الوجه الثاني:فبأن نقول فعل الواجب إن كان لازم الصدور فاضطراري، وإلّا فإن لم يفتقر إلى مرجح كان اتفاقياً وإلّا افتقر إلى مرجح ونسوق الكلام إلى الآخر إن قيل كما عن الرازي فرق بين فعل العبد وبين فعل الواجب، فإن إرادة العبد لما كانت حادثة افتقرت إلى إرادة أخرى ووجب الانتهاء إلى إرادة يخلقها الله تعالى فيه بلا اختيار وبلا إرادة منه دفعاً للتسلسل في الإرادات التي يفرض صدورها عنه وإذا انتهى إلى إرادة ليست مخلوقة له كان مجبوراً. وأما الواجب تعالى فلما كانت إرادته قديمة كانت غير مفتقرة إلى إرادة أخرى للترجيح بل كانت كافية في وقوع الفعل من دون مرجح. لإنا نقول كونها قديمة لا يمنع التسلسل فإنها وإن كانت قديمة لكنها إن كانت علة تامة لحدوث الفعل من الله تعالى فقد صار الفعل موجباً غير اختياري وإن كانت غير كافية في التعلق بالمقدور الحادث بل لابد من تعلق حادث آخر يترتب عليه حدوث المقدور نقول مع هذا التعلق أما أن يجب الفعل أو لا إلى آخر الكلام، وإن أردتم أنه مع تعلق الإرادة القديمة وارتفاع الموانع لا حاجة إلى مرجح بل أن الفعل حينئذ قد يصدر تارة ولا يصدر أخرى وتساوي الحالين فيه ومع ذلك يكون الفعل اختياريا فهذا في الحقيقة يرجع إلى منع الاختيار، ويصير العمل اتفاقياً وهو جوابنا عما قلتم أيضاً وأيضاً حضور ذلك الزمان شرط في وجود الحادث فلا تكون القدرة كافية في الاقتضاء.
والحاصل إن المرجح القديم لفعل الله تعالى إن وجب الفعل به انتفى الاختيار وإلّا جاز أن يصدر معه الفعل تارة ولا يصدر أخرى فيكون اتفاقياً.
وقد أجابوا عن ذلك بإنا نختار الوجوب ولا محذور، لأن المرجح الموجب هو إرادته تعالى وهي قديمة مستندة لذاته لا تحتاج إلى إرادة أخرى بخلاف إرادة العبد فإنها حادثة فلابد أن تكون مستندة لإرادة أخرى فأما أن تتسلسل الإرادات أو تنتهي إلى إرادة من غيره تكون علة تامة لحصولها وموجبة لها فإذا كانت موجبة لزم الاضطرار للفعل.
ويمكن أن نجيبهم على ذلك بأن إرادة العبد أيضاً مستندة لنفسه وهي فاعلة لها نظير تدين النفس بالعقائد الألهية وتوطينها على المصائب الدنيوية تستند لتصورات النفس وإدراكاتها الناتجة من الحوادث والأحوال والظروف والرغبات والشهوات المتصلة بها.
سلمنا لكن أفعال الله تعالى الصادرة عن إرادته القديمة إن لم يمكن الترك معها كانت الأفعال مضطر إليها لا مختارة، وإن أمكن الترك كان الفعل والترك متساويين بالنسبة إليه تعالى فترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح، فإذا احتاج إلى مرجح ننقل الكلام إليه بعين ما ذكرتموه في أفعال العبد. سلمنا لكن هذا النحو من وقوع الأفعال هو يكون وقوعاً بالاختيار والعقل في هذا المقدار من الاختيار يحكم بالحسن والقبح.
وأما الحل في الوجه الأول فبأن نقول العلم بمنزلة المثال والحكاية بالنسبة إلى المعلوم فلا يصح أن يكون علة لوقوعه فإن نسبته إلى المعلوم كنسبة صورة الفرس المنقوشة إلى ذاتها.
والحاصل أن العلم تابع للمعلوم فلا يكون المعلوم تابع له لكن هذا لا يتم على قول من يرى أن علمه تعالى عين إرادته فإنه على هذا يكون علمه علة تامة. نعم يمكن أن يقال أن علم الله تعالى كان بوقوع العمل على سبيل الاختيار فلا يعقل أن ينقلب بالعلم إلى الاضطرار، كما أنه استراح من هذا الإشكال من يذهب إلى عدم علم الله تعالى بالجزئيات قبل وقوعها وهو لا يقبح بالله تعالى إذا كان في علمه تعالى بها ما ينافي الاختيار.
وأما في الوجه الثاني فنختار أنه يحتاج إلى مرجح ومعه لا يتمكن من الترك ويكون الفعل واجباً لكن هذا الوجوب وهذا الاضطرار لا ينافي الاختيار لأنه فعله ليس كحركة المرتعش حيث أنه بنفسه قد اختار الاضطرار نظير من ألقى بنفسه من الشاهق.
