رابعاً: أنه بهذا المعنى لم يكن بيد الشخص إسقاطه ولا نقله لأنه اعتبار شرعي بيد الشارع جعله ورفعه كسائر الأحكام الوضعية كالسببية والشرطية.
إن قلت إن اعتبار الشارع له على نحو بيد ذي الحق إسقاطه ونقله.
قلنا لازم ذلك أن يكون الحق محتاجاً إلى إسقاطه ونقله إلى دليل خاص، ولم يكن مقتضى ذاته هو ذلك، والحال أنه من المسلم عند الفقهاء حتى كاد أن يكون مجمعاً عليه أن مقتضى الحق جواز ذلك فيه كما هو الحال في الملكية. قال الآخند (ره) في فوائده القاعدة المسلمة (أن لكل ذي حق إسقاط حقه). وقد ذهب أستاذنا المحقق النائني في تقريراته إلى إن كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط أمر لا يعقل.
وقد يفسر الحق كما يظهر من صاحبالبلغةبأنه السلطنة على شيء باعتبار خاص، فحق الخيار عبارة عن السلطنة على المشتري من جهة العقد، وحق التحجير عبارة عن السلطنة على الأرض من جهة التصرف فيه.
وفيه إنا لا نتعقل هذا المعنى إلّا إذا أرجعناه لملكية تلك الجهة، مضافاً إلى إنه منافي لإطلاقاتهم الحق على العمل نفسه.
وقد أورد عليه الآخند في فوائده على ما ببالي بأن السلطنة من آثار الحق إذ الإنسان بعد ما ثبت له الحق يثبت له السلطنة، وأيضاً لا سلطنة للقاصر والمجنون مع أنه يثبت لهما بعض الحقوق ولو بالإرث.
ويمكن الجواب عنه أن المراد هنا بالسلطنة السلطنة الوضعية المساوقة للملك وهذه نفس الحق وتثبت للقاصر والمجنون كما يثبت الملك لهما.
نعم لو كان المراد بالسلطنة هو جواز التصرف كان الأمر كما ذكره (ره).
وقد يفسر الحق بنفس الملكية والعلقة الحاصلة بين العمل والمالك لا بنفس العمل المملوك، ولعله الظاهر من تفسير بعض الفقهاء حق الخيار بملكية الفسخ. وفيه ما عرفت من إطلاقات الحق على العمل نفسه، ويؤيده إطلاقه في أكثر الأخبار على العمل نفسه فلتراجع. ولعل تفسير البعض من الفقهاء لحق الخيار بذلك باعتبار أن المقصود بيان جهة الحقية في الخيار وللفقهاء كثير من هذه التفاسير هذا كله في معنى الحق وقد عرفت أنه عبارة عن العمل المملوك.
طرق إثبات الحق
أما طرق إثباته فهو أما بالدليل كأن يستفاد منه الملكية كقوله (ع): (له الخيار) أو التعبير عنه بالحق أو السلطنة. وأما بالآثار كأن يجوز إسقاطه أو نقله لذي الحق، فإن الحكم الشرعي أمره بيد الحاكم وليس للمكلف إسقاطه ونقله، نعم للمكلف أن يخرج عن موضوعه، وأما إذا شك في الحقية والحكمية فلا أصل يعيّن أحدهما ولا مجال لترتيب اثر أحدهما. نعم الأصل ينفي آثار الحق من الإسقاط والنقل لأصالة عدم النقل وعدم السقوط وعدم جواز المصالحة ونحوها عليه.
ثم أن المهم في المقام بيان جواز وقوع نفس الحق عوضاً في البيع ونحوه من المعاوضات، وجواز وقوع إسقاطه عوضاً فيه فالكلام في مقامين:
المقام الأول: جواز نقل الحق
وإثبات ذلك يتوقف على إثبات أمرين:
احدهما: مالية الحق بناء على اعتبار المالية في العوض، وعدم كفاية كونه مما يتعلق به غرض عقلائي، ولا إشكال في ثبوت المالية لبعض الحقوق كحق القصاص فإن الطبابة التي تُعّد من الأموال لأن فيها حياة النفس يكون حق القصاص مثلها إذ به تحفظ النفس عن التلف، وكذلك حق الولاية للأب والوالي إذ هو من مراتب العبودية التي تعد من الأموال وإن شئت توضيح الحال في ذلك فنقول: إن كون الشيء مالًا أما باعتبار التباني العقلائي كالعملة بالورق أو من جهة رغبة النوع فيه، ولا إشكال أن بعض الحقوق يوجد فيها الثاني فهي من هذه الجهة لا فرق بينها وبين الأعيان المملوكة فإن بعضها لها المالية المذكورة وبعضها لا مالية لها.
