بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 261

وقد يحرر هذا الوجه بنحو آخر فيقال: إن قدرة العبد على خلاف ما علمه تعالى معناه قدرة العبد على جعل علمه تعالى جهلًا وهو محال، فلابد أن لا تكون للعبد قدرة على ذلك، ولازمه أن العبد مضطر إلى فعل ما علمه تعالى. حكي عن الرازي إنه قال في هذا المطلب: إن العقلاء لو اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفاً واحد لما قدروا عليه إلّا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم وهو أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود ولا بالعدم إلّا أن أكثر المعتزلة يكفرون من يقول بهذا القول.

والغريب نسبة ذلك إلى هشام وهو من أجلاء علماء الكلام ومن خواص الإمام موسى الكاظم (ع)

الوجه الثاني:إن فعل العبد إن كان لازم الصدور بحيث لا يتمكن من الترك فاضطراريته واضحة، وإن لم يكن كذلك بل كان مما يجوز صدوره وعدمه، فإن لم يفتقر في صدوره إلى المرجّح بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى، وإذا تساوى الحالان بالنظر إليه كان إتفاقياً صادراً بلا سبب يقتضيه فلا يكون اختيارياً، لأن الفعل الاختياري لا بد له من إرادة جازمة ترجحه على أنه يلزم الترجيح بلا مرجح، ويلزم من ذلك انسداد باب إثبات الصانع وإنْ افتقر في صدوره إلى المرجح فمع ذلك المرجح أما أن يلزم الفعل أو لا، فإن لزم كان اضطرارياً وإن لم يلزم بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى فيكون وقوعه إتفاقياً إذ لا سبب كان معيناً لوجوده في هذا الوقت الذي وقع فيه، وإن توقف على مرجح آخر لم يكن الأول مرجحاً تاماً وهذا خلف، وأيضاً فنقل الكلام‌


صفحه 262

إليه مع ذلك المرجح الآخر فأما أن ينتهي إلى الاضطرار أو الاتفاق الذي ليس بالاختيار وإن لم ينته يلزم التسلسل الباطل.

لا يقال يجوز أن تكون القادرية هي المرجحة للفعل على الترك من غير مرجح فلا يتم ما ذكرتم. لإنا نقول قولك مرجح الفعل على الترك إن كان له مفهوم زائد على كونه قادراً كان ذلك اعترافاً بأن رجحان الفاعلية إنما يصح عند انضمام هذا القيد فيرجع إلى ما تقدم، وإذا لم يكن له مفهوم زائد على ذلك مع أن القادرية متحققة في جميع الأوقات فإيجاب الأثر في بعض الأوقات دون بعض آخر من غير ترجيح ليس إلّا بالاتفاق.

إن قلت أن الإرادة تكون مرجحة.

قلنا أن الإرادة إن حصلت بدون فاعل لها ومرجح لصدورها لزم الترجيح بلا مرجح وانسد باب إثبات الصانع، وإن حصلت بمرجح آخر فهو إن كان إرادة لها من العبد فننقل الكلام إليها ويلزم التسلسل وإن كان من غير العبد كان العبد مجبوراً لأنه ما بالاختيار قد انتهى إلى ما ليس بالاختيار. وقد ذهب الأشعري إلى أن العبد مختار في فعله مضطر في إرادته ومشيئته. والواجب عن الوجهين بالنقض والحل. أما النقض فنقول: لو تم ما ذكرتم من الوجهين على اضطرارية فعل العبد لزم أن يكون فعل الواجب أيضاً اضطرارياً بهذين الوجهين:

الوجه الأول:فلأن علمه إذا تعلق في الأزل بخلق زيد في الوقت الفلاني وجب عليه ذلك وإلّا تخلف علمه وإن تعلق علمه بخلقه لا في ذلك الوقت كان ممتنع الخلق فيه وإلّا تخلف علمه وهو محال.


