بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 284

والحاصل أن الكذب القبيح وإن كان عين الكذب الحسن بحسب الحقيقة لكنه مخالف له بحسب الماهية. وفيه المنع من كونهما ماهيتين مختلفتين إذ لا يلزم من حسن الكذب النافع أن يكون حسنه لذاته بحيث يدخل ما يقع به الاختلاف في ماهيته بل الظاهر ان حسنه عارضي.

وثانياً:بأنه لا مانع من أن يكون الشي‌ء الواحد قبيحاً بالذات وعرض له عارض حسن بالذات، ولا مانع من أن يكون الشي‌ء الواحد متصفاً بشي‌ء بذاته وبنقيضه بالعرض فلا يلزم إنفكاك الذاتي نظر الجالس في السفينة فإنه ساكن بالذات متحرك بالعرض.

وفيه أن الشي‌ء الواحد لا يجتمع فيه النقيضان فلابد من عدم أحدهما فيلزم إنفكاك الذاتي، وفيما نحن فيه كان الاتصاف حقيقياً فلابد من إنفكاك أحدهما فيلزم إنفكاك ما فرض ذاتياً وهو القبح لاتصافه بالحسن حقيقة.

وثالثا:يمنع كون ذلك الكذب حسناً وإنما هو باقٍ على قبحه وترك التخلص أشد قبحاً منه فيلزم ارتكاب أقل القبيحين تخلصاً عن ارتكاب الأقبح.

وردّ بأن الكذب حينئذ صار واجباً فيكون حسناً قطعاً، فبناء على الذاتية يلزم تخلف الذاتي عن الذات بخلاف ما لو قلنا: إن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات فإنه لا يرد علينا مثل ذلك لاختلاف الجهة فإن هذا الكذب لتضمنه تخليص النبي حسن ولكونه كذباً قبيح.

الوجه الرابع:أنهما لو كانا ذاتيين لأجتمع النقيضان في محل واحد وهو محال، بيان ذلك أن من قال: (أكذب غداً) فقوله هذا هو خبر محتمل‌


صفحه 285

للصدق والكذب فلا يخلو في نفسه، أما أن يكون صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً فصدقه بوقوع متعلقه، لأن الصدق مطابقة الواقع ولا معنى لها إلّا هذا.

ووقوع متعلقه عبارة عن حصول الكذب في كلام آخر وحينئذ يكون هذا الكلام حسناً من حيث صدقه قبيحاً من حيث استلزامه القبيح لأن مستلزم القبيح قبيح وقس عليه ما لو كان كاذباً.

وبتقريب آخر أن من قال (أكذب غداً) إذا تكلم في الغد بكلام واحد فهذا الكلام الذي وقع في غد أما صادق أو كاذب وعلى التقديرين يلزم اجتماع الحسن والقبح فيه. أما لو كان كاذباً فلأنه من حيث كونه كاذباً قبيح ومن حيث كونه مستلزماً لصدق الكلام الواقع في الأمس الذي هو حسن حسن، لأن مستلزم الحسن حسن، وقس عليه طرف الصدق وهذا بخلاف ما إذا قيل أنهما شرعيان كما عليه الأشاعرة فإن التعارض بينهما يوجب إسقاط أحدهما ولا محذور فيه لأن تحققه بمجرد اعتبار الشارع وجعله وبخلاف ما تقول الجبائية من كونهما بالوجوه والاعتبارات فإن الاختلاف يكون لاختلاف الوجوه والاعتبارات فإن حسنه من جهة واعتباره من جهة أخرى.

وأجيب عنه بأنا نمنع الملازمة ونقول إن مستلزم القبيح ليس بقبيح فإن مجرد استلزام فعل لفعل آخر قبيح لا يوجب اتصافه بالقبح حقيقة ألا ترى أن ترك مقدمات عديدة يتوصل بكل منها إلى ذيها يستلزم ترك ذيها مع أن كل واحدة واحدة منها لا عقاب فيها ولا قبح.


