باطني فيكون معنى الآية نفي التعذيب بترك الواجب قبل بعثه عقلًا يدرك الأحكام الواجبة أو قبل بعثه نبياً يبلغها. سلمنا ذلك، لكن نقول أن المراد ما كنا معذبين بترك الشرائع التي لا سبيل إليها إلّا التوقيف بمعنى نفي التعذيب على ما لا يستقل العقل بإدراكه كصوم العيد مثلًا قبل بعثه الرسول للتوقيف عليها فاندفع ما ذكرتم من الاستدلال.
لا يقال حمل الآية على المعنيين الأخريين يخالف الظاهر.
لإنا نقول قد يتعين خلاف الظاهر إذا قام الدليل القطعي عليه، وهنا كذلك فإن دلائل الحسن والقبح العقليين قاطعة فيرتكب خلاف الظاهر لأجلها.
الدليل الثالث:قالوا لو كان حسن الأفعال وقبحها ثابتا بالعقل للزم أن يكون الواجب تعالى غير مختار في الحكم والتالي باطل بالإجماع، أما الأول فلأنه على ذلك التقدير تكون الأفعال مختلفة في أنفسها بالحسن والقبح فتختلف بحسب الأحكام فلو كان الحسن والقبح راجحاً في الفعل الخاص على الآخر كان الآخر مرجوحاً، والحكم بالمرجوح خلاف المعقول فيكون قبيحاً لا يصح من الباري وهو ظاهر وإذا كان متعيناً عليه كان غير مختار فيه.
والجواب عن ذلك بأن امتناع الإتيان بالحكم المرجوح لقيام الصارف عنه وهو القبح العقلي لا ينفي الاختيار لكونه تعالى قادراً عليه يتمكن منه، كما أن وجوب الإتيان بالحكم الراجح لقيام داعي الحسن العقلي لا ينفي الاختيار ضرورة عدم خروج الممكن بذلك عن صفة الإمكان.
الدليل الرابع:لو كان الحسن والقبح ثابتين للأفعال أنفسها بحكم العقل لا بطلب الشارع لم يكن تعلق الطلب بالفعل لذات الطلب نفسه والتالي باطل، بيان الملازمة أن تعلق الطلب بالفعل حينئذ موقوف على حكم العقل، وما للشيء بالذات لا يتوقف على حصول غير وأما بطلان التالي فلأن الطلب صفة ذات إضافة لا تعقل حقيقة إلّا بتعلقها بالفعل المطلوب فمتى حصل الطلب تعلق بالمطلوب بذاته ولا يتوقف على شيء آخر.
والجواب أن تعلق الطلب بالفعل نسبة بينهما متوقفة عليهما قطعاً إلّا أن الطلب لا يمكن وجوده خارجاً ولا ذهناً بدون المطلوب متعلقاً به فلذلك كان التعلق لازماً. وحينئذ نقول تعلق الطلب بالفعل لذاته إن أريد به أنه لا يتوقف على شيء مغاير للطلب فممنوع كيف وهو يتوقف على المطلوب أيضاً، وإن أريد به أنه مستلزم إياه بحيث يمتنع إنفكاكه عنه فمسلم، ولا ينافي ذلك تعلقه بالمطلوب باعتبار الحسن أو القبح فإنه على ذلك التقدير أما أن يجعل الحسن قيداً للمطلوب على أن يكون المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن من حيث هو كذلك. وحينئذ يكون من تتمة المطلوب فلا يلزم من توقف التعلق عليه محذور، وأما أن يجعل غاية للطلب ولا امتناع أيضاً لأن وجود الطلب حينئذ يتوقف عليه فضلًا عن تعلقه به لأن التعلق إنما هو قبل الوجود فإذا كان وجوده متوقفاً كان تعلقه أولى. قال بعض المحققين أن الأمور الارتباطية والإضافية فرق بين تعلقها وبين تحققها، ففي الأول لابد من وجود علتها المركبة من اجتماع أطراف الارتباط والإضافة بخلافها على الثاني فإنه بعد حصولها غير
محتاجة إلّا إلى متعلقها وما يقوله العدلية هو افتقار تحقق الطلب في الخارج إلى العلة المرجحة لا أنه بعد تحققه في الخارج يحتاج في تعلقه بالمطلوب إلى تحقق تلك العلة. ولا يهمني تحقيق الحال بعد وضوح المقال.
الدليل الخامس: إن حسن الصدق وقبح الكذب ليس بضروري، لأنه لو كان ضرورياً لما كان فرق بينه وبين سائر الضروريات إذ الضروريات لا تفاوت بينها، لكن التالي باطل لأنا نجد تفاوتا بين العلم بحسن الصدق وقبح الكذب وبين العلم بأن (الكل أعظم من الجزء) لوقوع الخلاف في الأول دون الثاني.
وجوابه إنا لا نسلم التفاوت ولو سلمناه فالضروريات تتفاوت بالجلاء والخفاء كما قُرِرَ في محله على أن المناقشة في المثال ليس من دأب المحصلين.
