أما الوجوب، فلغة هو الثبوت، ومنه قوله (ع): (وجبت له الجنة) أي ثبتت، والسقوط ومنه قوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] أي سقطت.
وفي عرف الفقهاء طلب الفعل مع المنع من الترك، فهو مرتبة من الطلب شديدة لا يرضى الآمر معها بالترك. وهو على أقسام:
القسم الأول: الفرض القطعي ويسمى بالواجب القطعي: وهو ما ثبت بدليل قطعي السند والدلالة، وهو قد يكون ضروري الدين كوجوب الصلاة ويكون إنكاره بلا عذر من الكفر، وقد يكون ضروري المذهب كحلية المتعة عند الشيعة.
القسم الثاني: الفرض العملي والواجب العملي: وهو ما ثبت وجوبه بدليل ظني الدلالة أو السند أو كليهما. ثم أنه لا إشكال في مرادفة الوجوب عند الفقهاء للزوم والحتم، ولكن وقع الخلاف فيما بينهم في مرادفة الفرض للوجوب على أقوال: فبعضهم ذهب إلى أنهما مترادفان كالإنسان والبشر وهو المحكي عنالنهاية والتهذيب والمبادئ وشرحه والمنية.
والتحقيق أن يقال: إن الفرض يطلق في اللغة بمعنى التقدير كقولهم (إذا فرض هذا الشيء)، وقد يطلق بمعنى الإنزال كقوله تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ]، وقد يطلق بمعنى الحل.
وأما في الشرع فلا فرق بين الفرض والوجوب إن استعمل بمعنى المصدر، وإن استعمل بمعنى المفروض فلا فرق بينه وبين الواجب عند أصحابنا، بل هو المنسوب للجمهور ولكن الحنفية خالفوا في ذلك فخصّوا الفرض بما علم بدليل قطعي، والواجب بما علم بدليل ظني
مستدلين على ذلك بأن الفرض لغة التقدير، قال الله تعالى [فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ] أي قدرتم. والوجوب السقوط لقوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] أي سقطت، فالفرض ما علم فيه الوجوب بدليل قطعي لأنه هو الذي علم فيه منه تعالى (أنه قدّره علينا). وأما الذي عرف وجوبه بدليل ظني فإنه ساقط عنا ولا نعلم أن الله قدره علينا لا نسميه فرضاً لعدم علمنا بأنه تعالى قدره علينا.
وقد أجابوا عن هذه الحجة بأن الفرض لغة التقدير سواء أكان طريق معرفة تقديره علماً أو ظناً، كما أن الواجب هو الساقط مطلقاً سواء أكان طريق معرفته العلم أم الظن، وكما إن اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها وكذا طرق الحرام، فكذا طرق الواجب مع
أنه تعالى قد أطلق الفرض على الواجب في قوله تعالى [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ] أي أوجب. والإجماع واقع على أنه يقال لمن أدىّ الصلاة مختلفاً فيها أنه قد أدى فرض الله تعالى بدون تكلف وتجّوز وهو علامة الحقيقة، وذكر بعض الأجلة أن الفرض الذي يجب إعادة الصلاة بتركه عمداً أو نسياناً، هو ما يثبت وجوبه بالكتاب العزيز، وأما ما ثبت بالسنة فهو واجب لا تبطل الصلاة بتركه سهواً، وبذلك صرح الأصحاب وإليه يشير صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، وقال أيضاً: ويدل على المشهور ما رواه الكليني من الكافي من الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: إن الله تعالى (فرض الركوع والسجود والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شيء عليه) ورواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما عليهما الصلاة والسلام، وفي الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (لا تعاد الصلاة إلّا
من خمس الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة) وحيث أن النزاع في ذلك لا فائدة فيه، وإنما ذكرناه للإشارة إلى وقوع مثل ذلك بين العلماء فلذا لا يهمنا تحقيق الحق فيه كما لم يهم غيرنا. وقد قسم القوم الوجوب إلى تقسيمات كثيرة منها:
الوجوب التخييري والوجوب التعييني
الوجوب التخييري: وهو ما كان المطلوب فيه أكثر من فعل واحد على سبيل منع الخلو، كوجوب خصال الكفارة.
والوجوب التعييني: وهو ما كان المطلوب فيه أمر واحد، وهذا أمر متسالم عليه بينهم، وإنما الإشكال في أن الواجب في الوجوب التخييري:
أولا: هو كل واحد تعييناً ويسقط بفعل واحد منهما.
ثانيا: أو أحدهما المعين عند الآمر، ويسقط بما أتى به العبد إن أختار غيره.
ثالثا: أو خصوص ما يأتي به في علم الله تعالى.
رابعا: أو أحد الأفراد مفهوما.
خامسا: أو مصداقا.
سادسا: وإن الاختلاف بين الواجب التعييني والواجب التخييري باختلاف سنخ الوجوب برجوع التخييري إلى واجبات مشروطه كل منها بعدم الإتيان بالآخر.
