بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 36

الجهة الثانية: جواز إسقاط الحق.

إن الإسقاط جائز في كل حق إلّا إذا منع منه مانع، بيان ذلك: إن مقتضى طبع الحق هو كون أمره بيد ذي الحق لكونه مالكاً له كما يملك سائر الأشياء، فكما إن من ملك العين أو العمل له أن يرفع اليد عنهما. كذلك الحق لصاحبه رفع اليد عنه والإعراض عنه لما عرفت من أنه مملوك له وزمام أمره بيده. مضافاً إلى أن مقتضى قوله (ع) (الناس مسلطون على أموالهم‌) جواز الإسقاط لأنه نوع من السلطنة.

إن قلت إنا في المقام نشك في سببية (أسقطتُ) لإسقاط الحق ودليل السلطنة المذكور لا يثبت السببية لشي‌ء ألا ترى أنه لم يتمسك به أحد على سببية المعاطاة للنقل للغير. والسر في ذلك أن دليل السلطنة إنما يثبت سائر التصرفات، وأما أسبابها ما هي؟ فهو أجنبي عنها إذ إن سببية شي‌ء للتصرف وعدم سببية شي‌ء آخر له لا علاقة له بالسلطنة على التصرف المذكور.

قلنا لو سلمنا ذلك وإن انحصار السلطنة على التصرف بالشي‌ء بسبب خاص لا ينافي السلطنة المطلقة نقول إن الشك فيما نحن فيه في أصل صحة الإسقاط فهو شك في نوع من التصرف وليس لنا شك في سببيته. نعم لو كان الشك في سببيته بعد إحراز صحته في نفسه كأن نشك في أنه يشترط بالعربية أم لا، أو هل يكفي غير لفظ (أسقطتُ) أم لا؟ لم يصح التمسك بدليل السلطنة لكن كلامنا ومحل الإشكال هو أصل الإسقاط، وأنه يصح في الحق أم لا، ومن المعلوم أن مقتضى إطلاق دليل السلطنة صحته.


صفحه 37

وإن قلت أن الإسقاط إعدام للسلطنة فلا يشمله دليل السلطنة فإن دليل ثبوت الشي‌ء لا يشمل صورة عدمه.

قلنا لما كان الإسقاط من التصرفات في الشي‌ء، ودليل السلطنة يقتضي جواز سائر التصرفات كأن يقتضي جواز الإسقاط نظير قولنا (كل خبري صادق) في اقتضائه صدق كل خبر قد صدر منه حتى هذا الخبر ألا ترى أن التصرف في الأعيان بنحو البيع يشمله دليل السلطنة مع إنها تنعدم فيه.

الجهة الثالثة: عدم جواز إسقاط بعض الحقوق.

انه قد يمنع مانع من إسقاط الحق، كأن ينهي الشارع عنه نهياً وضعياً أو يكون في وضعه مراعياً حال الغير، كما يقال في حق الولاية والوصاية فإنها مرعي فيها حال المولي والموصي، بلفظ اسم الفاعل. ودعوى انه هنا حق آخر على المولى والموصى بلفظ اسم المفعول ملازم لحق الولاية والوصاية تقتضيه رعاية حال الغير لو سلمناها فهي لا تنافي ما ذكرناه من أن رعاية الغير تستدعي عدم السقوط بنفس إسقاط ذي الحق، أو يكون الحق منتزعاً من مجعول شرعي أو تابع له كحق الإمامة فإنه لا يجوز إسقاطه لأنه تابع لذلك المجعول وهو ليس بيده.

الجهة الرابعة: الشك في جواز الإسقاط.

إذا شك في جواز الإسقاط للحق كما في حق الحضانة فإذا كان الشك من جهة احتمال منع الشارع فالأصل يقتضي عدمه، وإن شك من جهة احتمال عدم قابليته للإسقاط فالاستصحاب يقتضي بقاء الحق.

الجهة الخامسة: جواز إسقاط الحق.


صفحه 38

إنه لا مانع من جعل إسقاط الحق عوضاً في البيع كما قد يجعل الإعراض عن الملك عوضاً فيه. والذي يمكن أن يكون مانعاً أمران:

أحدهما: كون الإسقاط ليس بمال. وفيه ما عرفته من عدم تسليم اعتبار المالية في العوضيين، وإنما المعتبر في العوض تعلق الغرض العقلائي به سواء أكان مالًا أم لا، مضافاً إلى دعوى كونه مالًا وأدل دليل على ذلك وجود الرغبة النوعية فيه.

ثانيهما: إن الإسقاط أمر عدمي لأنه عبارة عن رفع اليد، والأمر العدمي لا يصلح للعوضية لأنه ليس بشي‌ء حتى يكون عوضاً.

وفيه إنا لو سلمنا أنه أمر عدمي وليس يرجع إلى إرادة عدم مالية الحق لذي الحق وإن الأمر العدمي لما كان أمراً ممتازاً في الذهن وهو تحت اختيار الشخص صح جعله عوضاً كما يجعل الكلي أو الدين كذلك. وكيف يشك في جواز وقوع إسقاط الحق عوضاً؟ مع أنه نظير الإعراض‌

عن الملك وهو يقع عوضاً بلا إشكال.

