بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 87

لعدم إمكان تقييد المعلول بعلته، والإطلاق فرع إمكان التقييد فهو بالنسبة إلى وجوب ذي المقدمة من المعاني التي يدور أمرها بين أن يكون لها إطلاق وبين أن لا يكون لها إطلاق ولا تقييد.

وأما الإشكال فلما أشرنا إليه سابقاً من أن جزئية المعنى لا يمنع من التمسك بالإطلاق لكنه بمعنى آخر غير الإطلاق في المعاني الكلية فراجع.

وأما ما أفاده في منع جزئية المدلول من أن واقع الإرادة ليس من الإنشائيات ففيه مع إن دعوى الجزئية لا يلزم دعوى كون الموضوع له. واقع الإرادة وحقيقتها القائمة بالنفس نحو قيام لجواز دعوى وضعها لجزئي الإرادة الإنشائية وإن أشرنا سابقاً إلى تزيفه بما لا مزيد عليه من إن واقع الإرادة الذي يدعى كونها مدلولة للهيئة عبارة عن الإرادة التكليفية التي عبرنا عنها بالاقتضائي النفساني الذي هو من منشئات النفس.

وأما ما أفاده في دفع استدلال المستدل الراجع إلى إن المتبادر من تعلق الطلب بشي‌ء كونه مراداً من قوله وأما ما ذكر من اتصاف الفعل- إلى قوله- فلا دلالة فيه ... إلى أخره فلم يعلم وجه كونه جواباً وتزيفاً للتبادر المدعى.

والتحقيق التمسك بالإطلاق، فيقال مقتضى إطلاق الأمر بذلك الواجب الذي يحتمل كون المشكوك مقدمة له عدم كونه مقدمة إذ لو كان من مقدماته لكان تعلق الأمر بذلك مشروطاً بالتمكن من هذا لعدم جواز الأمر بالشي‌ء مع عدم القدرة على مقدماته أو بظهور الأمر في كونه تأسيساً لا تأكيداً، فإنه لو كان من الأمر الغيري لكان تأكيداً لما


صفحه 88

استفيد من الأمر بذي المقدمة، وظهور الكلام في التأسيس عندهم من الظهورات المتبعة أو ظهور الإرادة في كون متعلقها بنفسه متعلقاً للغرض ومحلًا للاقتضاء هذا مقتضى الأصل اللفظي.

وأما الأصل العملي فمقتضاه البراءة مع عدم فعلية وجوب ذلك الغير لرجوع الشك إلى الشك في فعلية وجوب هذا وفي بقاء فعليته لو فرض عروض مانع عن فعلية وجوب ذلك الغير بل وكذا مقتضاه البراءة عن ذلك الغير لو عرض ما يرتفع به الوجوب. هذا لرجوع الشك إلى الشك في فعلية وجوب ذلك الغير إذ لو كان هذا مقدمة لأرتفع وجوبه لرفع القدرة عن هذا لكنه مع قطع النظر عن الاستصحاب في المقامين ومعه فهو المتبع.

الندب‌

أما الندب لغة فهو الدعاء إلى أمر مُهم، وفي عرف الفقهاء هو طلب الفعل مع عدم المنع من الترك لا إلى بدل، فلا يرد بالواجب الكفائي أو التخييري، ويرادفه عند الفقهاء الاستحباب والنافلة والنفل والتطوع والحسن والإحسان والمرغّب فيه وهكذا لفظ (السّنة) لأنها كما صرح في‌النهايةوفي‌المنيةأنها طاعة غير واجبة، ولكن البعض قد ذهب إلى إن لفظ السنة لا يختص بالمندوب بل يتناول كل ما علم وجوبه أو ندبه بأمر النبي (ص) أو بإدامته منه (ص) واستمراره منه (ص) على فعله، فإن السنة مأخوذة من الإدامة ولهذا يقال: إن الختان من السنة، ولا يراد به إنه غير واجب، وإن ما يواضب النبي (ص) عليه فهو من المستحب، وإن الذي لم يفعله‌


صفحه 89

النبي (ص) ولكن الإنسان أنشأه باختياره من الأوراد فهو التطوع، وإن ما وعد الله تعالى عليه بالثواب فهو المرغّب فيه، والنافلة الطاعة غير الواجبة، والإحسان إن كان نفعاً موصلًا للغير مع القصد إلى إيقاعه فهذه من أفراد المندوبات لأنها من مرادفاته.

وقد أورد على تعريف الندب بأن المندوبات: من أعتاد على تركها كالرواتب اليومية والزيارات فهي ممنوع من تركها.

وجوابه إنه لو سلم المنع من الشارع فيكون من باب التهاون بالطاعات والمستحبات وهو محرم إذا بلغ حد الاستنقاص للشارع فيكون المنع من ترك جميعها بعنوان آخر لا بعنوان نفسها.