ثانيهما: صحة نقل الحق إلى الغير فإن الشيء لا يصلح أن يكون عوضاً إلّا إذا صح نقله للغير وإلّا لم تكن مبادلة ولا معاوضة، ولا إشكال أن مقتضى طبع الحق أن يصح نقله للغير لما عرفت من أنه عمل مملوك كسائر الأملاك فكما أن مقتضى ملكية العين جواز نقلها كذلك مقتضى ملكية العمل هو ذلك، إذ أن مقتضى جعل الإنسان مسلطاً على شيء وزمام أمره بيده هو جواز تصرفه فيه بأنواع التصرفات ومنها النقل للغير، ويؤيده ما ورد من جواز نقل حق القسم ففي خبر علي بن جعفر (سأل أخاه عن رجل له امرأتان قالت إحداهما: ليلتي ويومي لك يوماً أو شهراً أو ما كان أيجوز ذلك؟ قال(ع):إذا طابت نفسها وأشترى ذلك منها لا بأس) نعم قد يمتنع نقل بعض الحقوق لوجوه:
أولها:منع الشارع عن النقل تعبداً منعاً وضعياً، كما منع عن بيع بعض الأعيان كالخمر ونحوه، ويمكن أن يمثل لذلك بمثل حق الولاية بالنسبة لكافر فإنه لا يجوز نقله للكافر لعدم جعله تعالى للكافرين على المؤمنين سبيلا.
ثانيها:هو جعل الحق بنحو الاختصاص بعنوان خاص على نحو يكون العنوان مقوماً له لا أنه محل ومورد كحق المضاجعة، وكما في ملكية بعض المنافع بالإجارة مع اشتراط مباشرة المستأجر لها، وكما ربما يقال ذلك في ملكية الموقوف عليه للوقف فإنها مختصة بما انطبق عليه عنوان الموقوف عليه بحيث كان العنوان مقوماً له.
ثالثها:هو كون الحق متعلقاً بشخص كحق القصاص وحق رد السلام، فإنهما متعلقان بشخص الجاني وشخص المسلم عليه فإنه لا يصح نقله لخصوص من تعلق به، لأنه لو نقل إليه لزم اتحاد المسلط والمسلط عليه والمالك والمملوك عليه. بيان ذلك: أنه لو نقل حق القصاص للجاني كان يملك على نفسه إزهاق روحه، والملك على النفس باطل للزوم اتحاد المملوك والمملوك عليه، وهذا بخلاف حق التحجير فإنه لم يكن هناك شخص متعلق التحجير لو نقل إليه يلزم الاتحاد المذكور. وفيه:
أولًا: إن المعتبر في الملكية- لكونها إضافة بين المالك والمملوك- هو التغاير بين طرفي الإضافة فقط كما هو الحال في سائر الإضافات ولا يعتبر التغاير في غيرهما من متعلقات الإضافة كالمالك والمملوك عليه وهنا
طرفا الإضافة قد تغايرا لكون المالك هو الجاني والمملوك هو إزهاق نفسه.
ثانياً: ينتقض ببيع الدين على من عليه الدين لاتحاد المالك حينئذ والمملوك عليه.
والتحقيق أنه إن قلنا بأن الحق ملك صح البيع ولا مانع من الاتحاد المذكور. نعم لو قلنا بأن الحر لا يملك عمله، والبيع يشترط فيه ملكية العوض لم يصح البيع المذكور لكون إزهاق الروح من عمل نفس الجاني، وإن قلنا بان الحق سلطنة على الشخص باعتبار خاص أو على العين باعتبار خاص كانت الحقوق المتعلقة بالأشخاص لا يجوز بيعها على من عليه الحق لأنه حينئذ يكون الحق إضافة قائمة بين من له الحق ومن عليه الحق، والإضافة تستدعي التغاير بين طرفيها فإذن نقل الحق المذكور إلى من عليه الحق لا يصح لعدم المغايرة بين ذي الحق ومن عليه الحق فلا تتحقق الإضافة المذكورة.
إن قلت لا يلزم المغايرة بين طرفي الإضافة فقد قال الله تعالى حكاية عن كليمه [إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي] فجعل نفسه مملوكة له ولا تغاير بينهما.
قلنا لا إشكال إنه لم يرد الملكية الحقيقية وإلّا فهو لا يملك أخاه، ولا كلام لنا في الملكية المجازية باعتبار التجريد.
نعم يمكن أن يقال بأنه على تقدير كون الحق سلطنة وإضافة قائمة بين من له الحق ومن عليه الحق لا يلزم أن يكون التغاير خارجياً بل يجوز أن يكون اعتبارياً فيجوز نقله لمن عليه الحق ويكون التغاير اعتبارياً
إلّا أن الظاهر في مثل السلطنة ونحوها لا يكفي التغاير الاعتباري بل لابد من المغايرة الحقيقية.
رابعها: هو لزوم تحصيل الحاصل من نقل الحق لو نقل المؤمن حقه إلى مؤمن آخر له نفس الحق ولم يوجب الزيادة، وهكذا حق الشفعة لو نقل إلى المشتري، بيان ذلك أن حق الشفعة هو أخذ الحصة من المشتري ونفس المشتري هو آخذ للحصة فنقل الأخذ إليه معناه تحصيل لما هو الحاصل.
لا يقال أن المملوك هو أخذ الشريك فالمشتري يملك أخذ الشريك للحصة لا أخذه للحصة فإنه يقال: هذا في الإجارة صحيح وأما في البيع فهو يبيعه ما تحت ملكه وهو الأخذ نظير بيع حق التحجير.
