وأجيب عن ذلك بأن النسخ لعله من أجل تعارض الذاتين بأن نختار القول بتعدد الذات والموضوع في موارد النسخ فنقول في المثال المذكور في نكاح الأخوات: إن نكاح الأخوات قبيح بالذات في كل زمان وعصر ولكن إبقاء نسل بين نوع الإنسان حسن بالذات في كل زمان وعصر ففي مادة التعارض كما في عصر آدم حيث توقف إبقاء النسخ على نكاح الأخوات مثلًا لابد من الرجوع إلى المرجحات الخارجية وملاحظة أن أيا من الأمرين من نكاح الأخوات وترك إبقاء النسل يكون أقل قبحاً. ولا ريب أنه في عصر آدم (ع) يكون الترجيح لنكاح الأخوات لأجل إبقاء النسل، وبعد زمان لما كان إبقاء النسل لا يتوقف على نكاح الأخوات أرتفع جواز نكاح الأخوات لأن قبحه سليم عن حسن يعارضه.
الوجه الثاني:إن مثل الصدق الضار كما لو سأل الظالم رجلًا عن مظلوم فاجبره على الصدق فأخبره (أنه في الدار)، فهذا الصدق اجتمع فيه الحسن والقبح، الحسن لأجل مطابقته للواقع واستخلاص نفسه من الظالم، والقبح لأجل إضراره فلو كان الحسن والقبح ذاتيين ففي مادة الاجتماع المذكور، يلزم أن يجتمع الأمر والنهي لأنهما يستدعيان الأمر والنهي وهو باطل بالاتفاق حتى من مجوزي اجتماع الأمر والنهي، إذ هذا الاجتماع خارج عن محل نزاعهم فكلام المجوزين ثمة إنما هو فيما لو جمعهما المكلف بسوء اختياره فصلى في الدار المغصوبة بعد قوله: (صل ولا تغصب) مع تمكنه من أن يصلي في المسجد بخلاف ما نحن فيه فلا يجوز الاجتماع فيه بالاتفاق لأنه مما لا يطاق فثبت امتناع اجتماعهما، وإذا
امتنع اجتماعهما فلا يخلو الحال، أما إن يبقى الحسن مؤثراً أو القبح مؤثراً أو لا يؤثر أحدهما للأمر ولا للنهي. وعلى كل حال يلزم تخلف الأثر عن المؤثر إذ الأمر والنهي أثر الحسن والقبح وهما مؤثران للأمر والنهي فيبقى المؤثر وهو الحسن والقبح أو هما معاً بلا أثر وهو محال.
وأجيب عنه بمنع الملازمة بأن نقول أن الحسن والقبح مقتضيان للأمر والنهي فغاية ما يلزم منه تخلف المقتضِي عن المقتضَى وهو غير باطل، لعل المقتضي صادفه المانع فتخلف المقتضَى عنه لا أن الحسن والقبح علة تامة للأمر والنهي حتى يلزم تخلف الأثر عن المؤثر.
الوجه الثالث:هو وجود التخالف في الفعل الواحد، أي كون الفعل الواحد حسناً تارة وقبيحاً أخرى فإنه مما ينفي ذاتيتهما، ويسمى بدليل التخالف، وتقريره أن نقول: لو كان حسن الأفعال وقبحها لذواتها لما اختلف الفعل الواحد في الحسن والقبح بأن يكون فعل واحد حسناً تارة وقبيحاً أخرى، والتالي باطل. أما الأول فلأن الذاتي لا يزول عن الذات وإلّا لزم إنفكاك ذاتي الشيء عنه، وأما بطلان التالي فلأن الفعل قد يكون قبيحاً ثم يصير حسناً فإن الكذب قبيح لكنه قد يتضمن إنقاذ نفس عن الهلاك أو خلاص نبي فيصير حسناً.
وأجيب عنهأولًا:بالمنع من وقوع الاختلاف في شيء واحد، وإنما وقع في ماهيتين والذي وقع فيه الاختلاف داخل في مفهومهما بيان ذلك. إن الكذب النافع مثلًا من حيث أن مضمونه مخالف للواقع فماهيته تقتضي القبح ومن حيث أنه نافع فهو ماهية أخرى تقتضي الحسن فهناك ماهيتان مختلفتان.
