بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 1

[الجزء الثانى‌]

بسم الله الرحمن الرحيم‌

الحمد لله الذي خَصَّ شريعة الإسلام بأن جعلها لشرائعه المنيفة مِسك الختام، وصيًّر قطوف معارفها بمننه السابغة على طرف الثُمام، والصلاة والسلام على سيد الأنام ومصباح الظلام مقَعّد قواعد الدين الحنيف بإتقان الدلائل وإحكام الأحكام، وعلى آله ائمة الهدى والعروة الوثقى التي ليس لها انفصام وبعد:

فإن كتاب‌الأحكام‌لسماحة آية الله العظمى الشيخ‌علي كاشف الغطاء (قدس سره)، وناهيك به علماً بارزاً من أعلام المدرسة الأصولية على ما تشهد به آثاره ومصنفاته ومنها هذا الكتاب القيم، فهو دورة أصولية كاملة مستوعبة للمباحث الأصولية فقد نحا المؤلف في كتابه هذا منحى مبتكراً وسلك منهجاً جديداً في بحث المسائل الأصولية حيث جمع جميع مسائل علم أصول الفقه تحت أربعة عناوين هي:الحكم‌،والحاكم‌،والمحكوم فيه‌،والمحكوم به‌. وتظهر براعة الشيخ المصنف في علم الأصول في ما ناقش به آخر آراء المدرسة الأصولية الإمامية، بما أوتي من قوة الاستدلال وصحة الأستنتاج والملكة الفذة في النقض والإبرام، والقدرة العجيبة في محاكمة الإشكالات والإيرادات، مما إستمدًّه من مدرسة أستاذه المرحوم سماحة آية الله العظمى الشيخ كاظم الشيرازي (قدس سره) وفي الختام ليس لنا من نشر هذا الأثر النفيس غاية الّا خدمة العلم وأهله، ليستفد منه طلبة العلوم الدينية الذين يرومون الترقي في مدارج الفضيلة ونيل المراتب السامية في العلوم الشرعية المنيفة، وخير ما يجازى به هذا العمل عسى أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى هو الدعاء للقائمين على نشر تراث سلفنا الصالح بدوام التوفيق والتسديد لمتابعة أحياء الذخائر من كنوز أفكار علمائنا الأكابر. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

النجف الأشرف: 8 محرم الحرام 1421 ه-

الذخائر


صفحه 2

بسم الله الرحمن الرحيم‌

تبعية الأحكام للصفات والفوائد القائمة بالأفعال‌

ذهبت الإمامية قاطبة حتى الإخباريين منهم إلى أن الأحكام الشرعية تابعة لصفات وفوائد قائمة في الأفعال وذلك لحكم العقل بالتحسين والتنقيح العقليين. وقالوا إن أحكام الله تعالى يكون الغرض منها هو حصول تلك الفوائد باعتبار أن الجعل للأحكام من الله تعالى هو من أفعال الله تعالى. وقد تقرر عندهم أن أفعال الله معللة بالأغراض فلابد من أن يكون جعله تعالى للأحكام معلل بالأغراض، وقالوا إن تلك الأغراض من جعل الأحكام هي حصول تلك الفوائد. وتنقيح البحث يستدعي أن نذكر الأدلة التي أستدل بها القوم أو يمكن الاستدلال بها لهم وهي:

الدليل الأول:البرهان العقلي الدائر بين النفي والإثبات، وهو أن أحكامه تعالى أما معللة بالصفات والفوائد بحيث تكون هي الأغراض الداعية لجعلها أم لا، والثاني باطل لأنها إن لم تكن معللة بذلك لزم العبث والسفه من الحكيم على الإطلاق، واللازم باطل عقلًا وشرعاً فالملزوم مثله، والملازمة ظاهرة، فثبت أنها معللة بفوائد وصفات كانت هي الغرض من جعلها وحينئذ لا يخلوا أما تكون الأغراض والفوائد المقصودة من الأحكام راجعة إليه تعالى أو إلى العباد أو إليهما معاً، لكن الاحتمال الأول والأخير باطل، لأنها إن كانت معللة بأغراض راجعة إليه تعالى أو إليه تعالى وإلى عباده لزم الاحتياج على من هو الغني من جميع الجهات، واللازم باطل بالعقل والشرع فكل من الملزومين باطل‌


