بكون أقل الحمل ستة أشهر تبعية غير مستقلة لأن ذلك استفيد من ملاحظة الآيتين، وأما نفس الحكم العقلي المستفاد وهو كون أقل الحمل ستة أشهر فهو ليس بتابع لحكم شرعي آخر يبقى ببقائه ويزول بزواله ومنه سائر مفاهيم الموافقة كحرمة الضرب المستفاد من قوله تعالى [فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ] وكحرمة النظر للأجنبية في المرآة المستفاد من حرمة النظر إليها، وأما عكس ذلك وهو ما كان الاستفادة فيه مستقلة والمستفاد تبعياً. فالظاهر أنه مجرد تصور لأنا لم نستحضر له فعلًا مثالًا. وكيف كان فالنزاع في المقام شامل لكل واحد من الأقسام الأربعة أما في الأول وهو ما كانت الاستفادة والمستفاد أصليين فهو القدر المتيقن من دخوله في النزاع بل تمثيلاتهم كلها أوجلها من هذا القبيل، ويشهد لدخول القسم الثالث في النزاع تمسك الخصم وهو الإخباري هنا على عدم حجية العقل بخبرأبانفإنه لو تمًّ يدل على عدم حجية العقل فيما إذا كان الاستفادة تبعية والمستفاد مستقلًا، ويشهد لدخول القسم الثاني وهو ما كانا تبعيين في محل النزاع هو ما ذهب إليهالسيد الصدرفي بحث الإجماع بأن إتفاق المحدثين والإخباريين حجة معتبرة كاشفة عن وجود دليل معتبر على المتفق عليه لأنهم لا يقولون بالاستلزامات العقلية، وأما اتفاق غيرهم من المجتهدين فلا لأنهم يقولون بحجية الاستلزامات العقلية فيحتمل أن يكون اتفاقهم ناشئاً عن تلك الاستلزامات العقلية غير المعتبرة. وعليه فيكون إجماعهم غير كاشف على سبيل القطع عن رأي المعصوم فلا يكون حجة. ثم النزاع في حجية العقل مع الإخباري يختص بالأحكام الفرعية العملية كما يظهر من بعضهم، والنزاع في حجيته مع
الأشعرييعم العقائد والأحكام الفرعية العملية. لنا وجوه من الأدلة الدالة على حجية العقل:
الدليل الأول:أن العقل بعدما قطع باستحقاق العقاب ممن بيده الأمر على فعل شيء أو ترك شيء باعتبار الحسن والقبح كما هو المفروض فيكون ذلك الشيء واجباً شرعياً أو حراماً شرعياً يقطع به المكلف، أما المقدم فثابت حسب الفرض فلا بد من أن يثبت التالي، أما وجه الملازمة فإنه بعد حكم العقل على وجه القطع والبت بترتب العقاب على الظلم مثلًا والثواب على العدل مثلًا، بمعنى أن في مخالفة العقل حينئذ عقاب ممن يرجع إليه الأمر وفي متابعته الثواب ممن بيده الأمر وهو معنى حجية العقل، ولا يتصور الشك في حجية العقل حين الاعتراف بكون العقل مدركاً للثواب والعقاب حذراً من اجتماع الضدين فإن الشك ضد اليقين وخلافه، والقطع بترتب الثواب والعقاب معناه القطع بالحجية والقطع بالحجية ضد الشك في الحجية، ومن المعلوم أن الضدين لا يجتمعان، فالقطع بترتب الثواب والعقاب الذي معناه حجية العقل لا يجتمع مع الشك في الحجية. وبالجملة بعد تسليم إدراك العقل المدح والذم ممن ترجع الأمور إليه والثواب منه أو العقاب منه على شيء لا معنى للشك في حجيته، وما ربما يتوهم من إحتمال كون القطع بترتب الثواب والعقاب جهلًا مركباً مدفوع بأن هذا الاحتمال لا يتصور من الشخص القاطع بالاستحقاق مادام قاطعاً وبعد زوال قطعه يخرج عن محل البحث. وإحتمال غير القاطع بأن يحتمل غيره أن ما قطعه جهل مركب لايرفع تكليف القاطع وهو لزوم إتباع قطعه ومعتقده.