والحاصل أن الكذب القبيح وإن كان عين الكذب الحسن بحسب الحقيقة لكنه مخالف له بحسب الماهية. وفيه المنع من كونهما ماهيتين مختلفتين إذ لا يلزم من حسن الكذب النافع أن يكون حسنه لذاته بحيث يدخل ما يقع به الاختلاف في ماهيته بل الظاهر ان حسنه عارضي.
وثانياً:بأنه لا مانع من أن يكون الشيء الواحد قبيحاً بالذات وعرض له عارض حسن بالذات، ولا مانع من أن يكون الشيء الواحد متصفاً بشيء بذاته وبنقيضه بالعرض فلا يلزم إنفكاك الذاتي نظر الجالس في السفينة فإنه ساكن بالذات متحرك بالعرض.
وفيه أن الشيء الواحد لا يجتمع فيه النقيضان فلابد من عدم أحدهما فيلزم إنفكاك الذاتي، وفيما نحن فيه كان الاتصاف حقيقياً فلابد من إنفكاك أحدهما فيلزم إنفكاك ما فرض ذاتياً وهو القبح لاتصافه بالحسن حقيقة.
وثالثا:يمنع كون ذلك الكذب حسناً وإنما هو باقٍ على قبحه وترك التخلص أشد قبحاً منه فيلزم ارتكاب أقل القبيحين تخلصاً عن ارتكاب الأقبح.
وردّ بأن الكذب حينئذ صار واجباً فيكون حسناً قطعاً، فبناء على الذاتية يلزم تخلف الذاتي عن الذات بخلاف ما لو قلنا: إن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات فإنه لا يرد علينا مثل ذلك لاختلاف الجهة فإن هذا الكذب لتضمنه تخليص النبي حسن ولكونه كذباً قبيح.
الوجه الرابع:أنهما لو كانا ذاتيين لأجتمع النقيضان في محل واحد وهو محال، بيان ذلك أن من قال: (أكذب غداً) فقوله هذا هو خبر محتمل
للصدق والكذب فلا يخلو في نفسه، أما أن يكون صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً فصدقه بوقوع متعلقه، لأن الصدق مطابقة الواقع ولا معنى لها إلّا هذا.
ووقوع متعلقه عبارة عن حصول الكذب في كلام آخر وحينئذ يكون هذا الكلام حسناً من حيث صدقه قبيحاً من حيث استلزامه القبيح لأن مستلزم القبيح قبيح وقس عليه ما لو كان كاذباً.
وبتقريب آخر أن من قال (أكذب غداً) إذا تكلم في الغد بكلام واحد فهذا الكلام الذي وقع في غد أما صادق أو كاذب وعلى التقديرين يلزم اجتماع الحسن والقبح فيه. أما لو كان كاذباً فلأنه من حيث كونه كاذباً قبيح ومن حيث كونه مستلزماً لصدق الكلام الواقع في الأمس الذي هو حسن حسن، لأن مستلزم الحسن حسن، وقس عليه طرف الصدق وهذا بخلاف ما إذا قيل أنهما شرعيان كما عليه الأشاعرة فإن التعارض بينهما يوجب إسقاط أحدهما ولا محذور فيه لأن تحققه بمجرد اعتبار الشارع وجعله وبخلاف ما تقول الجبائية من كونهما بالوجوه والاعتبارات فإن الاختلاف يكون لاختلاف الوجوه والاعتبارات فإن حسنه من جهة واعتباره من جهة أخرى.
وأجيب عنه بأنا نمنع الملازمة ونقول إن مستلزم القبيح ليس بقبيح فإن مجرد استلزام فعل لفعل آخر قبيح لا يوجب اتصافه بالقبح حقيقة ألا ترى أن ترك مقدمات عديدة يتوصل بكل منها إلى ذيها يستلزم ترك ذيها مع أن كل واحدة واحدة منها لا عقاب فيها ولا قبح.