صفحه 286

وفيه إنه يمكن للخصم أن يدعي بأن ملازمة القبيح بنفسها قبيحة وهي صفة ملازمة للعمل فتأمل فإن للمدعي أن ينكر ذلك سلمنا، لكنه كان الاتصاف بأحدهما حقيقياً وبالآخر عرضياً باعتبار اللازم وهو جائز نظير اتصاف الجالس بالسفينة بالسكون حقيقة وبالحركة بالعرض كما هو المنقول عن البهائي.

واستدلوا على بطلان كونهما بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل في تلك الوجوه المغيرة للحكم والمبدلة للحسن والقبح بأن ذلك مستلزم للتصويب بمعنى أنه لو كان القول بكونهما بالوجوه مع مدخلية العلم والجهل صحيحاً لزم التصويب واللازم باطل باتفاق الإمامية إلّا من شذّ منهم حيث قيل بتوافقه مع المخالفين لفظاً فالملزوم مثله، بيان الملازمة أن لو كان للعلم والجهل مدخلية في تحقق الحسن والقبح لكان لله تعالى سبحانه لكل واقعة حكمان مختلفان حكم للجاهل وحكم للعالم، فيكون حكم الله متعدداً في كل واقعة وهو التصويب المخالف لما عليه المخطئة من أن الله تعالى في كل واقعة حكماً واحداً أما أن يصيبه المجتهد وأما أن يخطأ فيه.

وبعبارة أخرى لو كان للعلم والجهل مدخلية في الحسن والقبح فمقتضاه اختلاف الحكم بحسب الواقع بالنسبة إلى العالم والجاهل مثلًا الصدق النافع إذا علم المكلف بنفعه يكون حسناً واجباً مثلًا وإذا لم يعلم به فلا يخلو الحال، أما أن يكون حسناً واجباً أيضاً كما في صورة العلم فيلزم منه عدم مدخلية العلم والجهل، وأما أن لا يكون له حكم حينئذ فيلزم أن تكون الواقعة خالية عن الحكم وهو خلاف الحق، وأما


صفحه 287

أن يكون حكمه في تلك الحالة أعني حالة عدم العلم مخالف لصورة العلم فيكون حكم الله متعدداً في واقعة واحدة بحسب العلم والجهل فيلزم اجتماع المتضادين في محل واحد مضافاً إلى أن تبعية الحسن والقبح للعلم والجهل تستلزم الدور، وذلك لأن العلم بالحسن في فعل موقوف على كونه حسناً من جهة توقف المتعِلق على المتعَلق به فإذا كان حسن الفعل موقوفاً على العلم به لزم الدور، وأيضاً ذلك مخالف لطريقة العقلاء حيث أن بناءهم على عدم مدخلية العلم والجهل في تحقق الحسن والقبح، وأنه لا يصيّر شي‌ء من العلم والجهل الحسن قبيحاً ولا القبيح حسناً، ألا ترى أن لو طلب المولى من عبده غزالًا فخرج في أمتثال أمر مولاه فوجد أرنباً فزعم أنه الغزال الذي طلبه منه المولى فصاده وأتى به إلى المولى لزم عليه أن يذهب مرة أخرى ليصطاد غزالًا. وعليه فلا يكون علمه بأن الأرنب هو الغزال يصيّره مطلوباً للمولى وحسناً عنده، كما أن جهله بأنه الأرنب لا يرفع قبحه ومبغوضيته عند المولى غاية الأمر أن جهله رافع للعقاب لكن لا يصيّره مطلوباً للمولى وحسناً. وعليه فيحتمل أن يكون الحسن والقبح ذاتياً أو بالوصف اللازم أو كون المقامات مختلفة ففي بعضها بالذات وفي بعض آخر بالوصف اللازم وفي بعض آخر بالوجوه والاعتبارات، وذلك لعدم الدليل على بطلان شي‌ء من تلك الاحتمالات وعلى تعيين واحد منها فلابد من التوقف في مقام الحكم عند الشك.