والحاصل إنه إن أردتم من الاضطرار ما لا ينافي كون مقدماته اختيارية فنمنع الكبرى وهو لزوم الجبر إذ ليس فعله كحركة المرتعش لأنه بنفسه اختار الاضطرار، وإن أردتم ما ينافيه فنمنع الصغرى وهو كون الفعل اضطراريا وندعي كونه اختيارياً ليس كحركة المرتعش.
وبالجملة إن أردتم من الاضطرار ما هو نظير حركة المرتعش بحيث ينافي الاختيار فنمنع الصغرى أي كونه اضطرارياً، وإن أردتم ما لا ينافي الاختيار فنمنع الكبرى من لزوم الجبر. وإن شئت قلت أن الاضطرار إنما يتم لو لم يكن اختياريا أما على تقدير صدور الفعل باختياره وإرادته فلا اضطرار ولا منافاة بين وجوب الفعل حالة الاختيار وإمكانه قبله فإن القدرة والداعي إذا اجتمعا وجب الفعل ولا يؤثر ذلك في إمكانه
واختياريته إذ لا يمنع الوجوب اللاحق من الإمكان السابق، لأن الاضطرار بالاختيار والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بل وجوب الفعل وامتناعه المستندان إلى اختيار العبد يحققان الاختيار، ولهذا أشتهر (أن الشيء ما لم يجب لم يوجد).
إن قلت إذا كان ما يجب عنده الفعل من الله تعالى بطل اختيار العبد.
قلنا ما يجب الفعل عنده إن أردتم به أن الله تعالى خلق للعبد الاختيار فهذا مما لا نزاع فيه وهو لا يقتضي وجوب الفعل عنده فهو خارج عما نحن فيه، وإن أردتم به تعلق قدرته تعالى واختياره بذلك الفعل من العبد فهو غير صحيح وغير مسلم، وإن أردتم أن إرادة العبد مخلوقة لله تعالى فهو غير مسلم وإنما هي مخلوقة للنفس بواسطة ما طرأ عليها من التصورات الممتزجة بما عندها من الرغبات الناتج مما أحاط بها من الأحوال والظروف.
وقد أجاب بعضهم بأن الإرادة يكون الاختيار محفوظاً معها إذ يمكن زوال مقدماتها وهو العزم والشوق بالتأمل بما يترتب على العمل من المفاسد وهكذا الترك للعمل قد تزول إرادته بالتأمل في المصالح كما هو المشاهد في العصاة إذا تابوا، فالإرادة لا تبلغ حد الاضطرار الذي يعذر به العبد وإن لم تكن باختياره.
والأولى أن يقال أن الرادع النفساني بيد الإنسان فهو بعد الإرادة يمكنه أن يردع نفسه عن العمل ويمكنه أن لا يردعها، فزمام الإرادة بيده وعدم الردع أمر عدمي لا يحتاج إلى العلة التي يخرج بها عن الاختيار.
الدليل الثاني:قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] فالله سبحانه وتعالى نفى التعذيب مطلقاً قبل بعثه الرسل وإرساله، فدل ذلك على أنه لا حكم عقلياً قبل ورود السمع، لأنه لو كان التقبيح العقلي ثابتاً قبله للزم التعذيب بالإخلال لتحقق حكم العقل باستحقاق العقاب والذم بالإخلال المستلزمين للتعذيب.
وبعبارة أخرى لو كان حسن الأفعال وقبحها عقلًا لزم التعذيب لتارك الواجب وفاعل الحرام سواء جاء الشرع وبعث الرسول بذلك أم لم يجيء، لأن الحسن والقبح هما اللذان يستحق عليهما الثواب والعقاب وهما حسب دعوى الخصم ثابتان بحكم العقل لا الشرع وهذا ينافي منطوق الآية.
والجواب أنه تعالى نفى عن نفسه التعذيب ولا يلزم من نفي التعذيب نفي الاستحقاق، فيجوز أن يكون استحقاق التعذيب ثابتاً قبل ورود السمع بترك الواجبات العقلية التي من تركها استحق الذم والعقاب لكنه تعالى بفضله وامتنانه التزم العفو عن ذلك واثبت وقوع التعذيب بمخالفة العقل والسمع معاً. نعم ما ذكرتم يرد على من لم يجوز العفو بترك الواجبات كما هو مذهب جماعة من المعتزلة فإنه يلزم عليهم وقوع التعذيب قبل البعثة وقد نفاه الله تعالى في الآية. سلمنا ذلك ولكن المراد بالرسول في الآية أعم من الرسول الظاهري وهو النبي (ص) والرسول الباطني وهو العقل، فقد ورد في الأخبار أن العقل رسول
باطني فيكون معنى الآية نفي التعذيب بترك الواجب قبل بعثه عقلًا يدرك الأحكام الواجبة أو قبل بعثه نبياً يبلغها. سلمنا ذلك، لكن نقول أن المراد ما كنا معذبين بترك الشرائع التي لا سبيل إليها إلّا التوقيف بمعنى نفي التعذيب على ما لا يستقل العقل بإدراكه كصوم العيد مثلًا قبل بعثه الرسول للتوقيف عليها فاندفع ما ذكرتم من الاستدلال.
لا يقال حمل الآية على المعنيين الأخريين يخالف الظاهر.