صفحه 3

والملازمة ظاهرة فثبت الاحتمال الوسط، وهو كونها معللة بأغراض راجعة إلى العباد فقط، وإذا ثبت أن الأغراض عائدة للعباد فأما أن تكون تلك الأغراض قائمة بنفس الأوامر والنواهي وباقي الأحكام، وهي حصول الثواب بطاعتها وحصول العقاب بمعصيتها، وأما أن تكون قائمة بنفس متعلقات الأحكام، والأول باطل لأنها لو كانت معللة بأغراض راجعة إلى العباد لمجرد الثواب بالإطاعة والعقاب بالعصيان بحيث تكون الفائدة من جعل الأحكام منحصرة في ترتب الثواب والعقاب من غير خصوصية غرض في نفس المأمور به وفي نفس المنهي عنه، بمعنى أنه لو كان الغرض من الأمر بالصلاة والنهي عن الزنا هو تمييز المطيع من العاصي، وإثابة الأول وتعذيب الثاني من دون جهة في الصلاة داعية إلى الأمر بها وعدم جهة في الزنا داعية إلى النهي عنه، بأن كانا قبل الأمر والنهي متساويين لزم اللغو والعبث في الخصوصيات أي في الأمر بخصوص الصلاة والنهي عن خصوص الزنا لكونه ترجيحاً بلا داع، فإن ترجيح الصلاة على الزنا مع كونهما متساويين في الواقع بجعل الصلاة واجبة والزنا محرم مستلزم للترجيح بلا مرجح، فيلزم اللغو والعبث في الخصوصيات وإن لم يلزم لغو في سنخ جعل الأحكام، لأن ترتب الثواب والعقاب يكفي في عدم لغوية جعل الأحكام، واللازم وهو لزوم اللغو والعبث في الخصوصيات باطل منفي لمحالية صدور اللغو والعبث من الحكيم، فلابد من أن يكون الملزوم وهو جعل الأحكام لغرض الثواب بالإطاعة والعقاب بالعصيان باطل مثله فتعين الثاني وهو أن يكون جعل الأحكام لغرض قائم في خصوصيات متعلقها مع قطع‌


صفحه 4

النظر عن جعلها بأن كانت الفائدة موجودة في نفس الصلاة قبل تعلق الأمر بها، قد دعت الشارع إلى الأمر بها، والمفسدة كانت في نفس الزنا قبل تعلق النهي عنه قد اقتضت نهي الشارع عنه فثبت المطلوب وهو تبعية أحكام الله تعالى سبحانه للصفات الكامنة ولا نعني بتبعية أحكامه تعالى للصفات إلّا وجود خصوصية في كل واحد من الأحكام مقتضية لواحد من الأحكام الخمسة.

الدليل الثاني:من الأدلة الدالة على المختار دليل عقلي مركب من مقدمين:

المقدمة الأولى:أنه لا ريب في أن كل فعل في الواقع لا يخلو عن واحد من الأحوال الثلاثة أما المصلحة في إتيانه سواء أكان في تركه مفسدة حتى يكون واجباً أم لا، حتى يكون مندوباً، أو المصلحة في تركه سواء أكان في فعله مفسدة حتى يكون حراماً أم لا، حتى يكون مكروهاً، أولا مصلحة في فعله ولا في تركه، أو كان في فعله وتركه مفسدة ومصلحة على حد سواء بحيث لا يترجح أحدهما على الاخرى حتى يكون مباحاً، ففي الأول من الأول لابد من الأمر به إيجاباً ولو كان من الثاني من الأول لابد من الأمر به ندباً إذ طلب تركه في كل من القسمين ترجيح للمرجوح لأنه بعدما كان المصلحة في فعله كان فعله راجحاً فيكون تركه مرجوحاً، فطلب تركه ترجيح للمرجوح على الراجح، وإباحته تسوية بين الراجح والمرجوح، وكل منهما محال صدوره عن الحكيم على الإطلاق، وفي الثاني ففي الأول من الثاني لابد من النهي التحريمي عنه وفي الثاني من الثاني لابد من النهي التنزيهي عنه لما مرَّ من أنه لو طلب‌