قال صاحب الفصول (ره) التحقيق إن من الأفعال ما يتصف بالحسن بالذات كحسن الأيمان ومن هذا الباب حسن التخلق بالأخلاق‌


صفحه 288

الجميلة كالجود والشجاعة، ومنها ما يتصف بالقبح بالذات كقبح الكفر ومن هذا الباب التخلق بالأخلاق الرديئة كالبخل والجبن، ومنها ما يتصف بهما بالوجوه والاعتبارات وهو الغالب كضرب اليتيم ظلماً وتأديباً وقتل النفس ظلماً وحداً وتناول المحرمات تشهياً وتداوياً إلى غير ذلك.

وأما في مقام العمل فيرجع عند الشك حيث احتجنا إلى تعيين واحد منها إلى ظواهر خطابات الشرع، فما استظهر منها فهو المتبع مثلًا لو شككنا في حسن الصلاة أو الصوم فنقول: إن حسنها ذاتي لقوله (ع) (الصلاة خير موضوع) و (الصوم جنة من النار) فإن الظاهر منهما كون الحسن فيهما ذاتياً.

إن قلت كيف يكون الشي‌ء ذاتياً وعرضياً.

قلنا لا مانع من ذلك فالجنس ذاتياً للماهية وعارض على الفصل، والوجوب ذاتي بالمعنى المذكور للواجب تعالى وعارض على المعلول عند وجود علته التامة والامتناع ذاتياً لشريك الباري وعارض على المعلول عند فقد أحد أجزاء علته.

ثمرة الخلاف في هذه المسألة

وقد ذكر القوم لظهور ثمرة الخلاف في هذه المسألة موارد عديدة نذكرها، ونوكل تحقيق الحال فيها لفهم القارئ.

الثمرة الأولى:في التخطئة والتصويب، فاختلف الخاصة مع العامة في أن هل لله تعالى في كل واقعة حكم واحد، أم ليس له تعالى في الواقع حكم بل إنما حكمه تابع لرأي المجتهد، فما أدى إليه نظر المجتهد فهو حكم الله تعالى وذلك قد يكون واحداً وقد يكون متعدداً كما في كثير من‌


صفحه 289

المسائل؟ فذهبت الإمامية إلى الأول، والعامة إلى الثاني، فعلى القول بأن الحسن والقبح ذاتيان يكون حكم الله تعالى متحداً فيلزم القائل بأنهما ذاتيان القول بالتخطئة لأن بعدما كان الحسن والقبح ذاتيين لزم أن يكون لكل فعل حكم واحد لأن ذات الفعل أما حسن وأما قبيح، وأما لا حسن فيه ولا قبح فعلى الأول يلزم أن يأمر به ليس غير لعدم اختلاف الذات فإن ما بالذات لا يتبدل وهكذا على الثاني يكون منهياً عنه في حق الكل، وكذا على الثالث يكون مباحاً أبداً، وكذلك على القول بأنهما بالوصف اللازم، وكذلك على القول بأنهما بالوجوه والاعتبارات من دون مدخلية العلم والجهل، وكذلك على القول بأن المقامات مختلفة ففي بعضها يكون بالذات وفي بعضها بالوصف اللازم وفي بعضها بالمفارق إذا كان ذلك القائل نافياً لمدخلية العلم والجهل، وكذلك على القول بالوقف إذا لم يتوقف في بطلان كونهما بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل كما هو المختار. أما على القول بالوجوه والاعتبارات مع مدخلية العلم والجهل تكون أحكام الله تعالى في كل واقعة متعددة فيلزم هذا القائل القول بالتصويب وإن ليس له تعالى في الواقع حكم قبل حدوث رأي للمجتهد بل يحدث برأي المجتهد.