صفحه 263

الوجه الثاني:فبأن نقول فعل الواجب إن كان لازم الصدور فاضطراري، وإلّا فإن لم يفتقر إلى مرجح كان اتفاقياً وإلّا افتقر إلى مرجح ونسوق الكلام إلى الآخر إن قيل كما عن الرازي فرق بين فعل العبد وبين فعل الواجب، فإن إرادة العبد لما كانت حادثة افتقرت إلى إرادة أخرى ووجب الانتهاء إلى إرادة يخلقها الله تعالى فيه بلا اختيار وبلا إرادة منه دفعاً للتسلسل في الإرادات التي يفرض صدورها عنه وإذا انتهى إلى إرادة ليست مخلوقة له كان مجبوراً. وأما الواجب تعالى فلما كانت إرادته قديمة كانت غير مفتقرة إلى إرادة أخرى للترجيح بل كانت كافية في وقوع الفعل من دون مرجح. لإنا نقول كونها قديمة لا يمنع التسلسل فإنها وإن كانت قديمة لكنها إن كانت علة تامة لحدوث الفعل من الله تعالى فقد صار الفعل موجباً غير اختياري وإن كانت غير كافية في التعلق بالمقدور الحادث بل لابد من تعلق حادث آخر يترتب عليه حدوث المقدور نقول مع هذا التعلق أما أن يجب الفعل أو لا إلى آخر الكلام، وإن أردتم أنه مع تعلق الإرادة القديمة وارتفاع الموانع لا حاجة إلى مرجح بل أن الفعل حينئذ قد يصدر تارة ولا يصدر أخرى وتساوي الحالين فيه ومع ذلك يكون الفعل اختياريا فهذا في الحقيقة يرجع إلى منع الاختيار، ويصير العمل اتفاقياً وهو جوابنا عما قلتم أيضاً وأيضاً حضور ذلك الزمان شرط في وجود الحادث فلا تكون القدرة كافية في الاقتضاء.


صفحه 264

والحاصل إن المرجح القديم لفعل الله تعالى إن وجب الفعل به انتفى الاختيار وإلّا جاز أن يصدر معه الفعل تارة ولا يصدر أخرى فيكون اتفاقياً.

وقد أجابوا عن ذلك بإنا نختار الوجوب ولا محذور، لأن المرجح الموجب هو إرادته تعالى وهي قديمة مستندة لذاته لا تحتاج إلى إرادة أخرى بخلاف إرادة العبد فإنها حادثة فلابد أن تكون مستندة لإرادة أخرى فأما أن تتسلسل الإرادات أو تنتهي إلى إرادة من غيره تكون علة تامة لحصولها وموجبة لها فإذا كانت موجبة لزم الاضطرار للفعل.

ويمكن أن نجيبهم على ذلك بأن إرادة العبد أيضاً مستندة لنفسه وهي فاعلة لها نظير تدين النفس بالعقائد الألهية وتوطينها على المصائب الدنيوية تستند لتصورات النفس وإدراكاتها الناتجة من الحوادث والأحوال والظروف والرغبات والشهوات المتصلة بها.

سلمنا لكن أفعال الله تعالى الصادرة عن إرادته القديمة إن لم يمكن الترك معها كانت الأفعال مضطر إليها لا مختارة، وإن أمكن الترك كان الفعل والترك متساويين بالنسبة إليه تعالى فترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح، فإذا احتاج إلى مرجح ننقل الكلام إليه بعين ما ذكرتموه في أفعال العبد. سلمنا لكن هذا النحو من وقوع الأفعال هو يكون وقوعاً بالاختيار والعقل في هذا المقدار من الاختيار يحكم بالحسن والقبح.

وأما الحل في الوجه الأول فبأن نقول العلم بمنزلة المثال والحكاية بالنسبة إلى المعلوم فلا يصح أن يكون علة لوقوعه فإن نسبته إلى المعلوم كنسبة صورة الفرس المنقوشة إلى ذاتها.


