واجبة وإنها لا تتم إلّا بالنظر، وإن مقدمة الواجب واجبة مع أن الأول ينكره السُمَينة والثاني ينكره المهندسون والثالث ينكره الحشوية والرابع ينكره الصوفية والخامس ينكره بعض الأصوليون فالمحذور مشترك الورود لعدم ثبوت وجوب النظر عقلًا.
وجوابه أن حكم العقل بوجوب النظر من جهة احتمال الضرر الآخروي، واحتمال الضرر الأخروي يحكم العقل بحسن دفعه وقبح ارتكابه. فالعقل حاكم بوجوب دفعه وحرمة ارتكابه.
الأعتراض الثاني:أن النظر واجب بالشرع ولا نسلم ثبوته بالعقل.
وجوابه أنه إن كان ثابتاً بشرع هذا النبي فهو يحتمل كذبه، واحتمال كذبه مانع عن ثبوت وجوبه وإن كان بشرع سابق فننقل الكلام إليه.
الدليل الخامس:قد ورد في الشرع تعليل كثير من الأحكام بالمصالح والمفاسد، ووقع الإجماع على تعليلها بها ولذا صح القياس عند أبي حنيفة واتباعه، وبه علم الكثير من الأحكام الشرعية عندهم. فإن حرمة الخمر لما عللت بالإسكار قيس عليه كل مسكر حرام وفساد الإسكار إنما أدرك بالعقل لا بالشرع. ودعوى أن رعايته تعالى في أحكامه للمصالح والمفاسد تفضل منه تعالى على العباد. لا تنفع الخصم لأنها لا تبطل الاستدلال لأن التفضل بما لا يحكم به العقل ولا يجعله علة لديه ليس تفضل، فهو نظير من يعلل الأشياء بإمور ليست بعلة لها حتى في الواقع.
الدليل السادس:إن العقل يحكم بذم العصيان بترك الواجب وفعل المحرم ومدح إطاعتهما.
وأجابوا عنه بأن الله تعالى أجرى عادته على جبر العبد بإيقاع الذم على ذاك والمدح على ذلك. وفيه إنه على هذا لم يكن الذم بنهي الشارع عنه ولا المدح بأمر الشارع به فلو كان بإجراء عادته تعالى على ذلك فلابد أن تكون عادته على حكم العقل بذلك كما هو المشاهد وجداناً.
إنْ قلت إن الشارع قد أمر بالإطاعة ونهى عن المعصية.
قلنا ننقل الكلام إلى طاعة هذا الأمر وهلم جرا، اللهم إلّا أن يقال إنّ الأمر بالطبيعة وهي تشمل حتى الأفراد المتولدة بعد الحكم عليها.
أدلة الأشاعرة
استدلت الأشاعرة بطريق المعارضة للأدلة المذكورة للعدلية المتقدمة بأدلة:
الدليل الأول:إن فعل العبد مما لا اختيار له فيه، وكل فعل لا اختيار للفاعل فيه لا يكون موصوفاً بالحسن والقبح العقليين. فأما الكبرى فبالاتفاق مسلمة عند الطرفين. أما عند الأشاعرة فلأنه لا مدخل للعقل في الحسن والقبح، وأما عند المعتزلة فلأن الحسن والقبح عندهم من صفات الأفعال الاختيارية. وأما الصغرى وهي أن فعل العبد ليس باختياري فلوجهين:
الوجه الأول:أنه تعالى عالم في الأزل بما يقع وبما لا يقع، وهو مما أجمع عليه المليّون فعلمه تعالى في الأزل إن تعلق بوقوع الفعل وجب وقوعه، وإن تعلق بعدمه امتنع وقوعه. فيستحيل الإنفكاك في الصورتين لأمتناع خلاف ما علمه تعالى. فكانت الأفعال أما لازمة الصدور بحيث لا يمكن التخلف عنها أو ممتنعة الصدور وما هذا حاله لا يكون اختياريا.
وقد يحرر هذا الوجه بنحو آخر فيقال: إن قدرة العبد على خلاف ما علمه تعالى معناه قدرة العبد على جعل علمه تعالى جهلًا وهو محال، فلابد أن لا تكون للعبد قدرة على ذلك، ولازمه أن العبد مضطر إلى فعل ما علمه تعالى. حكي عن الرازي إنه قال في هذا المطلب: إن العقلاء لو اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفاً واحد لما قدروا عليه إلّا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم وهو أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود ولا بالعدم إلّا أن أكثر المعتزلة يكفرون من يقول بهذا القول.
والغريب نسبة ذلك إلى هشام وهو من أجلاء علماء الكلام ومن خواص الإمام موسى الكاظم (ع)
الوجه الثاني:إن فعل العبد إن كان لازم الصدور بحيث لا يتمكن من الترك فاضطراريته واضحة، وإن لم يكن كذلك بل كان مما يجوز صدوره وعدمه، فإن لم يفتقر في صدوره إلى المرجّح بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى، وإذا تساوى الحالان بالنظر إليه كان إتفاقياً صادراً بلا سبب يقتضيه فلا يكون اختيارياً، لأن الفعل الاختياري لا بد له من إرادة جازمة ترجحه على أنه يلزم الترجيح بلا مرجح، ويلزم من ذلك انسداد باب إثبات الصانع وإنْ افتقر في صدوره إلى المرجح فمع ذلك المرجح أما أن يلزم الفعل أو لا، فإن لزم كان اضطرارياً وإن لم يلزم بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى فيكون وقوعه إتفاقياً إذ لا سبب كان معيناً لوجوده في هذا الوقت الذي وقع فيه، وإن توقف على مرجح آخر لم يكن الأول مرجحاً تاماً وهذا خلف، وأيضاً فنقل الكلام
إليه مع ذلك المرجح الآخر فأما أن ينتهي إلى الاضطرار أو الاتفاق الذي ليس بالاختيار وإن لم ينته يلزم التسلسل الباطل.
لا يقال يجوز أن تكون القادرية هي المرجحة للفعل على الترك من غير مرجح فلا يتم ما ذكرتم. لإنا نقول قولك مرجح الفعل على الترك إن كان له مفهوم زائد على كونه قادراً كان ذلك اعترافاً بأن رجحان الفاعلية إنما يصح عند انضمام هذا القيد فيرجع إلى ما تقدم، وإذا لم يكن له مفهوم زائد على ذلك مع أن القادرية متحققة في جميع الأوقات فإيجاب الأثر في بعض الأوقات دون بعض آخر من غير ترجيح ليس إلّا بالاتفاق.
إن قلت أن الإرادة تكون مرجحة.
قلنا أن الإرادة إن حصلت بدون فاعل لها ومرجح لصدورها لزم الترجيح بلا مرجح وانسد باب إثبات الصانع، وإن حصلت بمرجح آخر فهو إن كان إرادة لها من العبد فننقل الكلام إليها ويلزم التسلسل وإن كان من غير العبد كان العبد مجبوراً لأنه ما بالاختيار قد انتهى إلى ما ليس بالاختيار. وقد ذهب الأشعري إلى أن العبد مختار في فعله مضطر في إرادته ومشيئته. والواجب عن الوجهين بالنقض والحل. أما النقض فنقول: لو تم ما ذكرتم من الوجهين على اضطرارية فعل العبد لزم أن يكون فعل الواجب أيضاً اضطرارياً بهذين الوجهين:
الوجه الأول:فلأن علمه إذا تعلق في الأزل بخلق زيد في الوقت الفلاني وجب عليه ذلك وإلّا تخلف علمه وإن تعلق علمه بخلقه لا في ذلك الوقت كان ممتنع الخلق فيه وإلّا تخلف علمه وهو محال.
الوجه الثاني:فبأن نقول فعل الواجب إن كان لازم الصدور فاضطراري، وإلّا فإن لم يفتقر إلى مرجح كان اتفاقياً وإلّا افتقر إلى مرجح ونسوق الكلام إلى الآخر إن قيل كما عن الرازي فرق بين فعل العبد وبين فعل الواجب، فإن إرادة العبد لما كانت حادثة افتقرت إلى إرادة أخرى ووجب الانتهاء إلى إرادة يخلقها الله تعالى فيه بلا اختيار وبلا إرادة منه دفعاً للتسلسل في الإرادات التي يفرض صدورها عنه وإذا انتهى إلى إرادة ليست مخلوقة له كان مجبوراً. وأما الواجب تعالى فلما كانت إرادته قديمة كانت غير مفتقرة إلى إرادة أخرى للترجيح بل كانت كافية في وقوع الفعل من دون مرجح. لإنا نقول كونها قديمة لا يمنع التسلسل فإنها وإن كانت قديمة لكنها إن كانت علة تامة لحدوث الفعل من الله تعالى فقد صار الفعل موجباً غير اختياري وإن كانت غير كافية في التعلق بالمقدور الحادث بل لابد من تعلق حادث آخر يترتب عليه حدوث المقدور نقول مع هذا التعلق أما أن يجب الفعل أو لا إلى آخر الكلام، وإن أردتم أنه مع تعلق الإرادة القديمة وارتفاع الموانع لا حاجة إلى مرجح بل أن الفعل حينئذ قد يصدر تارة ولا يصدر أخرى وتساوي الحالين فيه ومع ذلك يكون الفعل اختياريا فهذا في الحقيقة يرجع إلى منع الاختيار، ويصير العمل اتفاقياً وهو جوابنا عما قلتم أيضاً وأيضاً حضور ذلك الزمان شرط في وجود الحادث فلا تكون القدرة كافية في الاقتضاء.
والحاصل إن المرجح القديم لفعل الله تعالى إن وجب الفعل به انتفى الاختيار وإلّا جاز أن يصدر معه الفعل تارة ولا يصدر أخرى فيكون اتفاقياً.
وقد أجابوا عن ذلك بإنا نختار الوجوب ولا محذور، لأن المرجح الموجب هو إرادته تعالى وهي قديمة مستندة لذاته لا تحتاج إلى إرادة أخرى بخلاف إرادة العبد فإنها حادثة فلابد أن تكون مستندة لإرادة أخرى فأما أن تتسلسل الإرادات أو تنتهي إلى إرادة من غيره تكون علة تامة لحصولها وموجبة لها فإذا كانت موجبة لزم الاضطرار للفعل.