سابعا: أو بتقييد متعلق كل وجوب بعدم الآخر.
ثامنها: أو أنه سنخ من الوجوب مشروط بجواز الترك في الجملة، فيكون الطلب المتعلق بكل منها بدلًا من المتعلق بالآخر على تفصيل يأتي، هذه وجوه جملة منها أقوال أقواها الأخير إذ في:
الأول: أنه لا وجه لسقوط غير المأتي به مع تعلق الغرض به إلّا أن يرجع إلى ما سنذكره بعد في المختار، وأما مجرد كون الإتيان بواجب مزيلًا لمصلحة الآخر ومانعاً عن إيفاء ما في الآخر من الغرض وإن كان ممكنا إلّا أنه لا وجه للأمر به حينئذ مع الأمر بالآخر، ولعل هذا القائل يريد ما نختاره كما ستسمعه إن شاء الله تعالى.
الثاني: تكليف بالمجهول وهو إن لم يكن منجّزاً ويسقط بأحد الإبدال فلا يكون محالًا إلّا أنه لغو محض مع أن إسقاط المأتي به إياه نظير إسقاط الحكم الظاهري للحكم الواقعي كرّ على ما فرّ منه لأنه يتوجه السؤال حينئذ عن متعلق الأمر البدلي أي الذي تعلق بالبدل فأسقط الأمر الواقعي إذ الإسقاط بلا أمر لا وجه له مع إن الأمر الموجود إن كان أمراً بالمسقط فمن أين عُلِمَ الأمر بأحد معين؟ وإن كان أمراً بالمعين فمع كونه خلاف النص منه فمن أين يعلم سقوطه بالمردد؟ وإثبات ذلك بالإجماع في كل مقام خلاف المعلوم، إذ من الواضح استفادة عدم وجوب الجميع من نفس الدليل المزبور، مع أن ما ذكر من أن الواجب ما يختاره في علم الله تعالى لا يتأتى في غير أمره تعالى لعدم علمه بما يأتي به المأمور.
ودعوى كون الواجب خصوص أحدهما المعين عند الآمر خلاف المعلوم من الأمر المزبور.
الثالث:مشترك مع الثاني في جملة مما زبر إن أريد تعلق التكليف بذات ما يختاره، وإن أريد تعلقه به بعنوان ما يختاره في مقام الامتثال يقع في المحذور الأشد وهو اعتبار الأمر في متعلقه.
الرابع:يوجب قلب التخيير عقلياً، فلا يجوز التعبد بخصوص ما يختاره إلّا بعنوان أنه مصداق أحد الأفراد، وهو خلاف المقطوع مما كان من قبيل التخيير الشرعي، وعدم الفرق بينهما إلّا باعتبار خلاف المعلوم، ويظهر وجه مما ذكرنا في بحث تعلق الأمر بالطبائع.
الخامس:مستلزم لعدم حصول الامتثال إذ لا يؤتي في الخارج إلّا بالمعين.
السادس: يعني إرجاعه إلى واجبات مشروطة يوجب عدم تنجز التكليف بشيء إلّا بعد مضي وقته لو جعل الشرط الترك الخارجي، ولو جعل العنوان الانتزاعي يعني كون العبد ممن يترك يستلزم عدم جواز التخيير بين ضدين لهما ثالث، لاستلزامه الأمر بالضدين إذ كان ممن لا يأتي بشيء منهما لحصول شرط الأمر بكل منهما، بل ولعدم تنجز التكليف بشيء منهما إن أتى بهما دفعة لعدم حصول شرط شيء منهما، واعتبار الترك إلى زمان الإتيان بأحدهما أيضاً مستلزم لمحذور الأمر بالضدين قبل التشاغل بشيء منهما.
ودعوى عدم استحالة الأمر بالضدين قد حققنا فسادها في محله بل ولاستلزامه الدور المحال أن اعتبر الترك المعتبر شرطاً ترك الامتثال كما هو الظاهر، للزوم اعتبار كل من الأمرين في مقدمات حصول الآخر.
السابع:مستلزم لاجتماع الأمر والنهي في كل من الأطراف لكون عدم كل قيد لمتعلق الآخر.
ودعوى اعتبار القيد على وجه لا يسري إليه الطلب عرفت فسادها فيما تقدم.
الثامن:وهو المختار وتوضيحه: أن الطلب متعلق بكل واحد بدلًا بأن يكون هناك طلبات وأوامر متعددة بحسب تعدد الأطراف إلّا أن تعلق الإرادة بكل واحد بدل عن تعلقه بالآخر أي بمناط تعلقه بالآخر، يعني أن الأمر بكل واحد له مناط يفي به الآخر، فإذا أتى العبد بواحد منها سقط الكل وإذا أتى بالجميع حصل الامتثال بالجميع، فيكون هذا في الشرعيات نظير التخيير العقلي في امتثال الأمر بالكلي، وهذا معنى ما ينقل عن المشهور من وجوب كل بالوجوب التخييري البدلي.
