بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 273

بالعرض فثبتت الملازمة. وأما بطلان اللازم وهو قيام العرض بالعرض فقد أثبته المتكلمون في مبحث الأعراض، وأهم ما استدلوا به عليه أن قيام العرض بشي‌ء يستدعي تحيز ذلك الشي‌ء بنفسه لأن تحيز العرض بتحيز ما يقوم به فلابد أن يكون ما يقوم به له تحيز بنفسه والعرض لا تحيز له بنفسه وبذاته فلا يعقل أن يقوم به العرض. والجواب عنه:

أولًا:بالنقض بتوصيف العمل بالحسن والقبح الشرعيين أو وصفه بالحسن والقبح بالمعاني الأخر.

وثانياً:بأن الحسن والقبح ليسا من الأمور الوجودية كالحمرة والحلاوة والحرارة بل هما من الأمور الاعتبارية كالقلة والكثرة والأمور الاعتبارية يمكن أن تكون صفة حتى للأمور المعدومة كالامتناع لشريك الباري والإمكان للعنقاء وقيامها ليس إلّا صرف انتزاعها أو اعتبارها فلا تستدعي تحيز ما قامت به في الخارج.

وثالثاً:قد أثبتنا في محله جواز قيام العرض بالعرض فإن قيام العرض بالشي‌ء ليس إلّا كون العرض صفة له ونعتاً له، ولا يستدعي أن يكون تحيزه به كتحيز الماء بالكوز.

الأمور التي تترتب على عقلية

التحسين والتقبيح‌

لا يخفى أنه يترتب على عقلية التحسين والتقبيح أمور كثيرة:

أحدها:وجوب الأصلح على الله تعالى في الدنيا والدين، كما هو مذهب معتزلة بغداد، أو في الدين فقط كما هو مذهب معتزلة البصرة. والوجه في ذلك عندهم هو أن العقل يحكم بحسنه ويمدح عليه فاعله من حيث هو فاعل له ويقبح تركه ويذم تاركه من حيث هو تارك له، وهذا


صفحه 274

معنى وجوب الشي‌ء على الله تعالى كما تقدم لا أنه يستحق العقاب على تركه. وقد أنكر وجوبه الأشاعرة ويتفرع على قاعدة وجوب الأصلح أمور:

أولها:وجوب اللطف على الله تعالى: وهو كلما يقرّب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية لا على حد الألجاء، وهو إن كان من أفعال الله تعالى وجب على الله تعالى إيجاده وكإظهار المعاجز، وإن كان من أفعال غيره وجب على الله تعالى تكليف الغير به. ضرورة أن الحكيم إذا علم أن هذا العمل مما يقرب إلى طاعته ويبعد عن معصيته ولم يكن هناك ما يمنعه منه كان تركه نقضاً لغرضه وخلاف الأصلح له وذمه العقلاء على ذلك.

ثانيها:وجوب صدور التكليف منه تعالى لأنه الأصلح للعباد من تركهم سدى ويقع الهرج والمرج ويختل أمر الإنسان بمفرده ومجتمعه.

ثالثها:وجوب بعث الرسل لتبليغ الأحكام وإصلاح النظام وتدبير الخاص والعام.

رابعها:وجوب نصب الإمام في كل وقت وزمان إذ العلة الموجبة لبعث الرسل هي التي تقتضي نصب الإمام. وقد استوفى علماء الكلام البحث في هذه المقامات.

ومن الأمور التي تترتب على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وجوب شكر المنعم فأثبتته العدلية لتقبيح العقل لتارك شكر المنعم عليه. وأنكره الأشاعرة. وقد استوفى البحث في هذا المطلب علماء الكلام فليراجعه من أراد.


صفحه 275

ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة هو الحكم بالبراءة من التكليف عند الشك فيه لتقبيح العقل العقاب بلا بيان. وهذا الحكم هو المسمى بأصل البراءة العقلية وبأصالة النفي وبالبراءة الأصلية. وقد استوفى الكلام في ذلك علماء الأصول (رحمهم الله).

ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة هو الحكم باشتغال الذمة عند العلم بالتكليف لحكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني من جهة تقبيحه لترك امتثال التكليف المعلوم بالإجمال. وهذا الحكم يسمى بالاحتياط وبالاشتغال.

ومن الأمور التي تترتب على القاعد المذكورة مسألة التكليف بالمحال وبما لا يطاق حيث منع منها العدلية لتقبيح العقل ذلك وأجازه الأشاعرة، وسيجي‌ء إن شاء الله البحث فيه في اشتراط القدرة في التكليف.

ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض لأن الفعل الخالي عن الغرض عبث يقبّح العقل صدوره من الحكيم خلافاً للأشاعرة فجوّزوا ذلك على الله تعالى.

ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة أن الأفعال قبل الشرع محكومة بحكم، لأن ما كان منها يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل ينقسم إلى الأقسام الخمسة، فإن كان مشتملًا تركه على مفسدة فهو حسن يجب فعله، وما كان مشتملًا فعله على مفسدة فهو حرام، وإن اشتمل فعله على مصلحة فهو مندوب، وإن اشتمل تركه على مصلحة فمكروه، وإن لم يشتمل أحد طرفيه على مفسدة ولا مصلحة أو كانا متساويين فمباح. وأما ما لا يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل فلا يحكم فيه العقل قبل الشرع بحكم بعنوانه الخاص حيث لم يعرف فيه جهة تقتضيه. نعم‌


صفحه 276

من حيث أنه لم يدرك العقل جهة حسنه أو قبحه أعني بهذا العنوان فقيل بالحظر وقيل بالإباحة، وقيل بالتوقف. وقد تقدم منا الكلام في ذلك مفصلًا.

ومن الأمور التي تترتب على القاعدة المذكورة هو وجه عدم فعل الله تعالى للقبيح وعدم تركه للواجب، فإن الأمة قد اتفقت على ذلك، ولكن الأشاعرة جعلوا الوجه في ذلك هو أنه لا قبيح بالنسبة إليه ولا يتصور منه فعل القبيح ولا وجوب بالنسبة إليه، ولا يتصور وجوب شي‌ء عليه فيكون المقام من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

وأما المعتزلة فإنهم جعلوا الوجه في ذلك هو التحسين والتقبيح العقليين، فإن العقل يحكم بقبح صدور القبيح منه تعالى وبقبح تركه للواجب عليه تعالى، ويطلب هذا المطلب في علم الكلام.

ومن الأمور التي رتبوها على القاعدة المذكورة أستحقاق الثواب على الطاعة وأستحقاق العقاب على المعصية لقبح عدم الثواب عند الطاعة وعدم العقاب عند المعصية. ويطلب ذلك في علم الكلام.

ومن الأمور التي رتبوها على القاعدة المذكورة هو المنع من توجيه الخطاب للمعدومين، والمنع من إرادة خلاف الظاهر من الخطاب.

ومن الأمور التي رتبوها على القاعدة المذكورة هي الملازمة بين حكم العقل بلزوم العمل أو اجتنابه أو إباحته بواسطة حكمه بالحسن والقبح وبين حكم الشرع بإتيان العمل أو بتركه أو إباحته وهي القاعدة المعروفة المعبر عنها بألسنتهم بأنه (كلما حكم به العقل حكم به الشرع)


صفحه 277

وبالعكس، وإنما تكلمنا في التحسين والتقبيح العقليين في هذا المقام من جهة بيان هذه الملازمة لأنها من شؤون الأحكام الشرعية واحوالها.

ومن الأمور التي رتبوها على هذه القاعدة تكليف الصبي المميز بأصول الدين والعقائد العقلية بل والأحكام الشرعية العقلية بأجمعها، لأن الغرض أنه لديه عقل كعقل البالغ وحيث أن عقل البالغ يحكم بذلك فعقله أيضاً يكون حاكماً بذلك. وما ورد من (رفع القلم عنه) لا يشمل ذلك لأن الأحكام العقلية ليس بيد الشارع وضعها ورفعها حتى يشملها حديث الرفع نظير ما قالوه من عدم شمول (رفع ما لا يعلمون) للأحكام الشرعية العقلية. وسيجي‌ء إن شاء الله البحث مفصلًا في ذلك في اشتراط البلوغ في التكليف.


صفحه 278

حسن الأشياء وقبحها ذاتي أوبالوجوه والاعتبارات‌

ثم أن القائلين بالحسن والقبح العقليين أختلفوا في أن حسن الأشياء وقبحها الذين ثبت إدراك العقل إياهما في الجملة هل هما ذاتيان؟ بمعنى أن ذات الفعل وماهيته ونوعه القريب معروض للحسن أو القبح، من دون مدخلية لأوصاف الفعل وجوداً وعدماً في تحقق الحسن أو القبح، فالعدل مثلًا حسن والظلم قبيح بذاتهما من دون مدخلية شي‌ء من الأوصاف في تحققها نظير الزوجية الثابتة للأربعة. وهذا ما ذهب إليه المتقدمون من المعتزلة، والظاهر أنه إلى هذا يرجع من فسر الذاتي في هذا الباب بما يكفي في انتزاعه نفس ذات الشي‌ء من غير حاجة إلى ملاحظة أمر خارج عنها، كما هو الحال في لوازم الماهيات فيكون المراد بالذاتي المستعمل في هذا المقام: هو ما تقتضيه نفس الذات. وهذا القول ينسب‌