وفيه إنه يمكن للخصم أن يدعي بأن ملازمة القبيح بنفسها قبيحة وهي صفة ملازمة للعمل فتأمل فإن للمدعي أن ينكر ذلك سلمنا، لكنه كان الاتصاف بأحدهما حقيقياً وبالآخر عرضياً باعتبار اللازم وهو جائز نظير اتصاف الجالس بالسفينة بالسكون حقيقة وبالحركة بالعرض كما هو المنقول عن البهائي.
واستدلوا على بطلان كونهما بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل في تلك الوجوه المغيرة للحكم والمبدلة للحسن والقبح بأن ذلك مستلزم للتصويب بمعنى أنه لو كان القول بكونهما بالوجوه مع مدخلية العلم والجهل صحيحاً لزم التصويب واللازم باطل باتفاق الإمامية إلّا من شذّ منهم حيث قيل بتوافقه مع المخالفين لفظاً فالملزوم مثله، بيان الملازمة أن لو كان للعلم والجهل مدخلية في تحقق الحسن والقبح لكان لله تعالى سبحانه لكل واقعة حكمان مختلفان حكم للجاهل وحكم للعالم، فيكون حكم الله متعدداً في كل واقعة وهو التصويب المخالف لما عليه المخطئة من أن الله تعالى في كل واقعة حكماً واحداً أما أن يصيبه المجتهد وأما أن يخطأ فيه.
وبعبارة أخرى لو كان للعلم والجهل مدخلية في الحسن والقبح فمقتضاه اختلاف الحكم بحسب الواقع بالنسبة إلى العالم والجاهل مثلًا الصدق النافع إذا علم المكلف بنفعه يكون حسناً واجباً مثلًا وإذا لم يعلم به فلا يخلو الحال، أما أن يكون حسناً واجباً أيضاً كما في صورة العلم فيلزم منه عدم مدخلية العلم والجهل، وأما أن لا يكون له حكم حينئذ فيلزم أن تكون الواقعة خالية عن الحكم وهو خلاف الحق، وأما
أن يكون حكمه في تلك الحالة أعني حالة عدم العلم مخالف لصورة العلم فيكون حكم الله متعدداً في واقعة واحدة بحسب العلم والجهل فيلزم اجتماع المتضادين في محل واحد مضافاً إلى أن تبعية الحسن والقبح للعلم والجهل تستلزم الدور، وذلك لأن العلم بالحسن في فعل موقوف على كونه حسناً من جهة توقف المتعِلق على المتعَلق به فإذا كان حسن الفعل موقوفاً على العلم به لزم الدور، وأيضاً ذلك مخالف لطريقة العقلاء حيث أن بناءهم على عدم مدخلية العلم والجهل في تحقق الحسن والقبح، وأنه لا يصيّر شيء من العلم والجهل الحسن قبيحاً ولا القبيح حسناً، ألا ترى أن لو طلب المولى من عبده غزالًا فخرج في أمتثال أمر مولاه فوجد أرنباً فزعم أنه الغزال الذي طلبه منه المولى فصاده وأتى به إلى المولى لزم عليه أن يذهب مرة أخرى ليصطاد غزالًا. وعليه فلا يكون علمه بأن الأرنب هو الغزال يصيّره مطلوباً للمولى وحسناً عنده، كما أن جهله بأنه الأرنب لا يرفع قبحه ومبغوضيته عند المولى غاية الأمر أن جهله رافع للعقاب لكن لا يصيّره مطلوباً للمولى وحسناً. وعليه فيحتمل أن يكون الحسن والقبح ذاتياً أو بالوصف اللازم أو كون المقامات مختلفة ففي بعضها بالذات وفي بعض آخر بالوصف اللازم وفي بعض آخر بالوجوه والاعتبارات، وذلك لعدم الدليل على بطلان شيء من تلك الاحتمالات وعلى تعيين واحد منها فلابد من التوقف في مقام الحكم عند الشك.