صفحه 5

فعله لزم ترجيح المرجوح لأن فعله مرجوح بالفرض، ولو جعله مباحاً لزم التسوية بين الراجح والمرجوح، وكل منهما باطل، وفي الثالث وهو الذي لا مصلحة في فعله ولا في تركه أو كان طرفاه متساويين في المصلحة والمفسدة لابد من إباحته حذراً من الترجيح بلا مرجح إذ لو طلب فعله أو تركه لزم الترجيح بلا مرجح.

المقدمة الثانية:أنه لا ريب في تنويع الأحكام الشرعية في الخارج بالأنواع الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة.

إذا عرفت هاتين المقدمتين فإن كان اختلاف تلك الأحكام الخمسة لاختلاف صفات الأفعال وفوائدها بحيث هي التي كانت تقتضي جعلها فأمر بما كان في فعله مصلحة وفي تركه مفسدة وندب إلى ما في فعله مصلحة ولم يكن في تركه مفسدة ونهي عما كان في فعله مفسدة وفي تركه مصلحة.

وكرهه ما كان في فعله مفسدة وليس في تركه مصلحة، وأباح ما تساوى فعله وتركه في المصلحة والمفسدة فهو المطلوب وإلّا لزم أحد المحاذير الثلاثة من ترجيح المرجوح أو التسوية بين الراجح والمرجوح أو الترجيح بلا مرجح، مثلًا الصلاة لو كان في فعلها مصلحة وفي تركها مفسدة فإن أوجبها الشارع فالمطلوب ثابت وإلّا فإن ندبها لزم الإيقاع في المفسدة، وإن أباحها لزم التسوية بين الراجح والمرجوح، وإن جعلها مكروهة أو حراماً لزم ترجيح المرجوح على الراجح.


صفحه 6

وكذا ما لو لم يكن في فعله ولا تركه مصلحة فإن جعله مباحاً فهو المطلوب وإلّا فإن أوجبه أو ندبه أو حرّمه أو كرّهه لزم الترجيح بلا مرجح، وكذا الكلام فيما لو كان في تركه مصلحة وفي فعله مفسدة، وبطلان المحاذير واللوازم ظاهرة كالملازمة.

الدليل الثالث:قوله تعالى [وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ] حيث تدل على أن الأفعال المحرمة قبل نهي الشارع كانت فاحشة، والفاحش هو القبيح وأنه لا يتعلق نهيه إلّا بالقبائح النفس الأمرية.

إن قلت إن الدليل أخص من المدعى لأن الآية الشريفة تدل على أن مناهي الله تعالى تابعة للصافات والمطلوب أعم منها ومن الأوامر والمباحات.

قلت إذا ثبت تبعية المناهي للصافات يتم الأمر في غير المناهي بالإجماع المركب إن كان موجوداً كما هو كذلك وإن لم يكن الإجماع المركب موجوداً بل وجد القول بالتفصيل بين المناهي وغيرها فينفي هذا الدليل السلب الكلي الذي يدعيه الخصم، فإن الخصم يدعي عدم التبعية مطلقاً.

الدليل الرابع:النصوص الدالة على أنه يجب عليه تعالى بيان مصالح العباد ومفاسدهم، ولا ريب أن تلك النصوص هي الظاهرة في وجود مصالح ومفاسد في متعلقات الأحكام الشرعية في حد ذاتها، ومع قطع النظر عن تعلق الأحكام الشرعية بها وحيث أن بيانه تعالى لتلك المصالح والمفاسد إنما هو بنفس الأحكام الشرعية إذ ليس لدينا ما يبين ذلك منه تعالى إلّا الأحكام الشرعية، فلابد من‌


صفحه 7

أن تكون الأحكام الشرعية كاشفة عنها وهو إنما يكون إذا كانت تابعة لها.