صفحه 265

والحاصل أن العلم تابع للمعلوم فلا يكون المعلوم تابع له لكن هذا لا يتم على قول من يرى أن علمه تعالى عين إرادته فإنه على هذا يكون علمه علة تامة. نعم يمكن أن يقال أن علم الله تعالى كان بوقوع العمل على سبيل الاختيار فلا يعقل أن ينقلب بالعلم إلى الاضطرار، كما أنه استراح من هذا الإشكال من يذهب إلى عدم علم الله تعالى بالجزئيات قبل وقوعها وهو لا يقبح بالله تعالى إذا كان في علمه تعالى بها ما ينافي الاختيار.

وأما في الوجه الثاني فنختار أنه يحتاج إلى مرجح ومعه لا يتمكن من الترك ويكون الفعل واجباً لكن هذا الوجوب وهذا الاضطرار لا ينافي الاختيار لأنه فعله ليس كحركة المرتعش حيث أنه بنفسه قد اختار الاضطرار نظير من ألقى بنفسه من الشاهق.

والحاصل إنه إن أردتم من الاضطرار ما لا ينافي كون مقدماته اختيارية فنمنع الكبرى وهو لزوم الجبر إذ ليس فعله كحركة المرتعش لأنه بنفسه اختار الاضطرار، وإن أردتم ما ينافيه فنمنع الصغرى وهو كون الفعل اضطراريا وندعي كونه اختيارياً ليس كحركة المرتعش.

وبالجملة إن أردتم من الاضطرار ما هو نظير حركة المرتعش بحيث ينافي الاختيار فنمنع الصغرى أي كونه اضطرارياً، وإن أردتم ما لا ينافي الاختيار فنمنع الكبرى من لزوم الجبر. وإن شئت قلت أن الاضطرار إنما يتم لو لم يكن اختياريا أما على تقدير صدور الفعل باختياره وإرادته فلا اضطرار ولا منافاة بين وجوب الفعل حالة الاختيار وإمكانه قبله فإن القدرة والداعي إذا اجتمعا وجب الفعل ولا يؤثر ذلك في إمكانه‌


صفحه 266

واختياريته إذ لا يمنع الوجوب اللاحق من الإمكان السابق، لأن الاضطرار بالاختيار والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بل وجوب الفعل وامتناعه المستندان إلى اختيار العبد يحققان الاختيار، ولهذا أشتهر (أن الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد).

إن قلت إذا كان ما يجب عنده الفعل من الله تعالى بطل اختيار العبد.

قلنا ما يجب الفعل عنده إن أردتم به أن الله تعالى خلق للعبد الاختيار فهذا مما لا نزاع فيه وهو لا يقتضي وجوب الفعل عنده فهو خارج عما نحن فيه، وإن أردتم به تعلق قدرته تعالى واختياره بذلك الفعل من العبد فهو غير صحيح وغير مسلم، وإن أردتم أن إرادة العبد مخلوقة لله تعالى فهو غير مسلم وإنما هي مخلوقة للنفس بواسطة ما طرأ عليها من التصورات الممتزجة بما عندها من الرغبات الناتج مما أحاط بها من الأحوال والظروف.

وقد أجاب بعضهم بأن الإرادة يكون الاختيار محفوظاً معها إذ يمكن زوال مقدماتها وهو العزم والشوق بالتأمل بما يترتب على العمل من المفاسد وهكذا الترك للعمل قد تزول إرادته بالتأمل في المصالح كما هو المشاهد في العصاة إذا تابوا، فالإرادة لا تبلغ حد الاضطرار الذي يعذر به العبد وإن لم تكن باختياره.


صفحه 267

والأولى أن يقال أن الرادع النفساني بيد الإنسان فهو بعد الإرادة يمكنه أن يردع نفسه عن العمل ويمكنه أن لا يردعها، فزمام الإرادة بيده وعدم الردع أمر عدمي لا يحتاج إلى العلة التي يخرج بها عن الاختيار.