قال صاحب الفصول (ره) التحقيق إن من الأفعال ما يتصف بالحسن بالذات كحسن الأيمان ومن هذا الباب حسن التخلق بالأخلاق
الجميلة كالجود والشجاعة، ومنها ما يتصف بالقبح بالذات كقبح الكفر ومن هذا الباب التخلق بالأخلاق الرديئة كالبخل والجبن، ومنها ما يتصف بهما بالوجوه والاعتبارات وهو الغالب كضرب اليتيم ظلماً وتأديباً وقتل النفس ظلماً وحداً وتناول المحرمات تشهياً وتداوياً إلى غير ذلك.
وأما في مقام العمل فيرجع عند الشك حيث احتجنا إلى تعيين واحد منها إلى ظواهر خطابات الشرع، فما استظهر منها فهو المتبع مثلًا لو شككنا في حسن الصلاة أو الصوم فنقول: إن حسنها ذاتي لقوله (ع) (الصلاة خير موضوع) و (الصوم جنة من النار) فإن الظاهر منهما كون الحسن فيهما ذاتياً.
إن قلت كيف يكون الشيء ذاتياً وعرضياً.
قلنا لا مانع من ذلك فالجنس ذاتياً للماهية وعارض على الفصل، والوجوب ذاتي بالمعنى المذكور للواجب تعالى وعارض على المعلول عند وجود علته التامة والامتناع ذاتياً لشريك الباري وعارض على المعلول عند فقد أحد أجزاء علته.
ثمرة الخلاف في هذه المسألة
وقد ذكر القوم لظهور ثمرة الخلاف في هذه المسألة موارد عديدة نذكرها، ونوكل تحقيق الحال فيها لفهم القارئ.
الثمرة الأولى:في التخطئة والتصويب، فاختلف الخاصة مع العامة في أن هل لله تعالى في كل واقعة حكم واحد، أم ليس له تعالى في الواقع حكم بل إنما حكمه تابع لرأي المجتهد، فما أدى إليه نظر المجتهد فهو حكم الله تعالى وذلك قد يكون واحداً وقد يكون متعدداً كما في كثير من
المسائل؟ فذهبت الإمامية إلى الأول، والعامة إلى الثاني، فعلى القول بأن الحسن والقبح ذاتيان يكون حكم الله تعالى متحداً فيلزم القائل بأنهما ذاتيان القول بالتخطئة لأن بعدما كان الحسن والقبح ذاتيين لزم أن يكون لكل فعل حكم واحد لأن ذات الفعل أما حسن وأما قبيح، وأما لا حسن فيه ولا قبح فعلى الأول يلزم أن يأمر به ليس غير لعدم اختلاف الذات فإن ما بالذات لا يتبدل وهكذا على الثاني يكون منهياً عنه في حق الكل، وكذا على الثالث يكون مباحاً أبداً، وكذلك على القول بأنهما بالوصف اللازم، وكذلك على القول بأنهما بالوجوه والاعتبارات من دون مدخلية العلم والجهل، وكذلك على القول بأن المقامات مختلفة ففي بعضها يكون بالذات وفي بعضها بالوصف اللازم وفي بعضها بالمفارق إذا كان ذلك القائل نافياً لمدخلية العلم والجهل، وكذلك على القول بالوقف إذا لم يتوقف في بطلان كونهما بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل كما هو المختار. أما على القول بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل تكون أحكام الله تعالى في كل واقعة متعددة فيلزم هذا القائل القول بالتصويب وإن ليس له تعالى في الواقع حكم قبل حدوث رأي للمجتهد بل يحدث برأي المجتهد.
الثمرة الثانية:من ثمرات المسألة عدم جواز اجتماع الأمر والنهي على القول بأن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات سواء قلنا مع مدخلية العلم والجهل، أم عدم مدخليتهما يمتنع اجتماع الأمر والنهي إذ الصلاة طبيعتها لا حسن فيها بل هي حسنة إذا كانت في الدار المباحة وقبيحة إذا كانت في الدار المغصوبة، فإذا لم يكن فيها حسن تكون منهياً