الدليل الثاني:أنه لو لم يكن القطع بالثواب والعقاب الحاصل من العقل حجة ولازم الإتباع لم يكن القطع بهما الحاصل من الشرع حجة ولازم الاتباع، والتالي باطل باتفاق الخصم فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة إذ الدليل على حجية القطع الشرعي ولزوم إتباعه كما لو قال النبي الثابت النبوة يجب عليك الصلاة فقطع بترتب العقاب على تركها ومع ذلك لا يكون قطعه حجة، فإن الدليل على لزوم إتباع النبي (ص) إن كان هو الشرع وقول الشارع نقلنا الكلام إليه وقلنا ما الدليل على حجية هذا القول من الشارع أعني قوله أن القطع الشرعي حجة وهلمَّ جرا انتقل الكلام إلى قوله الآخر إلى أن يدور أو يتسلسل وبطلان كل منهما غني عن البيان، فلا يصلح أن يكون قول الشارع دليلًا على حجية القطع الشرعي، وإن كان الدليل على حجية القطع الشرعي هو حكم العقل بلزوم دفع الضرر المقطوع وفي مخالفة قول الشارع ضرر مقطوع فهو مشترك بمعنى أنه كما أن حكم العقل بلزوم دفع الضرر المقطوع دليل على حجية القطع الشرعي فكذلك هو دليل على حجية القطع العقلي أيضاً. والفرق بين القطع الشرعي فيحكم العقل بحجيته والقطع العقلي فلا يحكم العقل بحجيته تحكم وقول بلا دليل.
الدليل الثالث:أنه لو لم يكن قطع العقل بترتب العقاب على الظلم والثواب على العدل حجة ولازم الاتباع يلزم عدم تعذيب عبدة الأوثان لعدم تمامية الحجة بالنسبة إليهم مع أن حجة الله تعالى لا بد من أن تكون بالغة على خلقه، وذلك لأن قول الشرع لا يعتبر عندهم والعقل
كذلك بالفرض، ويلزم عدم وجوب تحصيل معرفة الله ومعرفة نبيه (ص) وعدم وجوب النظر إلى المعجزة لتحصيل العلم بالنبوة.
ووجه الاستدلال قد مرّ من أن اللوازم الثلاثة بأسرها باطلة. فالملزوم مثله بيان الملازمة أن الدال على وجوب كل من الثلاثة أما الشرع وأما العقل، وأما الأول فأما بعد معرفة الشرع فتحصيل الحاصل، وأما قبله فيدور أو يتسلسل. وأما الثاني فلأنه معزول بالفرض فظهر أن ما يصلح لأن يكون دليلًا على الوجوب في تلك المواضع هو العقل وإلّا يلزم رفع التكليف رأساً.
الدليل الرابع:أن القبح فاحشة عند العرف، وعند أهل اللغة كما قالالفيروزآبادي(الفاحشة الزناء وكل ما يشتد قبحه).
ولا ريب أن كل فاحشة منهي عنها للآية الشريفة وهي قوله تعالى [وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] للإطلاق مع الورود في مقام البيان نظير [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] وحمل الفاحشة على المحرم الذي ثبت تحريمه من الشارع موجب لتحريم المحرم وتحصيل الحاصل مع أن المتبادر من الفحشاء هو ما ذكرنا من القبائح وهذا الدليل الأخير يتم بعد إثبات إدراك العقل الحسن والقبح، وإن قلنا إنه لم يدرك العقاب والثواب بخلاف الأدلة السابقة فإن تماميتها يتوقف على إثبات إدراك العقل الحسن والقبح والعقاب والثواب.