مصادر الحق‌

إن المراد بمصدر الحق هو منشأ ثبوته وسبب وجوده، ولا ريب أن مصدره قد يكون الشريعة الإسلامية كحق الشفعة، وقد يكون مصدره التزام الغير به بأحد الأسباب الملزمة كاليمين، أو كونه في عقد اللازم، وقد يكون مصدره حكم العقل كحكمه بحق إطاعة الله على العباد. وأما مصادره في قوانين الدولة فيعلم مما ذكرناه في مصادر الشريعة.

أقسام الحق‌

ينقسم الحق باعتبار ما يضاف إليه إلى حق الله وهو ما يتعلق بالمصالح العامة اٍلأخروية أو الدنيوية، ويسمى في لسان القانون الدولي‌


صفحه 39

بالحق العام كالحدود ونحوها. وإلى حق العبد وهو ما يتعلق بخصومه كحق الدية. وما يكون حقاً لهما. وينقسم إلى ما يقبل الإسقاط كحق الشفعة ومالا يقبل. والأول هو الأصل في الحق إذ أنه تمليك للعمل، والتمليك قابل لرفع اليد عنه فلابد فيما لا يقبل الإسقاط كولاية الأب على الصغير من دليل خاص يدل على ذلك، أو أنه قائم بطرفين مثل إسقاط المطلٍّق حقه في عدة المطلقة لأنه حق قائم بالمطلق والمطلقة. وينقسم إلى ما يقبل الإرث وإلى مالا يقبله، والأصل هو الأول لأنه ملك للعمل والملك يورث.

هذا ما أردنا بيانه في الحق، وقد وقع الفراغ منه في اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1364 ه- على يد مؤلفه الفقير لله علي كاشف الغطاء نجل الشيخ محمد رضا نجل المرحوم الشيخ هادي ().

تقسيم الحكم إلى شرعي وعقلي‌

: الحكم إذا كان اٍلحاكم به هو الشرع فيسمى بالشرعي، وإذا كان الحاكم به العقل فيسمى بالعقلي. وكل منهما مستقل، وغير مستقل فإذا توقف حكم الشرع على حكم العقل سمي غير مستقل، وإن لم يتوقف فهو مستقل. وهكذا حكم العقل إن توقف على حكم الشرع فهو غير مستقل كحكم العقل بوجوب المقدمة المتوقعة على حكم الشرع بوجوب ذيها، وإن لم يتوقف كحكمه بوجوب رد الوديعة سمي مستقلًا. وسيجي‌ء إن شاء الله تعالى ما ينفعك في المقام.


صفحه 40

تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي‌

: الحكم سواء أكان شرعياً أم عقلياً ينقسم إلى تكليفي وإلى وضعي. فالتكليفي من العقلي: هو ما كان الحكم من العقل متعلقاً بأفعال المكلفين بنحو الاقتضاء أو التخير، وهو ينقسم إلى الأقسام الخمسة. الوجوب العقلي: وهو ما حسن فعله عند العقل وقبح تركه كرد الوديعة. والحرام العقلي: ما حسن تركه عند العقل وقبح فعله كظلم اليتيم.

والمندوب العقلي: هو ما حسن فعله عند العقل ولم يقبح تركه كإكرام الضيف. والمكروه العقلي: هو ما حسن تركه عند العقل ولم يقبح فعله. والمباح العقلي: الذي لم يحسن ولم يقبح كل من فعله وتركه.

وأما الحكم الوضعي من العقلي هو حكمه بغير ذلك كحكمه بشرطية القدرة للتكليف وصحة العمل.

وأما التكليفي من الشرعي: هو ما كان الحكم فيه من الشرع متعلقاً بأفعال المكلفين بنحو الاقتضاء أو التخيير. وهو ينقسم إلى الأقسام الخمسة الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة.

والحكم الوضعي من الشرع: هو حكمه بغير ذلك كحكمه بجزئية الركوع للصلاة ونحو ذلك. واليك تحقيق الحال في الحكم التكليفي والحكم الوضعي وما ذكرناه إنما هو حسب ما هو المتداول على ألسنة الأصوليين.


صفحه 41

تعريف الحكم التكليفي‌

التكليف:لغة مشتق من الكلفة، ويطلق مجازاً على الأفعال الصادرة عن المكلف. واصطلاحاً هو أمره تعالى لعبيده بما فيه مصلحتهم ونهيه تعالى عما فيه مفسدتهم. والمعروف في تعريفه بينهم: هو الحمل على فعل أو ترك ما فيه مشقة من واجب الطاعة ابتداء. فقولهم (الحمل) يريدون به البعث. وينحصر التكليف عندهم بالأمر والنهي، وقولهم (على فعل فيه مشقة) ليخرج بذلك مالا مشقة فيه من الأفعال، فإن التكليف لا يتحقق بدونها لأنه على ما يظهر من كلماتهم أنهم قد أبقوا فيه معنى اللغة وهو المشقة في مقام نقله من معناه اللغوي إلى هذا الاصطلاح حيث ذكر غير واحد منهم أن التكليف لا يتعلق بالمستلذات الشهوية.