الدليل السادس:أن الأفعال في حد أنفسها ليست بحسنة ولا قبيحة لأنه لو كانت الأفعال في أنفسها متصفة بأحدهما لما انقلب الحسن قبيحاً والقبيح حسناً لكن التالي باطل فكذا المقدم. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان الثاني فهو لأن الكذب من جملة القبائح ويحسن إذا اشتمل على تخليص النبي أو اشتمل على الصدق كمن يقول: اني أكذب غداً، وإذا حسن الكذب في المقامين قبح الصدق فيهما بالضرورة وقد كان حسناً فانقلبا. وتوضيح الكلام أن الكذب يحسن لوجهين:
الوجه الأول:لكونه سبيلًا إلى تخليص النفس المعصومة كنفس النبي (ص) فإن الكذب هنا حسن لإستلزامه تخليص النبي (ص) والصدق يكون قبيحاً لاشتماله على أذاه.
الوجه الثاني:لكونه وفاءً للوعد فإذا وعد شخص شخصاً بأن يكذب غداً فإنه يحسن إنجاز ما وعد ولا يتم إلّا بالكذب فيكون الكذب حسناً والصدق هنا قبيح لاشتماله على خلف الوعد.
والجواب إنا نقول حسن التخليص لا يقتضي حسن الكذب فالإخبار المشتمل على الكذب كالإخبار بأن النبي ليس عنده. له اعتباران أحدهما كونه مخلصاً للنبي (ص) والآخر كونه كذباً وهو من حيث أنه كذب قبيح ومن حيث اشتماله على التخليص حسن فما هو قبيح أي كونه كذباً لا ينقلب حسناً وبالعكس أي وما هو حسناً وهو كونه مخلصاً للنبي لا ينقلب قبيحاً، أو نقول إذا تعارض القبيحان ارتكب العقل أقل القبحين مع الشعور بقبح الأكثر، ومنها ما صار الكذب حسناً والصدق قبيحاً بل عارضه قبح أكثر فارتكب العقل الأقل فإن ترك إنجاء النبي مع القدرة عليه قبيح عظيم وارتكاب الكذب قبيح لكن قبحه أقل بالنسبة إلى قبح ترك إنجاء النبي مع القدرة فارتكب العقل الأول مع الشعور بقبح الثاني على أنه يمكن التخليص من الكذب بالتعريض، وكذا الوعد بالكذب له أعتباران أحدهما من حيث إخراج الوعد عن الخلف والآخر كونه كذباً وهو حسن من حيث إخراج الوعد عن الكذب وقبيح من حيث هو كذب.
الدليل السابع:إن الأفعال ليست قبيحة وإلّا لما وقع التكليف بما لا يطاق إذ هو من جملتها عندهم، ويستحيل صدور القبح منه تعالى لكن
التالي باطل، لأنه تعالى كلف الكافر بالأيمان لدخولهم تحت عموم قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] مع علمه بعدم صدوره عنه، وإذا كان عالماً بعدم الوقوع امتنع وقوعه منه وإلّا لزم انقلاب علمه جهلًا، هذا مضافاً إلى أنه تعالى كلف أبا لهب بالأيمان، والأيمان تصديق الله تعالى في جميع ما أخبر به ومن جملته أنه لا يؤمن كقوله تعالى [سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] وقوله تعالى [سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ] فيكون أبو لهب مكلفاً بالأيمان وعدم الأيمان في حالة واحدة وهو جمع بين النقيضين وليس بمقدور فالتكليف بما لا يطاق واقع.
والجواب بطلان التالي، أما عن الأول منهما فلأن الأيمان بالنظر إلى قدرته ممكن دائماً قوله: علم الله تعالى بعدم صدوره منه فيمتنع. قلنا العلم غير مؤثر في القدرة كما تقدم، وأما عن الثاني منهما فنقول إخباره تعالى عن أبي لهب بأنه لا يؤمن إ نما وقع بعد موته وانقطاع تكليفه.
الدليل الثامن:إنه لو كان الحسن والقبح بالعقل لزم قيام العرض بالعرض واللازم باطل. بيان الملازمة أن الحسن صفة وجودية وكذا القبح، أما أنهما صفتان فلأن مفهومهما غير مفهوم العمل العارضين عليه، ولا يلزم من تعقل العمل وتصوره بالكنه تصورهما فليسا بذاتين للعمل العارضين عليه. وأما أنهما وجوديان فلأن نقيضيهما وهو اللاحسن واللاقبيح سلب، ونقيض السلب لابد وأن يكون أمر وجودياً. وأما أنهما عارضان على العمل وقائمان به فلأنهما يتصف بهما العمل فيقال: العمل الحسن والعمل القبيح، ولا وجه لوصف الشيء بأمر يقوم بغيره وعارض على غيره، وإذا ثبت أنهما قائمان وعارضان على العمل والعمل من العوارض الوجودية لأنه من مقولة الفعل فلزم قيام العرض
بالعرض فثبتت الملازمة. وأما بطلان اللازم وهو قيام العرض بالعرض فقد أثبته المتكلمون في مبحث الأعراض، وأهم ما استدلوا به عليه أن قيام العرض بشيء يستدعي تحيز ذلك الشيء بنفسه لأن تحيز العرض بتحيز ما يقوم به فلابد أن يكون ما يقوم به له تحيز بنفسه والعرض لا تحيز له بنفسه وبذاته فلا يعقل أن يقوم به العرض. والجواب عنه:
أولًا:بالنقض بتوصيف العمل بالحسن والقبح الشرعيين أو وصفه بالحسن والقبح بالمعاني الأخر.