ويمكن للإخباري رد هذا الدليل الرابع بأنه إذا أثبتنا الكبرى بالآية وكان العقل إنما يدرك القبح والحسن فقط دون الثواب والعقاب كانت حرمة القبيح ثبتت من الشرع لا العقل إذ المفروض عدم إدراك العقل
العقاب على القبيح وإنما يدرك القبيح، ولكن الشرع بهذه الآية دل على حرمة كل قبيح ومنه ما حكم العقل بقبحه، والمقصود إثبات حجية العقل إذا حكم بترتب العقاب على ما هو قبيح عنده من دون نظر إلى حكم الشرع بترتب العقاب على فعل ما هو قبيح عند العقل وإلّا فلا يناقش الإخباري في ثبوت العقاب بحكم الشرع بحرمة الشيء.
نعم هذه الآية الشريفة دلت على ردالأشعريفي موضوعين:
الموضع الأول:في كون أحكامه تعالى تابعة للصفات إذ إن فيها دلالة على ذلك إذ مفادها أن كل ما كانت فاحشة نهى الله تعالى عنها.
الموضع الثاني:في إدراك العقل الحسن والقبح بمعنى استحقاق فاعله المدح والذم،والاشعريينكره. ووجه الدلالة أن الآية تدل على أن ما حكم العقل بقبحه نهى الله تعالى عنه، هذا إذا لم نجعل لفظ (المنكر) عطف تفسير للفحشاء بأن جعلناه عبارة عما هو قبيح عند الله تعالى إذ لو كان بهذا المعنى وكان عطف تفسير على الفحشاء فلا تدل الآية على إدراك العقل القبح، ولكن التحقيق أن (المنكر) معناه هو ما استنكره العقل وما هو قبيح عند العقل وإلّا لما كانت فائدة في النهي عنه لعين ما ذكرناه في لفظ (الفحشاء).
المقام الخامس:
في التحسين والتقبيح في أفعال الله تعالى
لقد تكلم علماء الكلام في مبحث حسن الأفعال وقبحها في أن العقل يدرك حسن أفعال الله تعالى أو قبحها، كما يدرك حسن أفعال العباد وقبحها. وقد وقع من الفقهاء والأصوليين البحث في هذا الموضوع على سبيل الاستطراد عند البحث في التحسين للعقل وتقبيحه لأفعال العباد، ونحن قد تقدم منا الكلام فيه في مطاوي الكلام في المقام الأول من هذا البحث فلا نعيد فيه الكلام مرة ثانية، كما أن المتكلمين قد بحثوا عنه في مبحث العدل.
تبعية الأحكام للأسماء
إن تعليق الشارع الحكم على اسم من الأسماء يقتضي تحقق ذلك الحكم في كل مورد تحقق ذلك الأسم. وليس مرادهم انتفاء ذلك الحكم عند انتفاء ذلك الاسم لما ثبت عندهم من عدم حجية مفهوم اللقب. ولأن الحكم يمكن ثبوته بدون الاسم بدليل آخر خاص كآية أو رواية أو إجماع أو استصحاب، ولذا ترى الفقهاء يستصحبون حكم الحنطة بعد صيرورتها دقيقاً، والدقيق بعد صيرورته عجيناً، والعجين بعد صيرورته خبزاً، وهكذا حكم القطن يستصحب بعد صيرورته غزلًا والغزل بعد صيرورته ثوباً، ويستصحبون حكم الطين بعد صيرورته لبناً، واللبن بعد صيرورته خزفاً وهكذا يستصحب الكثير منهم حكم العنب بعد صيرورته زبيباً. وعليه فيكون فائدة هذه القاعدة هو عدم ثبوت الحكم مع انتفاء الاسم إلّا بدليل آخر ومع عدمه فيرجع للأصل من البراءة أو غيرها فلا يكون الدليل الدال على ثبوت الحكم مع انتفاء الاسم
معارضاً ومنافياً للدليل الدال على ثبوت الحكم لذلك الاسم. ولكن الكثير منهم قال: إن المراد منها أن الأحكام تتبدل بتبدل أسماء موضوعاتها وتنتفي بانتفائها. وفرعوا عليه طهارة الخمر إذا انقلب خلًا والعذرة إذا صارت دوداً والميتة تراباً والكلب ملحاً والخمر إذا شربه مأكول اللحم فصار بولًا أو العذرة إذا أكلها مأكول اللحم فصارت لحماً ونحوها. معللين ذلك بتبدل الأسماء، ولعل المستند لهم في ذلك هو عدم معقولية بقاء الحكم بعد ارتفاع موضوعه لاستحالة انتقال العرض بعد تبدل موضوعه. وأورد على هذه القاعدة بأمور:
أحدها:ما حكي عنفخر الدين() حيث حكي عنه () أنه قال: إن الأسماء إمارات ومعرفات فلا يزول الحكم بزوالها. ولا يخفى ما فيه فإن المراد بالأسماء هي أسماء العناوين التي جعلت موضوعاً في نظر المتكلم، ولا ريب أنه ظاهر الكلام أن ما هو الموضوع عند المتكلم هو الأسم الموجود ما لم تقم قرينة على إرادة ما هو الأعم فيكون الأعم هو الاسم الذي يدور الحكم مداره.