خامسها: إن يكون الحق منتزعاً أو تابعاً لمجعول شرعي، كالحقوق التابعة لجعل الولاية أو كحق عدم الغيبة فإنه منتزع من حرمة الغيبة لو قلنا بإمكان انتزاع الحق من الحكم، كما قيل في انتزاع ملكية العبادات لله في باب أخذ الأجرة على الواجبات، وإنما لا يصح نقل الحق في هذه الصورة لأنه تابع لأمر بيد الشارع رفعه ووضعه لا بيده.
سادسها: إن يمنع الشارع عن المعاوضة عليها دون نقلها كما ذهب الشهيد الأول (ره) فياللمعةإلى أن حق القسم يجوز نقله لضرتها ولا يجوز المعاوضة عليه، وحينئذ فلا يجوز وقوعه عوضاً في البيع لأن لازم ذلك هو المعاوضة عليه. ويمكن المناقشة في المثال المذكور، ولا يحضرني مثال سالم عن المناقشة.
هذا كله لو علم حال الحق، وأما لو شك فإن شك في وجود المنع الشرعي فالأصل عدمه، كما لو شك في وجوده بالنسبة إلى الأعيان وإن شك في جواز نقل الحق من جهة الشك في وجود أحد الموانع الأربعة الأخر فالأصل هو عدم سبب لنقله، نعم لو أحرز القابلية العرفية لنقله بحيث يرى العرف أن الشخص محلًا للحق وأنه صالح للنقل لغيره فقد ذهب صاحبالبلغةوالسيد (ره) إلى جواز نقله وذلك لأن مقتضى قوله تعالى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]، [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ]، [والصلح خير]. ونحو ذلك هو نفوذ العقد والبيع والصلح في مورد صدق عناوينها عرفاً، والمفروض أن الشك إنما كان من جهة القابلية الشرعية للنقل لا من جهة القابلية العرفية. ثم قال السيد (ره) بما حاصله: ودعوى أن الشك يرجع إلى الشبهة المصداقية، لأن الحق المختص خارج عن العمومات بمعنى أن
العمومات المذكورة مختصة بخصوص الحق القابل للنقل فلا يجوز الرجوع إليها مع الشك في القابلية للنقل مدفوعة بمنع ذلك إذ الخارج خصوص الحقوق الثابتة كونها متقومة بعناوينها بأدلتها الخاصة ولم يخرج عنوان عام واحد. نعم يمكن انتزاع عنوان واحد عام كما في غير هذا المقام.
أقوليمكن أن ينظر لمطلبه بما ذكره الفقهاء في بقاء الموضوع في الاستصحاب، فإنهم اعتبروا بقاء الموضوع العرفي دون الشرعي من جهة صدق (لا تنقض اليقين بالشك) فالاعتبار به لا ببقاء الموضوع الشرعي. وأيضاً لا يرد عليه النقض بمثل ما إذا شك في كون العين ملكاً للبائع أو وقفاً بدعوى صحة التمسك بعمومات البيع لصدق البيع على المعاوضة عليها بالثمن حقيقة. ووجه عدم الورود هو أن عمومات البيع قد خرج
منها عنوان عام وهو الوقف. وهكذا لا يرد عليه بأن خروج الحق غير القابل للنقل من عمومات البيع ليس إلّا من جهة التخصص لا من جهة التخصيص، وذلك لأن البيع لا يصدق على مالا يقبل النقل والمبادلة، ولما كانت ملكية الحق شرعية وهي معلومة الكيفية فلا يحرز صدق عنوان البيع. ووجه عدم الورود أن ما ذكر إنما يمنع من صدق البيع عند الشرع ولا يمنع من صدقه عند العرف لو كان العرف يرى أن الحق قابلًا للنقل نظير بقاء الموضوع في الاستصحاب حرفاً بحرف. وبعد أن عرفت صحة نقل الحق والموانع من نقله وصورة الشك فيها لا بأس بالتعرض لأدلة المانعين من صحة نقل الحق مطلقاً.
أدلة المانعين من نقل الحق
الدليل الأول: ما استدل به المحقق الهمداني (ره) بما حاصله بتوضيح منا: بأنه لو فرض أن للحق مالية لكنه ليس إلّا عبارة عن نفس السلطنة الفعلية، وهذه السلطنة ليست قابلة للانتقال إلى الغير لأنها عرض قائم بذات صاحب الحق. والعرض لا ينتقل من موضوعه لأن موضوعه مقوم له فهي بمجرد تخلي موضوعها عنها تنعدم، ومن المعلوم أن انتقالها إلى الغير يستدعي تخلي موضوعها عنها إذ لا يعقل الانتقال من دون تخلي صاحبها عنها، فيكون انتقالها عن محلها محالًا، لأن لازم الانتقال تخلي صاحبها عنها، ولازم التخلي انعدامها ومع انعدامها لا يتحقق الانتقال لأن الانتقال فرع بقاء الشيء حتى ينتقل للغير. ثم أشكل (ره) على نفسه بأنه لازم ذلك أن لا ينتقل الملك لأنه عرض كالحق.