وثانياً:بأن الحسن والقبح ليسا من الأمور الوجودية كالحمرة والحلاوة والحرارة بل هما من الأمور الاعتبارية كالقلة والكثرة والأمور الاعتبارية يمكن أن تكون صفة حتى للأمور المعدومة كالامتناع لشريك الباري والإمكان للعنقاء وقيامها ليس إلّا صرف انتزاعها أو اعتبارها فلا تستدعي تحيز ما قامت به في الخارج.
وثالثاً:قد أثبتنا في محله جواز قيام العرض بالعرض فإن قيام العرض بالشيء ليس إلّا كون العرض صفة له ونعتاً له، ولا يستدعي أن يكون تحيزه به كتحيز الماء بالكوز.
الأمور التي تترتب على عقلية
التحسين والتقبيح
لا يخفى أنه يترتب على عقلية التحسين والتقبيح أمور كثيرة:
أحدها:وجوب الأصلح على الله تعالى في الدنيا والدين، كما هو مذهب معتزلة بغداد، أو في الدين فقط كما هو مذهب معتزلة البصرة. والوجه في ذلك عندهم هو أن العقل يحكم بحسنه ويمدح عليه فاعله من حيث هو فاعل له ويقبح تركه ويذم تاركه من حيث هو تارك له، وهذا
معنى وجوب الشيء على الله تعالى كما تقدم لا أنه يستحق العقاب على تركه. وقد أنكر وجوبه الأشاعرة ويتفرع على قاعدة وجوب الأصلح أمور:
أولها:وجوب اللطف على الله تعالى: وهو كلما يقرّب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية لا على حد الألجاء، وهو إن كان من أفعال الله تعالى وجب على الله تعالى إيجاده وكإظهار المعاجز، وإن كان من أفعال غيره وجب على الله تعالى تكليف الغير به. ضرورة أن الحكيم إذا علم أن هذا العمل مما يقرب إلى طاعته ويبعد عن معصيته ولم يكن هناك ما يمنعه منه كان تركه نقضاً لغرضه وخلاف الأصلح له وذمه العقلاء على ذلك.
ثانيها:وجوب صدور التكليف منه تعالى لأنه الأصلح للعباد من تركهم سدى ويقع الهرج والمرج ويختل أمر الإنسان بمفرده ومجتمعه.
ثالثها:وجوب بعث الرسل لتبليغ الأحكام وإصلاح النظام وتدبير الخاص والعام.
رابعها:وجوب نصب الإمام في كل وقت وزمان إذ العلة الموجبة لبعث الرسل هي التي تقتضي نصب الإمام. وقد استوفى علماء الكلام البحث في هذه المقامات.
ومن الأمور التي تترتب على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وجوب شكر المنعم فأثبتته العدلية لتقبيح العقل لتارك شكر المنعم عليه. وأنكره الأشاعرة. وقد استوفى البحث في هذا المطلب علماء الكلام فليراجعه من أراد.
ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة هو الحكم بالبراءة من التكليف عند الشك فيه لتقبيح العقل العقاب بلا بيان. وهذا الحكم هو المسمى بأصل البراءة العقلية وبأصالة النفي وبالبراءة الأصلية. وقد استوفى الكلام في ذلك علماء الأصول (رحمهم الله).
ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة هو الحكم باشتغال الذمة عند العلم بالتكليف لحكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني من جهة تقبيحه لترك امتثال التكليف المعلوم بالإجمال. وهذا الحكم يسمى بالاحتياط وبالاشتغال.
ومن الأمور التي تترتب على القاعد المذكورة مسألة التكليف بالمحال وبما لا يطاق حيث منع منها العدلية لتقبيح العقل ذلك وأجازه الأشاعرة، وسيجيء إن شاء الله البحث فيه في اشتراط القدرة في التكليف.
ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض لأن الفعل الخالي عن الغرض عبث يقبّح العقل صدوره من الحكيم خلافاً للأشاعرة فجوّزوا ذلك على الله تعالى.
ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة أن الأفعال قبل الشرع محكومة بحكم، لأن ما كان منها يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل ينقسم إلى الأقسام الخمسة، فإن كان مشتملًا تركه على مفسدة فهو حسن يجب فعله، وما كان مشتملًا فعله على مفسدة فهو حرام، وإن اشتمل فعله على مصلحة فهو مندوب، وإن اشتمل تركه على مصلحة فمكروه، وإن لم يشتمل أحد طرفيه على مفسدة ولا مصلحة أو كانا متساويين فمباح. وأما ما لا يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل فلا يحكم فيه العقل قبل الشرع بحكم بعنوانه الخاص حيث لم يعرف فيه جهة تقتضيه. نعم