الدليل الثاني:قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] فالله سبحانه وتعالى نفى التعذيب مطلقاً قبل بعثه الرسل وإرساله، فدل ذلك على أنه لا حكم عقلياً قبل ورود السمع، لأنه لو كان التقبيح العقلي ثابتاً قبله للزم التعذيب بالإخلال لتحقق حكم العقل باستحقاق العقاب والذم بالإخلال المستلزمين للتعذيب.

وبعبارة أخرى لو كان حسن الأفعال وقبحها عقلًا لزم التعذيب لتارك الواجب وفاعل الحرام سواء جاء الشرع وبعث الرسول بذلك أم لم يجي‌ء، لأن الحسن والقبح هما اللذان يستحق عليهما الثواب والعقاب وهما حسب دعوى الخصم ثابتان بحكم العقل لا الشرع وهذا ينافي منطوق الآية.

والجواب أنه تعالى نفى عن نفسه التعذيب ولا يلزم من نفي التعذيب نفي الاستحقاق، فيجوز أن يكون استحقاق التعذيب ثابتاً قبل ورود السمع بترك الواجبات العقلية التي من تركها استحق الذم والعقاب لكنه تعالى بفضله وامتنانه التزم العفو عن ذلك واثبت وقوع التعذيب بمخالفة العقل والسمع معاً. نعم ما ذكرتم يرد على من لم يجوز العفو بترك الواجبات كما هو مذهب جماعة من المعتزلة فإنه يلزم عليهم وقوع التعذيب قبل البعثة وقد نفاه الله تعالى في الآية. سلمنا ذلك ولكن المراد بالرسول في الآية أعم من الرسول الظاهري وهو النبي (ص) والرسول الباطني وهو العقل، فقد ورد في الأخبار أن العقل رسول‌


صفحه 268

باطني فيكون معنى الآية نفي التعذيب بترك الواجب قبل بعثه عقلًا يدرك الأحكام الواجبة أو قبل بعثه نبياً يبلغها. سلمنا ذلك، لكن نقول أن المراد ما كنا معذبين بترك الشرائع التي لا سبيل إليها إلّا التوقيف بمعنى نفي التعذيب على ما لا يستقل العقل بإدراكه كصوم العيد مثلًا قبل بعثه الرسول للتوقيف عليها فاندفع ما ذكرتم من الاستدلال.

لا يقال حمل الآية على المعنيين الأخريين يخالف الظاهر.

لإنا نقول قد يتعين خلاف الظاهر إذا قام الدليل القطعي عليه، وهنا كذلك فإن دلائل الحسن والقبح العقليين قاطعة فيرتكب خلاف الظاهر لأجلها.

الدليل الثالث:قالوا لو كان حسن الأفعال وقبحها ثابتا بالعقل للزم أن يكون الواجب تعالى غير مختار في الحكم والتالي باطل بالإجماع، أما الأول فلأنه على ذلك التقدير تكون الأفعال مختلفة في أنفسها بالحسن والقبح فتختلف بحسب الأحكام فلو كان الحسن والقبح راجحاً في الفعل الخاص على الآخر كان الآخر مرجوحاً، والحكم بالمرجوح خلاف المعقول فيكون قبيحاً لا يصح من الباري وهو ظاهر وإذا كان متعيناً عليه كان غير مختار فيه.

والجواب عن ذلك بأن امتناع الإتيان بالحكم المرجوح لقيام الصارف عنه وهو القبح العقلي لا ينفي الاختيار لكونه تعالى قادراً عليه يتمكن منه، كما أن وجوب الإتيان بالحكم الراجح لقيام داعي الحسن العقلي لا ينفي الاختيار ضرورة عدم خروج الممكن بذلك عن صفة الإمكان.