صفحه 279

للمحقق الداماد في السبع الشداد، أم هما ليس بذاتيين بل يثبتان بالأوصاف اللازمة للماهية المعبّر عن تلك الأوصاف في ألسنتهم بالأوصاف اللازمة بالحقيقة أعني الأوصاف التي تقتضيها أجزاء الماهية وطبيعتها لا الأوصاف التي تقتضيها عوارض الماهية الخارجية، فالصدق حسن لأجل مطابقة الواقع فحسنه لوصفه اللازم له وهو مطابقته للواقع، ومثله الكذب من الكلام قبيح لمخالفة الواقع. وقد ذهب إلى ذلك المتأخرون من المعتزلة، أم الحسن والقبح في الأشياء بالوجوه الاعتبارية والأوصاف الإضافية المختلفة بحسب الأزمان والأحوال. والاعتبار أعني التي تقتضيها العوارض الخارجية عن الماهية لا أجزاء الماهية أو طبيعتها كما عليه الجبائي ومتأخروا المتأخرين كحسن الصدق بواسطة نفعه وقبح الصدق بواسطة ضرره، وحسن الكذب بواسطة نفعه وقبح الكذب بواسطة ضرره، أم أن القبح يثبت لصفة لازمة تقتضيه وتوجبه والحسن يكفيه انتفاء الصفة المقبحة كما ذهب إلى ذلك أبو الحسين من متأخري المعتزلة.

فالمراد بالذاتي في كلامهم هو ما يكون بحيث يكفي في اتصاف الماهية به نفس ذاتها من غير حاجة إلى الاتصاف بصفة خارجة عنها تكون واسطة في ثبوتها كالزوجية للأربعة والإشراق للنور. وعليه فيكون الفرق بين القول الأول والثاني والثالث، إنه على القول الأول الاتصاف بالحسن والقبح لا يحتاج إلى اتصاف الماهية بصفة، وعلى الثاني يحتاج إلى اتصافها بصفة تكون واسطة في عروضهما لكنها تكون تلك الصفة لازمة للماهية كما هو القول الثاني، أو مفارقة لها كما هو القول الثالث.


صفحه 280

ثم أن القائلين بكونهما بالوجوه والاعتبارات أختلفوا فبعضهم يقولون بأنها بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل أيضاً بمعنى أن العلم والجهل أيضاً من الوجوه التي يلحق الحسن والقبح بها للأفعال فالصدق حسن إن نفع وعلمَ الصادق بنفعه، وقبيح أن أضر وعلمَ الصادق بضرره. أما لو لم يعلم بهما في المقامين لكان مباحاً كما لو لم يكن فيه نفع ولا ضرر، وبعضهم يقولون بعدم مدخلية العلم والجهل في الوجوه المغيّرة والمبدلة للحسن والقبح. فعلى القولين الأوليين وهما كونهما ذاتيين وكونهما بالأوصاف اللازمة لو اجتمع الصدق الذي هو حسن بذاته أو بوصفه اللازم وهو مطابقته للواقع مع النفع وكان نافعاً أكده لأن الصدق بذاته أو بوصفه اللازم حسن معاضد بحسن النفع، ولو أجتمع مع الضرر عارضه لأن الصدق حسن بذاته أو بوصفه اللازم والإضرار قبيح بذاته أو بوصفه اللازم فيحصل بينهما التعارض وصار من تعارض الذاتين ومرجعه الرجوع إلى المرجحات الخارجية في مقام العمل، فإن كان المرجح مع الحسن وكان الحسن أقوى أتى به، وإن كان قبحه أقوى ترك وإن تساويا كان مباحاً. وعلى القول الثالث وهو القول بكونهما بالوجوه والاعتبارات ليس الصدق بذاته ولا بوصفه اللازم حسنا ولا قبيحاً بل هو حسن إن نفع مطلقاً أو في خصوص ما إذا علم به وقبيح إن أضر مطلقاً أو في خصوص ما إذا علم به. وعلى القول الأخير فالصدق قبيح إذا أضر وحسن إن لم يضر سواء نفع أم لا، فهذه أقوال خمسة وقيل سادساً بالتوقف بين حأحد هذه الأقوال الثلاثة المتقدمة حيث يرى كل واحد منها قابلًا لكون الحسن والقبح بها، وبعد تعارض الأدلة