الثمرة الثانية:من ثمرات المسألة عدم جواز اجتماع الأمر والنهي على القول بأن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات سواء قلنا مع مدخلية العلم والجهل، أم عدم مدخليتهما يمتنع اجتماع الأمر والنهي إذ الصلاة طبيعتها لا حسن فيها بل هي حسنة إذا كانت في الدار المباحة وقبيحة إذا كانت في الدار المغصوبة، فإذا لم يكن فيها حسن تكون منهياً


صفحه 290

عنها فقط من دون أن تكون مأموراً بها إذ على هذا الفرض يكون الحسن في طبيعة الصلاة المنتزعة من الأفراد التي هي غير واقعة في الدار المغصوبة، وعلى القول بأنهما ذاتيان أم بالوصف اللازم يمكن أن يقال بجواز الاجتماع وعدمه من تلك الجهة أي من جهة كون الحسن والقبح ذاتيين، وأما على القول بأن الموارد مختلفة ففيما علم كون أحدهما ذاتياً يمكن القول بجواز الاجتماع والامتناع من تلك الجهة وفيما علم كون أحدهما بالوجوه والاعتبارات يلزم القول بعدم جواز الاجتماع وما شك في أن الحسن فيه ذاتي حتى يمكن أم بالوجوه والاعتبارات حتى يمتنع حكم بالإمكان لأصالة الإمكان والشك في الامتناع بناء على أن كل شي‌ء شك في إمكانه وامتناعه فذره في بقعة الإمكان حتى يتبين الامتناع، وبعضهم قرأ هذه الثمرة بالعكس من ذلك فجعل لازم القول بكونهما ذاتيين أو لوصف ذاتي عدم جواز الاجتماع لكون الذات لا تتصف بهما لذاتها ولا لصفة لازمة لها، وجعل لازم القول بكونهما بالوجوه والاعتبارات وهو جواز الاجتماع إذ الذات يمكن أن تحسن من بعض الوجوه والاعتبارات ويمكن أن تقبح من بعض وجوه أخرى.

الثمرة الثالثة:من الثمرات أقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده الخاص على القول بكونهما بالوجوه والاعتبارات إذ الصلاة بعد الأمر بإزالة النجاسة فوراً لا حسن فيها بل هي حسنة إذا أوقعها المكلف في غير زمن الواجب المضيق، وقبيحة لو أوقعها فيها فتكون الصلاة حينئذ فاسدة لأنها لا حسن فيها فلا أمر بها فلا صحة فتكون باطلة لاقتضاء الأمر بالإزالة النهي عنها.


صفحه 291

وبعبارة أخرى أن الصلاة بعد الأمر بالإزالة مضيقاً فتكون الصلاة قبيحة بالفرض فإذا لم يقتضِ الأمر بالشي‌ء النهي عن الضد لزم أن تكون الصلاة مأمورة بها حينئذ، واللازم باطل فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة. أما بطلان اللازم فلأنه لو كانت الصلاة حينئذ مأمور بها لزم اجتماع الأمر والنهي في الشي‌ء الواحد الشخصي وهو باطل بالاتفاق مع أنه ممتنع عند هذا القائل مطلقاً كما عرفت في الثمرة السابقة، وعلى القول بكونهما ذاتيين يمكن أن يقال بالاقتضاء وعدمه من تلك الجهة، وعلى القول بكون الموارد مختلفة ففيما علم بالذاتية يمكن القول بالاقتضاء وعدمه وفيما علم أنه بالوجوه والاعتبارات، فلابد من القول بالاقتضاء وفيما شك في كونه بالذات أم بالوجوه، فلا يلزم القول بالاقتضاء بل يمكن القول به وبعدمه.

الثمرة الرابع:من الثمرات لزوم فساد العبادات المكروهة التي لها بدل كالصلاة في الحمام على القول بالوجوه والاعتبارات، فأنا لو جعلنا الكراهة فيها هي الكراهة المصطلحة من رجحان الترك وهي مرجوحية الفعل، فالصلاة المذكورة لا حسن فيها من حد ذاتها مع قطع النظر عن وجوهها واعتبارها من كونها في الحمام أو في غيره، بل هي حسنة عند إيقاعها في غير الحمام، وقبيحة عند إيقاعها في الحمام فتكون في الحمام مبغوضة فلو فرض حينئذ كونها صحيحة لزم أن تكون مأموراً بها ومطلوبة ولو كانت مطلوبة لزم اجتماع الأمر والنهي، والمحبوبية والمبغوضية في شي‌ء واحد شخصي وهو باطل بالاتفاق فلا تكون صحيحة وعلى القول بكونهما ذاتيين فيمكن القول بالفساد والقول‌