواه موهم إلى أن المقصود منه تصديقه فلو كان المدعي كاذباً كان ذلك إيهاماً منه تعالى لتصديق الكاذب وهو قبيح لا يفعله سبحانه وتعالى. فاسدة لأنا نمنع قبح خلق ما يوهم القبيح ولم يكن علة تامة للقبيح فإن المكلف لما علم أن خلق المعجز عند الدعوى للنبوة يحتمل أن يكون للتصديق وأن يكون لغيره، فلو حمله على التصديق كان التقصير منه حيث قطع لا في موضع القطع وهل ذلك إلّا مثل إنزال المتشابه في القرآن؟ فإنه يوهم القبح ولكنه لما احتمل سائر الوجوه لم يقبح.

قلنا الضرورة قاضية بأن خلق مثل ذلك ليس إلّا للتصديق كالشاهد، وإنكار ذلك مكابرة، فثبت البرهان الدال على نبوة مظهر المعجزة بعد دعواه النبوة. والبرهان هو أن هذا أظهر المعجزة بعد دعوى النبوة وكل من أظهر المعجزة بعد دعوى النبوة فهو نبي لامتناع ظهور المعجزة على يد غير النبي لأن إظهاره على يد الكاذب تصديق له، وتصديق الكاذب كذب والكذب قبيح والقبيح يمتنع صدوره منه تعالى.

وأما إنزال المتشابه فليس بهذه المثابة لقبول التأويل كما لا يخفى.

وقد أجابوا عن هذا الدليل تبعاً للعضدي بأنه لا يلزم من جواز الكذب منه سبحانه وتعالى وجواز إظهاره المعجزة على يد الكاذب وقوعه منه تعالى ليلزم ما ذكرتم من انسداد إثبات النبوة، وذلك لأن‌


صفحه 255

العادة قد جرت بعدم وقوع الكذب منه تعالى وتقدست أسماؤه وعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب.

ولا يخفى فساد هذا الجواب فإن ما ذكروه إنما يتم بعد ثبوت العادة ولا عادة في الأول وهو عدم وقوع الكذب منه تعالى من أول الأمر وفي أول الخلقة فيجوز أن يكون كاذباً وإذا كان في الحال الأول يصدر منه الكذب فيجوز في الحال الثانية منه يصدر الكذب أيضاً، فلا تتحقق العادة على الصدق ولم يحصل العلم بتحققها لعدم حصول العادة. وهكذا فلا يحصل الجزم بعدم وقوع الكذب منه تعالى وهكذا نقول في إظهار المعجزة على يد النبي (ص) الأول لعدم حصول العادة حينئذ وهكذا فيلزم أن لا تثبت نبوة أحد من الأنبياء ().

وإن شئت قلت إن أردتم جريان العادة منه تعالى لكل المكلفين فبطلانه واضح إذ لم يحصل الجريان لجميعهم لعدم تلقيهم لأخباره تعالى وإن أريد لبعضهم بارائته عادته تعالى على الصدق لهذا البعض فينقل الكلام للبعض الآخر.

لا يقال نحن نقول الكذب وإظهاره المعجزة على يد الكاذب نقص يجب تنزيهه عنه تعالى وتقدست أسماؤه.

لإنا نقول النقص في الأفعال يرجع إلى القبح العقلي، لأن كون الفعل صفة نقص ليس إلّا لكونه قبيحاً عقلا كما صرح به صاحب المواقف وغيره من محققيكم. فإن قلت نحن نجعل النقص صفة لصدور اللفظ عنه تعالى حتى لا يرجع إلى العقل، بل الكلام النفسي الذي هو من قبيل‌


صفحه 256

الصفة عندنا معاشر الأشاعرة والنقص في الصفة لا يرجع إلى القبح العقلي.

قلنا هذا لا ينفع لأنه يجوز أن تكون هذه الكلمات المسموعة مخالفة لما عليه الشي‌ء في نفسه كما تقدم.

وقد يقرر هذا الوجه بنحو آخر وحاصله: إنه لا ريب في حصول العلم القهري بالنبوة وبصدق النبي عند مشاهدة الخارق منه لبعض المشاهدين، وحصول هذا العلم لهم أما بسبب أو بدونه والثاني باطل لإستلزامه الترجيح بلا مرجح وهو باطل حتى عند الخصم، وعلى الأول فأما سببه نفس مشاهدة المعجزة بعد دعوى النبوة فقط فهو باطل، لأنه لو كان ذلك علة فقط لما تخلف المعلول عنها مع إنا نرى التخلف عنها لأن بعض من يشاهد المعجزة لا يؤمن ولا يصدق بالنبوة، وأما أن يكون سببه إدراك العقل قبح إجراء المعجزة على يد الكاذب وقبح ارسال الرسول الكاذب، فيثبت المطلوب.

إن قلت أن هذا الدليل لا يفهمه إلّا القليل من المكلفين فلا يكون دليلًا لكلهم. قلنا إن أردتم من الفهم الفهم التفصيلي فبطلان اللازم ممنوع وإن أردتم الفهم الإجمالي فلا ضير فيه، فإنه يحصل العلم بالنبوة والصدق عند مشاهدة المعجزة لأجل إدراك عقله قبح ذلك وإن لم يكن ملتفتا إليه تفصيلًا، فعلّة حصول العلم لزوم القبح لولاه إجمالًا وأن عجز عن تفصيله، ونظيره أن بعض أهل السليقة من العلماء لا يزالون يجرون قواعد علم المنطق ويعلمون كلها على وجه الإجمال لكن لا يعلمون‌


صفحه 257

هذه الاصطلاحات تفصيلًا من الموضوع والمحمول والصغرى والكبرى وشرائط الشكل الأول.

إنْ قلت إنّ حصول العلم بالأمرين أي العلم بالنبوة بعد ادعائها مع ظهور المعجزة والعلم بصدق النبي المقطوع بنبوته اضطراري لمكان الجبر الذي يقول به الأشعري فنكون مجبورين في حصول العلم بالأمرين.

قلنا قد تقرر في محله بطلان الجبر عندنا مضافاً إلى أنه لو كان العباد مجبورين على العلم لما تخلف العلم عند دعوى النبوة وظهور المعجزة.

إنْ قلت إنّ الكثير من الكذابين من أدعى النبوة وأظهر المعجزة فلم تكن المعجزة تميز بين الصادق والكذاب.

قلنا لا ريب أنّ من أدعى النبوة وأظهر ما هو خارق العادة لابد على الله تعالى أن يجعله يعترف بعدم كونه نبياً أو يجعل عقول الناس تطلع على أن ذلك منه شعوذة وسحراً يقدر البشر على الإتيان بمثله، فليس هو بمعجزة أو تكذيبه من نبي قبله كما هو الحال فعلًا فإن نبينا (ص) كذّب كل من يدعي النبوة بعده ولو أظهر ألف معجزة إلّا لزم إضلاله تعالى لجميع الناس وإغرائهم بالجهل.

الدليل الثالث:بإنا قاطعون بأنه يقبح عند الله تعالى من العارف بذاته وصفاته أن يشرك به أو ينسب إليه الزواج والولد وما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدوث بمعنى إنه يستحق به الذم والعقاب في حكم الله تعالى سواء ورد الشرع أو لم يرد. ودعوى أن ذلك من جهة أستقرار الشرائع عليه واستمرار العادات بمثله فيما هو المشاهد فصار قبحه مركوزاً في العقول بحيث يظن إنه مستند لمجرد حكم العقل‌