وأيضاً لا إشكال في إمكان تعلق الغرض أحياناً بأفراد كذلك فيجب صحة الأمر بها كذلك، وقد عرفت انحصار طريقه فيما ذكر لما عرفت من فساد الوجوه المتقدمة بعدم مطابقتها للغرض أو استلزامه الخلف ونقيضه.
وبالجملة على ما ذكرنا تكون نسبة متعلقات الأوامر في التخيير الشرعي إلى مناط الأمر وعلته نسبة أفراد الكلي المأتي بها في مقام الامتثال إلى متعلق الأمر.
ودعوى أنه لو كان الغرض في الجميع أمراً واحداً رجع إلى التخيير العقلي، وكان متعلق الأمر هو الجامع لعدم إمكان تأثير المتباينات في واحد، ولا يكون من التخيير الشرعي إلّا إذا كان هنا أغراض متعددة
متعلقه بكل واحد من الأفراد لا يحصل شيء منها مع حصول الآخر، مدفوعة بأنه لا يجب حينئذ أن يتعلق الأمر بذلك الجامع كي يكون التخيير عقلياً بل يصلح تعلقه بالأفراد لكونها محققة للغرض المتعلق بذلك الجامع.
نعم في الأحكام العقلية لابد من أن يتعلق الحكم الفعلي بالمناط الذي يدرك حسنه، ولا يتعلق حكمه بما يحصّل ذلك المناط من المصاديق أو اللوازم أو الملزومات كما حققناه في استصحاب الحكم العقلي.
وأما الأحكام الشرعية فيصح تعلقها بالمناط وبما يحصل ذلك من الأفراد وبما يستلزم وجوده وجود المناط، كما لو كان مناط الوجوب في استقبال القبلة فللآمر أن يأمر باستقبال القبلة وله أيضاً أن يأمر باستدبار الجدي مثلًا، نعم لابد من غرض عقلائي يسوّغ له ذلك، وفي المقام نقول أيضاً إن الغرض تعلق بالجامع بين الأفراد، ولكن أمر الآمر بخصوص الأفراد أوجب الأفراد بخصوصيتها لكونها محصلة لذلك الجامع وإ نما أمر بها دون الجامع بينها لغرض من الأغراض أما لإظهار التسهيل على المكلف في مقام الامتثال أو لغير ذلك.
ولا يقال سلمنا أنه يمكن أن يكون في مقام الثبوت كذلك فمن أين يعلم أنه أيضاً كذلك في مقام الإثبات؟
لإنا نقول يكفي دليلًا على ذلك ظهور الأمر في كون الخصوصية مأمورا بها فتكون واجبة، وأما ما ذكر من قوله (قدس سره): إلا إذا كان هناك ... إلى أخره. ففيه أنه إذا كان الغرض من كل واحد غير ممكن الحصول مع وجود الآخر كما هو المفروض فكيف يمكن الالتزام به؟ مع
أن الأمر مع العلم بانتفاء شرطه قبيح، مضافاً إلى علم المأمور أيضاً بذلك.
ودعوى أنها لا تقتضي إلّا امتثالًا واحداً فلا مانع من الأمر بها.
مدفوعة بأن مع تعدد الأغراض لا يمكن أن لا يقتضي إلّا امتثال واحداً وإرجاع الأمر إلى سنخ من الطلب لا يؤثر إلّا كذلك إحالة إلى مجهول.
إن قلت إن الأمر المتعلق بالكلي إذا كان تعلقه به باعتبار الوجود الخارجي رجع إلى الأمر بتلك الوجودات، فلا يكون فرق بين التخيير العقلي والشرعي في كون الموجودات العينية متعلقة للطلب.
قلنا إن الفرق بين الأطراف في التخيير العقلي والشرعي بعد تعلق الأمر بكل واحد من الوجودات المحققة للجامع هو تعلق الأمر بها بعنوان أنها محققة للجامع في العقلي وبوجودها الشخصي بما هي كذلك في التخيير الشرعي، ومن ذلك يظهر أن الأفراد بناء على تعلق الأمر بالطبائع باعتبار وجودها الخارجي لا تكون من قبيل الإبدال في التخيير الشرعي، نعم بناء على تعلق الأمر بالأفراد تكون من التخيير الشرعي.
ودعوى أنه لا يمكن أن يكون التخيير عقليا حتى على القول بتعلق الأمر بالأفراد إذ يمكن أن تكون مطلوبية الأفراد بعنوان أنها أفراد للطبيعة لا بعنوان وجوداتها الشخصية.
مدفوعة بأن القائل بتعلق الأمر بالفرد إن أراد تعلقه بمفهوم الفرد رجع إلى التعلق بالطبيعة إذ الفرد مفهوم كسائر المفاهيم، وإن أراد تعلقه