الحرام‌

وأما الحرمة فهي في اللغة المنع والمعصية، وفي العرف طلب الترك مع المنع من الفعل، ويرادفها عند الفقهاء الخطر والحظر. ويطلق المحرم على المزجور عنه والمعصية والذنب والمنهي عنه والقبيح والمتوعد عليه.

الكراهة

وأما الكراهة وهي لغة ضد الحب، والشدة في الحرب يقال للحرب: الكريهة، وفي العرف طلب الترك مع جواز الفعل، وقد تطلق الكراهة على ما يعم الحرمة فيقال كراهة تحريم وكراهة تنزيه، وقد تطلق الكراهة بمعنى ترك الأولى والأقل ثواباً، وبهذا يندفع الإشكال المعروف في العبادات المكروهة وحاصله إن من العبادة ما هي مكروهة كالصلاة في الحمام.

والمستفاد من تعريف الكراهة إن المكروه: هو الفعل الذي تعلق به طلب الترك من المكلف بحيث لا يستحق الذم بمخالفته، وهذا لا يشمل‌


صفحه 90

العبادة المكروهة فإن الصلاة المندوبة المبتدئة في الأوقات المخصوصة أعني طلوع الشمس وغروبها ونحوهما مما بينّه الفقهاء في كتبهم ليس مما يطلب الشارع تركها، بل الصلاة الواجبة الواقعة في الحمام ونحوه في المواضع المذكورة في كتب الفروع من المكروه مع طلب الشارع لها.

والجواب إنَّ العبادة لمّا كانت راجحة بجميع أقسامها فهي مطلوبة للشارع ومندرجة تحت الواجب والمندوب لا غير. نعم المكروه له إطلاق آخر غير ما تقدم وهو كونه أقلَّ ثواباً وهو معنى مستحدث ليس من الأحكام الخمسة المتقدمة ولا ينافي الوجوب والندب بل ما يوصف به يكون واجباً وقد يكون ندباً كما عرفت، فلا يلزم من وضعها به كونها من المكروه الشرعي ولا يلزم اجتماع حكمين متضادين في محل واحد وهو الوجوب والكراهة في العبادات الواجبة المكروهة، ولا اجتماع الندب مع الكراهة في العبادات المندوبة كالنوافل أول طلوع الشمس. أو نقول الكراهة في العبادات ليس بالنظر إلى ذاتها كوقوعها في الحمام ونحو ذلك، وحاصله إن الكراهة ترجع إلى إيقاعها في الأوقات والأمكنة التي لا تليق بها، وأمّا العبادة نفسها فمن المندوب أو الواجب، وإذا عرفت ما ذكرنا من الجوابين فلا معنى لجعل المكروه بهذا المعنى قسماً سادساً للأقسام المتقدمة للتكليف لدخوله تحت الواجب أو الندب كما عرفت.

الإباحة

وأما الإباحة لغة فهي الإعلان والإظهار، ومنه أباح فلان سره، والأذن يقال أبحتُ له الدار أي أذنتُ له بها، وفي العرف هو جواز الفعل والترك على حد سواء، ويستعمل بمعناها الجواز والحل والإطلاق فيقال‌


صفحه 91

هذا الشي‌ء مطلق وحلال وجائز، وقد تستعمل الإباحة بمعنى أعم وهو ما ليس بمحرّم.


صفحه 92

الدليل على حصر الأحكام بهذه الخمسة

إن الحكم إذا تعلق بالفعل فإما أن يكون طلباً للفعل أو لا، وعلى الأول أما أن يكون مع المنع عن الترك فهو الوجوب أو لا، فهو الندب وعلى الثاني أما يكون طلباً للترك أو لا، وعلى الثاني فهو الإباحة وعلى الأول أما أن يكون مع المانع من الفعل فهو الحرمة أو لا فهو الكراهة. ولا بأس بالتعرض هنا لمسألتين.

جنسية المباح للأحكام الثلاثة

اختلفوا في إن المباح هل هو جنس لما عدا الحرام من الأحكام كالمندوب والمكروه والواجب أو لا؟ الحق إنه ليس جنساً لشي‌ء منها وإن كلّا منها نوع برأسه غير مندرج تحت الآخر لأن كل منها فصل يميزه عن غيره كما عرفت. نعم الجنس للجميع هو الحكم، وتحرير النزاع على هذا الوجه أولى مما خصّه‌الحاجبي‌بالواجب فقط لأن دليل الخصم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى إن تم دلَّ على إنه جنس للجميع لا للواجب فقط، وأيضاً المذكور في أكثر الكتب تحرير النزاع على هذا الوجه. لنا إن حقيقة الجنس داخلة في النوع لأن النوع حقيقة الجنس مع الفصل ولو كان المباح جنساً لما عداه من الأحكام المذكورة لكان حقيقة داخلة فيها، والتالي باطل فإن حقيقة المباح: ما تساوي فعله وتركه من غير ترجيح. وظاهر عدم دخول هذا في شي‌ء من الأحكام قالوا حقيقة المباح هو المأذون في فعله وهو حاصل في ما عدا الحرام من الأحكام ممتازاً كل منها عن الآخر بفصل ولا معنى للجنس إلّا ذلك.