نعم هذه النصوص مروية عن طرق الخاصة فهي لا تردالأشعري‌لأنها بزعمه ليست بحجة بل هي دليل سكوتي معتبر عند المستدل لا إسكاتي يسكت الخصم لكونها غير معتبرة عنده، وبعبارة أخرى يكون دليلًا اغنائياً لا إلزامياً.

أدلة المنكرون للتبعية

استدل المنكرون للتبعية بأدلة:

الدليل الأول:أن أوامر الشارع على أقسام أربعة لأن المقصود من التكليف أما تحقق الفعل في الخارج فهو تكليف حقيقي، وذلك كتكليف المطيعين أو لا يفعله المكلف كتكليف العصاة بالعبادات، أو ليس المقصود منه تحقق الفعل في الخارج فإن كان المقصود منه إيجاد مقدماته فهو توطيني حقيقي ويسمى بالتكليف الامتحاني، وإن كان المقصود منه إيجاد متعلقه لاختبار إطاعته لا لأجل تحقق متعلقه فيسمى بالتكليف الابتدائي والاختباري والامتحاني أيضاً. وإن كان ليس المقصود منه ذلك كله وإنما كان من صدوره من جهة الخوف على النفس أو العرض أو المال فهو يسمى بالتقية.

فإذن من الأوامر ما يكون المقصود منه نفس التوطين أو الامتحان والاختبار أو من جهة التقية، وليس في متعلقها أي فائدة أو مصلحة، بل يمكن أن يكون في نفسه مفسدة كأمر إبراهيم (ع) بذبح ولده إسماعيل (ع)، ولعل أوامر الشارع كلها من هذا الباب فلا يكون شي‌ء من أحكامه تعالى تابعة للصفات الكامنة.


صفحه 8

ولا يخفى ما فيه:

أولًا:فإن محل كلامنا هو التكاليف الحقيقية التي لا يقصد منها إلّا إيجاد متعلقها واحتمال تلك الأمور في جميع أوامر الشارع ينفيه الإجماع من المسلمين كافة.

ثانياً:إنه لو كان المقصود في الكل أي في كل الأحكام هو التوطين فلازمه دائماً الإعلام بعدم إتيان المأمور به بعد إتيان المكلف بالمقدمات كما هو الحال في التكليف التوطيني إذ نفس المأمور به لا مطلوبية فيه، وما هو مطلوبه هو المقدمات، فبعد الإتيان بالمقدمات أعلمه تعالى بترك المأمور به كما كان في أمر إبراهيم (ع) في ذبح ولده، والواقع في أحكامه تعالى خلافه.

وبعبارة أخرى إن لازم ذلك هو إعلامه تعالى بترك المأمور به بعد الإتيان بالمقدمات إذ بقاء الأمر بعدها لغو وسفه حيث أن المقصود وهو التوطين قد حصل بإتيان المقدمات للعمل، وحيث كان هذا اللازم منتف فالملزوم وهو كون أوامره تعالى توطينية مثله منتفي والملازمة ظاهرة.

ويمكن أن يقال عليه أن لزوم الإعلام بترك المأمور به في مطلق التوطين ممنوع. نعم لزومه فيما إذا كان في نفس المأمور به قبح ومفسدة مسلم بخلاف ما لو كان فعله خالياً عن المفسدة فإنه لا يلزم إعلامه لجواز فعله حيث لا ضير فيه، ولكن لا يخفى ما فيه فإنه إذ ذاك لا معنى للإلزام بإتيان العمل أو الإلزام بتركه بل كان على المولى أن يبين إباحته فقط كما أنه لا يحتمل أن يراد بأجمعها الامتحان، فإن الامتحان والاختبار