ثانيها:أن الحكم لو كان يدور مدار الاسم وجوداً أو عدماً لزم إثبات مفهوم للقب فالأصح أن يكون الاسم عند ارتفاعه يكون الدليل ساكتاً فيرجع إلى اسمٍ آخر لو كان موجوداً أو إلى الأصل.
وثالثها:بالنقض بما إذا تبدل اللبن المتنجس بالسمن، وأجابوا عنه بأن المناط تبدل اسم الموضوع بما هو موضوع، وفي اللبن المتنجس ليس موضوع النجاسة اللبن من حيث هو لبن بل من حيث كونه جسماً لاقى النجاسة وهو باقٍ، ولهذا حكموا بالفرق بين الأعيان النجسة والمتنجسة،
وقالوا بزوال النجاسة في الأول بتبدل اسم الموضوع نظراً إلى زوال موضوع ما جعله الشارع موضوعاً للحكم دون الثانية فيحكم بطهارة العذرة المتبدلة بالرماد دون الخشب المتنجس المتبدل به. قال صاحبالمشارق: (إن ما ذكره المجيب إن صح في موارد لا نسلمه في أخرى إذ للمعترض أن لا يسلم بقاء النجاسة في رماد الخشب المتنجس قائلًا بأن موضوع تلك النجاسة في خصوص المورد هو حقيقة الخشب وإن كان من جهة كونه جسماً لاقى النجاسة فبتبدل الحقيقة يرتفع الحكم بل هو معلوم البطلان في موارد كثيرة كالغذاء المتنجس إذا صار جزء لحيوان طاهر كالغنم، فإنه يصير طاهراً بالضرورة، وكذا الماء المتنجس إذا شربه وصار بولًا ونحوه البقولات الحاصلة من المياه المتنجسة فلا يحسم به مادة الإشكال ولم ينضبط به القاعدة المشتهرة المذكورة).
والحق أن يقال إن الاعتراض بالمتنجسات لا وجه له لأن موضوع الحكم فيها مختلف فيه فبعضهم جعله نفس الجسم وبعضهم نفس الطبيعة. وبعضهم وهو الحق أنه نفس الموجود الخارجي. وعلى هذا الأخير فمع ارتفاع هذا الفرد الخارجي إن كان ارتفاعاً لا يراه العرف أنه باقي معه كما في صور أستحالة الخشب المتنجس رماداً أو الماء المتنجس بخاراً كان الحكم بالنجاسة مرتفعاً لارتفاع موضوعه شرعاً وعرفاً فيستحيل بقاء الحكم المذكور للفرد الخارجي المتجدد فيرجع لأصل الطهارة ونحوه وإن كان العرف يرى بقاءه كاللبن المتنجس إذا صار سمناً، فاستصحاب الحكم يقتضي بقاء الحكم لبقاء موضوعه عرفاً. وقد يجعل المعيار تبدل الحقيقة العرفية، فما دامت باقية يكون الحكم باقياً وإذا زالت