قلنا ما ذكرتم ليس تمام حقيقة المباح وإنما هو جنسه فقط، وأما فصله فهو المأذون له في تركه من غير ترجيح لأحدهما، ففي كلامكم غفلة عن‌


صفحه 93

الفصل وإنما قلنا من غير ترجيح احترازاً عن المندوب والمكروه فإنهما وإن كانا مأذونين في الترك إلّا إنهما بلا ترجيح، وعبارةالعضدي‌خالية عن ذلك القيد فيرد عليه هذا، والظاهر إن الخصم لا يفسّر المباح بما قلناه بل يفسّره بما لا حرج في فعله ولا شك في شموله لما عدا الحرام من الأحكام. فالحق إن النزاع هنا لفظي يرجع إلى تفسير المباح، لأن المباح إن عني به مالا حرج في فعله فهو جنس للواجب، وهو المباح بالمعنى الأعم، وإن عني به مالا حرج في فعله وتركه فهو المباح بالمعنى الأخص وهو مباين للواجب.

شبهة الكعبي‌

إنه قد عرفت إن المباح أحد أقسام الحكم وإنه ما تساوى طرفاه من غير ترجيح، وإن جميع العلماء ذهبوا إلى أن هذا القسم موجود وخالفهم في ذلك الكعبي، وذهب إلى إنه غير موجود.

فإن قيل فلا معنى لدعواه ودعوى الإجماع على وجوده.

قلنا الإجماع السابق على حدوث الخلاف لا يقدح فيه الخلاف بعده، وفيما نحن فيه لم نحرز الإجماع السابق أو نقول الإجماع منعقد على وجود ذات المباح مع قطع النظر عما يستلزمه والكعبي لم يخالف في ذلك، وتوضيح الحال وتحقيقه: إنه قد استدلّ الكعبي على وجوب المباح بأن ترك الحرام واجب وهو ظاهر، والمباح أما نفس هذا الترك أو ما لا يتم إلّا به أما الأول كالسكون للسكون الذي هو عين ترك القتل، وأما الثاني فكأطباق الفم الذي هو لا يتم ترك شرب الخمر إلّا به أو بالكلام أو نحوهما، وإذا كان المباح بهذه المثابة كان واجباً أما الأولى فلما بينّا وأما الثانية فلأن مالا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.


صفحه 94

والجواب إن ما ذكرت من الدليل مصادم للإجماع، لأنه قد انعقد على إن الفعل منه واجب ومنه مباح، وإن المباح قسم مباين للواجب لاعتبار جواز الترك في مفهومه دونه فيكون مردوداً.

وأجاب الكعبي عن دليل مصادمة الإجماع بأن قال: دليلنا قطعي فيجب تأويل الإجماع لذات الفعل من غير نظر إلى ما يستلزمه من ترك الحرام جمعاً بين الأدلة، ولا يمتنع كون الشي‌ء لذاته مباحاً وواجباً لما يستلزمه، كما يكون الشي‌ء واجباً وحراماً باعتبارين. سلمنا عدم المصادمة ولكنا نجيب بثلاثة أجوبة:

الجواب الأول:ما أجاب به‌الرازي في المحصول والعلامة في التهذيب‌وحاصله منع كون المباح مالا يتم الواجب- الذي هو ترك الحرام- إلّا به لإمكان تحقق الترك بغيره مما هو واجب أو مكروه أو مندوب، وإذا كان الترك ممكن التحقيق بشي‌ء آخر غيره لا يكون هو مالا يتم الواجب إلّا به فلا يكون واجباً، وهذا مدفوع لأن الكعبي يقول: إن ترك الحرام واجب وهذا الواجب لا يتم إلّا بأحد أمور بطريق التخيير فيكون المباح أحد أفراد مالا يتم الواجب إلّا به فيكون واجباً مخيراً وهو لا يضره لثبوت أصل الوجوب في المباح غايته أنه بطريق التخيير.

لا يقال الواجب المخّير يجب أن يكون أحد أمور معينة من الشارع ولا تعيين فيما نحن فيه.

لأنا نقول التعيين الشخصي غير لازم إجماعاً، والنوعي حاصل هنا لأن ما يحصل به ترك الحرام أما واجب وأما مندوب وأما مكروه وأما مباح.