ويمكن أن نجيبهم على ذلك بأن إرادة العبد أيضاً مستندة لنفسه وهي فاعلة لها نظير تدين النفس بالعقائد الألهية وتوطينها على المصائب الدنيوية تستند لتصورات النفس وإدراكاتها الناتجة من الحوادث والأحوال والظروف والرغبات والشهوات المتصلة بها.
سلمنا لكن أفعال الله تعالى الصادرة عن إرادته القديمة إن لم يمكن الترك معها كانت الأفعال مضطر إليها لا مختارة، وإن أمكن الترك كان الفعل والترك متساويين بالنسبة إليه تعالى فترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح، فإذا احتاج إلى مرجح ننقل الكلام إليه بعين ما ذكرتموه في أفعال العبد. سلمنا لكن هذا النحو من وقوع الأفعال هو يكون وقوعاً بالاختيار والعقل في هذا المقدار من الاختيار يحكم بالحسن والقبح.
وأما الحل في الوجه الأول فبأن نقول العلم بمنزلة المثال والحكاية بالنسبة إلى المعلوم فلا يصح أن يكون علة لوقوعه فإن نسبته إلى المعلوم كنسبة صورة الفرس المنقوشة إلى ذاتها.
والحاصل أن العلم تابع للمعلوم فلا يكون المعلوم تابع له لكن هذا لا يتم على قول من يرى أن علمه تعالى عين إرادته فإنه على هذا يكون علمه علة تامة. نعم يمكن أن يقال أن علم الله تعالى كان بوقوع العمل على سبيل الاختيار فلا يعقل أن ينقلب بالعلم إلى الاضطرار، كما أنه استراح من هذا الإشكال من يذهب إلى عدم علم الله تعالى بالجزئيات قبل وقوعها وهو لا يقبح بالله تعالى إذا كان في علمه تعالى بها ما ينافي الاختيار.
وأما في الوجه الثاني فنختار أنه يحتاج إلى مرجح ومعه لا يتمكن من الترك ويكون الفعل واجباً لكن هذا الوجوب وهذا الاضطرار لا ينافي الاختيار لأنه فعله ليس كحركة المرتعش حيث أنه بنفسه قد اختار الاضطرار نظير من ألقى بنفسه من الشاهق.
والحاصل إنه إن أردتم من الاضطرار ما لا ينافي كون مقدماته اختيارية فنمنع الكبرى وهو لزوم الجبر إذ ليس فعله كحركة المرتعش لأنه بنفسه اختار الاضطرار، وإن أردتم ما ينافيه فنمنع الصغرى وهو كون الفعل اضطراريا وندعي كونه اختيارياً ليس كحركة المرتعش.
وبالجملة إن أردتم من الاضطرار ما هو نظير حركة المرتعش بحيث ينافي الاختيار فنمنع الصغرى أي كونه اضطرارياً، وإن أردتم ما لا ينافي الاختيار فنمنع الكبرى من لزوم الجبر. وإن شئت قلت أن الاضطرار إنما يتم لو لم يكن اختياريا أما على تقدير صدور الفعل باختياره وإرادته فلا اضطرار ولا منافاة بين وجوب الفعل حالة الاختيار وإمكانه قبله فإن القدرة والداعي إذا اجتمعا وجب الفعل ولا يؤثر ذلك في إمكانه
واختياريته إذ لا يمنع الوجوب اللاحق من الإمكان السابق، لأن الاضطرار بالاختيار والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بل وجوب الفعل وامتناعه المستندان إلى اختيار العبد يحققان الاختيار، ولهذا أشتهر (أن الشيء ما لم يجب لم يوجد).
إن قلت إذا كان ما يجب عنده الفعل من الله تعالى بطل اختيار العبد.
قلنا ما يجب الفعل عنده إن أردتم به أن الله تعالى خلق للعبد الاختيار فهذا مما لا نزاع فيه وهو لا يقتضي وجوب الفعل عنده فهو خارج عما نحن فيه، وإن أردتم به تعلق قدرته تعالى واختياره بذلك الفعل من العبد فهو غير صحيح وغير مسلم، وإن أردتم أن إرادة العبد مخلوقة لله تعالى فهو غير مسلم وإنما هي مخلوقة للنفس بواسطة ما طرأ عليها من التصورات الممتزجة بما عندها من الرغبات الناتج مما أحاط بها من الأحوال والظروف.
وقد أجاب بعضهم بأن الإرادة يكون الاختيار محفوظاً معها إذ يمكن زوال مقدماتها وهو العزم والشوق بالتأمل بما يترتب على العمل من المفاسد وهكذا الترك للعمل قد تزول إرادته بالتأمل في المصالح كما هو المشاهد في العصاة إذا تابوا، فالإرادة لا تبلغ حد الاضطرار الذي يعذر به العبد وإن لم تكن باختياره.