إن قلت ورد التكليف بما ليس بمشقة كالأكل من الهدي ونكاح الحليلة وكالتسبيحة الواحدة.

قلت: يريدون بالمشق ما يستلزم جنسه مشقة ولا اعتبار بالأشخاص، والتكليف من حيث جنسه مشقة وإن كان باعتبار أشخاصه قد يقع فيها ما ليس كذلك، أو نقول إن هذه الأفعال إذا لم يلاحظ فيها الطبيعة بل إنما فعلت بملاحظة الأمر تحققت المشقة بفعلها خصوصاً إذا روعي فيها تحقيق الإخلاص الواجب في جميع الطاعات فإن تحققه فيها في غاية الصعوبة لكونها أفعالًا ملائمة للطبع. وأما استلذاذ أهل الله المقبلين على أوامره غاية الإقبال بخدمة معبودهم، وكون ذلك لا ينافي طباعهم فطور وراء طور التكليف.

وقولهم من (الواجب الطاعة) تحقيق لمعنى التكليف إذ حمل من لا يجب إطاعته غير معتبر فلا يكون تكليفاً.


صفحه 42

وقولهم (ابتداء) هو منصوب على المصدرية من الحمل أي حملًا ابتداء أو من واجب الطاعة أي واجب الإطاعة وجوباً ابتداء ليخرج بذلك من وجب طاعته لا كذلك، كطاعة النبي والإمام والوالد والسيد والزوج فإنه لا يسمى تكليفاً وإن وجب طاعتهم إذ وجوبها ليس على سبيل الابتداء لتفرعها وتبعيتها لطاعة الحق عز وجل إذ لولا إيجابه إياها لما تحقق الوجوب فيها، ولهذا كان الصبي المميز غير مكلف وإن كان مخاطباً في شأنه الولي كما قرر في موضعه.

إن قلت على هذا لا يصدق التكليف على الإباحة، لأنها لم يكن فيها بعث ولا حمل على ما فيه المشقة مع أنها تعد من التكاليف، فيقال التكاليف الخمسة الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وقد عبر عنها في تعريف الحكم المتقدم بالتخيير.

قلنا لا نسلم إطلاق التكليف عليها اصطلاحاً على سبيل الحقيقة، وإنما من باب التغليب كما يقال للشمس والقمر القمرين، والتعبير المشهور هو أن يقال الأحكام الخمسة لا التكاليف الخمسة، وإذا صدر إطلاق التكليف عليها فهو من الإلحاق لها بالتكاليف الأربعة من قبيل إلحاق الضد بضده والمقابل لمقابله في التسمية كما يقال الأسودان لليل والنهار.

وعلى هذا قسموا الأحكام التكليفية إلى خمسة، ونحن جريا على ذلك قسمناها إلى الخمسة وشرحناها شرحاً وافياً إليك بيانه.

تقسيم الحكم التكليفي‌

قسم الاصوليون الحكم التكليفي إلى الأحكام الخمسة الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.


صفحه 43

أما الوجوب، فلغة هو الثبوت، ومنه قوله (ع): (وجبت له الجنة) أي ثبتت، والسقوط ومنه قوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] أي سقطت.

وفي عرف الفقهاء طلب الفعل مع المنع من الترك، فهو مرتبة من الطلب شديدة لا يرضى الآمر معها بالترك. وهو على أقسام:

القسم الأول: الفرض القطعي ويسمى بالواجب القطعي: وهو ما ثبت بدليل قطعي السند والدلالة، وهو قد يكون ضروري الدين كوجوب الصلاة ويكون إنكاره بلا عذر من الكفر، وقد يكون ضروري المذهب كحلية المتعة عند الشيعة.

القسم الثاني: الفرض العملي والواجب العملي: وهو ما ثبت وجوبه بدليل ظني الدلالة أو السند أو كليهما. ثم أنه لا إشكال في مرادفة الوجوب عند الفقهاء للزوم والحتم، ولكن وقع الخلاف فيما بينهم في مرادفة الفرض للوجوب على أقوال: فبعضهم ذهب إلى أنهما مترادفان كالإنسان والبشر وهو المحكي عن‌النهاية والتهذيب والمبادئ وشرحه والمنية.

والتحقيق أن يقال: إن الفرض يطلق في اللغة بمعنى التقدير كقولهم (إذا فرض هذا الشي‌ء)، وقد يطلق بمعنى الإنزال كقوله تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ‌]، وقد يطلق بمعنى الحل.

وأما في الشرع فلا فرق بين الفرض والوجوب إن استعمل بمعنى المصدر، وإن استعمل بمعنى المفروض فلا فرق بينه وبين الواجب عند أصحابنا، بل هو المنسوب للجمهور ولكن الحنفية خالفوا في ذلك فخصّوا الفرض بما علم بدليل قطعي، والواجب بما علم بدليل ظني‌