لإنا نقول قد يتعين خلاف الظاهر إذا قام الدليل القطعي عليه، وهنا كذلك فإن دلائل الحسن والقبح العقليين قاطعة فيرتكب خلاف الظاهر لأجلها.
الدليل الثالث:قالوا لو كان حسن الأفعال وقبحها ثابتا بالعقل للزم أن يكون الواجب تعالى غير مختار في الحكم والتالي باطل بالإجماع، أما الأول فلأنه على ذلك التقدير تكون الأفعال مختلفة في أنفسها بالحسن والقبح فتختلف بحسب الأحكام فلو كان الحسن والقبح راجحاً في الفعل الخاص على الآخر كان الآخر مرجوحاً، والحكم بالمرجوح خلاف المعقول فيكون قبيحاً لا يصح من الباري وهو ظاهر وإذا كان متعيناً عليه كان غير مختار فيه.
والجواب عن ذلك بأن امتناع الإتيان بالحكم المرجوح لقيام الصارف عنه وهو القبح العقلي لا ينفي الاختيار لكونه تعالى قادراً عليه يتمكن منه، كما أن وجوب الإتيان بالحكم الراجح لقيام داعي الحسن العقلي لا ينفي الاختيار ضرورة عدم خروج الممكن بذلك عن صفة الإمكان.
الدليل الرابع:لو كان الحسن والقبح ثابتين للأفعال أنفسها بحكم العقل لا بطلب الشارع لم يكن تعلق الطلب بالفعل لذات الطلب نفسه والتالي باطل، بيان الملازمة أن تعلق الطلب بالفعل حينئذ موقوف على حكم العقل، وما للشيء بالذات لا يتوقف على حصول غير وأما بطلان التالي فلأن الطلب صفة ذات إضافة لا تعقل حقيقة إلّا بتعلقها بالفعل المطلوب فمتى حصل الطلب تعلق بالمطلوب بذاته ولا يتوقف على شيء آخر.
والجواب أن تعلق الطلب بالفعل نسبة بينهما متوقفة عليهما قطعاً إلّا أن الطلب لا يمكن وجوده خارجاً ولا ذهناً بدون المطلوب متعلقاً به فلذلك كان التعلق لازماً. وحينئذ نقول تعلق الطلب بالفعل لذاته إن أريد به أنه لا يتوقف على شيء مغاير للطلب فممنوع كيف وهو يتوقف على المطلوب أيضاً، وإن أريد به أنه مستلزم إياه بحيث يمتنع إنفكاكه عنه فمسلم، ولا ينافي ذلك تعلقه بالمطلوب باعتبار الحسن أو القبح فإنه على ذلك التقدير أما أن يجعل الحسن قيداً للمطلوب على أن يكون المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن من حيث هو كذلك. وحينئذ يكون من تتمة المطلوب فلا يلزم من توقف التعلق عليه محذور، وأما أن يجعل غاية للطلب ولا امتناع أيضاً لأن وجود الطلب حينئذ يتوقف عليه فضلًا عن تعلقه به لأن التعلق إنما هو قبل الوجود فإذا كان وجوده متوقفاً كان تعلقه أولى. قال بعض المحققين أن الأمور الارتباطية والإضافية فرق بين تعلقها وبين تحققها، ففي الأول لابد من وجود علتها المركبة من اجتماع أطراف الارتباط والإضافة بخلافها على الثاني فإنه بعد حصولها غير
محتاجة إلّا إلى متعلقها وما يقوله العدلية هو افتقار تحقق الطلب في الخارج إلى العلة المرجحة لا أنه بعد تحققه في الخارج يحتاج في تعلقه بالمطلوب إلى تحقق تلك العلة. ولا يهمني تحقيق الحال بعد وضوح المقال.
الدليل الخامس: إن حسن الصدق وقبح الكذب ليس بضروري، لأنه لو كان ضرورياً لما كان فرق بينه وبين سائر الضروريات إذ الضروريات لا تفاوت بينها، لكن التالي باطل لأنا نجد تفاوتا بين العلم بحسن الصدق وقبح الكذب وبين العلم بأن (الكل أعظم من الجزء) لوقوع الخلاف في الأول دون الثاني.
وجوابه إنا لا نسلم التفاوت ولو سلمناه فالضروريات تتفاوت بالجلاء والخفاء كما قُرِرَ في محله على أن المناقشة في المثال ليس من دأب المحصلين.
الدليل السادس:أن الأفعال في حد أنفسها ليست بحسنة ولا قبيحة لأنه لو كانت الأفعال في أنفسها متصفة بأحدهما لما انقلب الحسن قبيحاً والقبيح حسناً لكن التالي باطل فكذا المقدم. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان الثاني فهو لأن الكذب من جملة القبائح ويحسن إذا اشتمل على تخليص النبي أو اشتمل على الصدق كمن يقول: اني أكذب غداً، وإذا حسن الكذب في المقامين قبح الصدق فيهما بالضرورة وقد كان حسناً فانقلبا. وتوضيح الكلام أن الكذب يحسن لوجهين: