على مثل هذه الأمور غير المنضبطة وقد خالف في هذه التحديدات جماعة من الأصحاب في بعض مقامات الباب رجوعاً إلى ما هو المعلوم من القاعدة والتعليل وطرحاً للخصوصية حتى اجتراءالكاشانيفي باب الكر حيث جعل الميزان في الانفعال التغير والعدم كما استفيد من النص والإجماع وجعل الكرية كاشفة عن التغير وعدم التغير، فيكون قول الشارع لا ينجسه شيء أي لا يغيره وإن شئت تفصيل كلامه فراجع ما كتبناه في المياه، وجعل الفاضلالعلامةباب الحريم مبنية على عدم الإضرار وألغى خصوصية الأذرع المحدودة في الشرع المفتى بها عند فقهائنا، ونظير ذلك قاله بعضهم في البئر والبالوعة، وفي سنة التعريف حيث جعل الميزان اليأس من المالك ولا ريب أنه يمكن إبداء مثل هذا الاعتبار الناصب في هذه التحديدات سيما فيما ورد العلة في ذلك كمسألة العدة والاستبراء ونظيرهما فتدبر. ولا ريب أن هذه العلل على ما يتجه في النظر القاصر هو الباعث على هذه الأحكام ومع ذلك لا نقول بمقالة مثلالعلامةفي الحريم والكاشانيفي الكر ونظائرهما في غيرهما، بل نتعبد بالتحديدات وفاقاً للأعيان نظراً إلى إنا علمنا من الشارع أنه لما رأى أن المكلفين بحسب اختلاف الأمزجة والنفوس يدور أمرهم في الأحكام غالباً بين إفراط وتفريط والذي يعتدل قواه ويستوي أركانه في ذلك قليل لا تناط الأحكام بمثلهم جعل الشارع هذه الحدود حسماً لمادة التشاجر والتنازع وحفظاً للنفوس عن طرفي الوسواس والمسامحة، فإن الشارع مثلًا لو أناط حريم البئر بعدم الضرر فواحد يقول هذا مضر والآخر يقول: هذا غير مضر ويصير التنازع، وواحد يكون
محتاطاً في دينه لا يمكنه إحداث إمارة في وسوسة نفسه بأن ذلك لعله ضرر ولو أناط غسل الوجه بالعرف فأهل الوساوس كانوا يدخلون آذانهم ونصفاً من رؤوسهم ومع ذلك لا يطمئنون به، وأهل المسامحة يقتصرون العينين والأنف والخدين فدعت الحكمة إلى أن الشارع يلاحظ أحوال الغالب من الأمزجة والنفوس والأبدان والأراضي وغير ذلك مما علق عليه الحكم، ويجعل للموضوع حداً محدوداً وإن كان السبب النفسي الأمري للحكم قد يوجد بأقل منه، وقد لا يوجد بذلك الحد بل يحتاج إلى الأكثر لكنه ألغاها الشارع لعدم الانضباط ولاحظ الغالب وحدده بذلك كي لا يتجاوز المعتدون ولا يقصر فيه المتسامحون فصار هذا تعبداً في قاعدة كما يوجد في أبواب الفقه قاعدة في تعبد صرف تطرد ولا يعلم وجهها والمقام معلوم الوجه واضح القاعدة أخذ فيه التعبد بالعرض فتدبر في هذا المقام تحل لك الإشكالات في أغلب المقامات منها درهم الدية ودينارها مع التفاوت الفاحش في زماننا مع أن المعلوم ملاحظة الشارع كل عشرة بواحدة وتندفع به شبه المتأخرين في كثير من موارد التحديدات والله الهادي.
المبحث الثاني:أن هذه التحديدات أغلبها بل كلها تحقيق في تقريب أو بالعكس، فإن المراد واحد والأول أنسب بالتعبير كما يظهر من ملاحظة معانيه. والمراد أن هذه الحدود مأخوذة في سبيل التحقيق والمداقة فلو نقص ما حدد بالزمان مثلا كما في الأمثلة السابقة بساعة مثلا فضلًا عن يوم لم يتعلق به الحكم اتباعاً لظاهر التحديدات المحمولة على الواقعية الحقيقية، وكذا لو نقص المحدود بالمساحة بإصبع مثلًا فضلًا
عن شبر فضلًا عن مد فضلًا عن رطل فضلًا عن ذراع فضلًا عن ميل، وكذلك لو نقص المحدود بالوزن بمثقال فضلًا عن صاع، ومثله لو نقص ما حدد بالعدد بنصف أو ثلث فضلًا عن الواحد التام.
فأن قلت لم يؤخذ هذا التحديد إلّا من ظاهر اللفظ، ولا ريب أن قوله (ع): ألف ومائتا رطل، أو ثمانية فراسخ، أو عشرون يوماً، أو سبعون دلوا أو نحو ذلك يتسامح فيه في العرف بمثل هذه النقائص التي مثلت فينبغي احتساب الكسور القليلة التي يتسامح فيها العرف تاماً كالساعة من اليوم، واليوم من الشهر والأسبوع، بل الشهر من سنة أو سنين، والإصبع من ذراع أو شبر أو أشبار، والذراع والأذرع من الميل والميل من الفراسخ، والمد من صاع، والواحد من ألف ونحو ذلك، وأخذ هذه كلها بالدقة والتحقيق لا دليل على ذلك في شيء مما مرّ بعد فهم العرف واستعمالهم كذلك.
قلتأولًا:أن هذا الكلام يتم فيما له أسماء خاصة في المقادير المندرجة كالإصبع والشبر والذراع والميل والفرسخ واليوم والشهر والسنة والمد والرطل والصاع ونحو ذلك، وأما ما كانت المراتب بإضافة العدد إلى ذلك المقدار حتى يتزايد كقولك عشرون شبراً وأربعة آلاف ذراع أو أربعة وعشرون إصبعاً أو عشرة أمدد أو ألف ومائتا رطل أو خمسون يوماً ونحو ذلك فلا، لأنا نرى العرف لا يطلقون على ما نقص من الأذرع واحد أنه أربعة آلاف وأطلقوا عليه الميل، وكذا لو نقص أصبع واحد لا يقال أربعة وعشرون وإن قيل عليه الذراع فدعوى هذا الكلام في المكسورات على إطلاقه في غير محله إذ طائفة من هذه
التحديدات أوردت في الشرع من القسم الثاني دون الأول بل الغالب ذلك وإذا لم يجز هذا الكلام في نحوه فالباقي يلحق به بعدم القول بالفصل.
فإن قلت إلحاق الموضوع بعدم القول بالفرق لا وجه له.
قلت غرضي أنه لو لم تثبت حقيقة الموضوع في أحد الطرفين ففي الحكم يتمسك بعدم القول بالفرق.
فإن قلت معلوم أن هذا في طرف الملحق به لعدم إمكان المسامحة وعدم جريان طريق أهل العرف به وفي طرق الملحق معلوم خلافه.
قلت هذا غير قادحٍ في الحكم بالإلحاق ما لم يثبت في الثاني الأعمية.
وثانياً:نقول لا ريب أن المعنى اللغوي في هذه الألفاظ إنما هو ما يوافق المقدار بالتحقيق كما هو المصرح به في كلام اللغويين، بل الظاهر أطباقهم على ذلك، وهذه التوسعة في العرف إما من باب المجاز أو النقل أو الاشتراك لفظاً إذا الاشتراك المعنوي في اللغة معلوم الانتفاء، بل لا يكاد ينازع فيه منازع، وثبوته في العرف داخل تحت النقل إذ يكون من باب نقل اسم الفرد إلى الكلي. ولا ريب أن المجاز لو قطعنا النظر عن الإمارات أولى من الأخيرين كما قرر في محله.
وثالثاً:نقول: إن الظاهر المجازية لأصالة عدم النقل والوضع الجديد وصحة السلب في العرف عن الناقص وتبادر التام منه وعدم اطراد إطلاقه على الناقص في كل مقام، وفيه كلام وشيء في ذلك لا يخفى على المتدبر فإذا ثبت المجازية فالأصل في الاستعمال الحقيقة حتى يظهر خلافه.
فإن قلت هذا مجاز شائع وفي الترجيح للحقيقة عليه كلام مشهور واختلاف عظيم.
قلت وصوله إلى هذا الحد ممنوع ثم مكافئتهُ للحقيقة حتى يتوقف مع عدم القرينة غير مسلمة فضلًا عن ترجيحه عليها، بل الحق تقديم الحقيقة والكلام موكول إلى محله.
ورابعاً:نقول: إن الشارع إذا علق الحكم على شيء محدود فندري يقيناً دخول ما يساوي الحد تحقيقاً تحت الدليل فيترتب عليه أحكامه، وأما الناقص فلا أقل من الشك في دخوله فالمرجع القاعدة والأصل بحسب مقامه نظير التشكيك في المطلقات بل هو منها.
وخامساً:قد قررنا أن سر هذه التحديدات إنما هو الخلاص عن الوسواس، ولا ريب أن انطباقه على التحقيق في أصل المقدار حاسم لهذه المادة بخلاف الابتناء على التسامحات العرفية فلا تذهل، وهذا نظير ما قلناه في القراءة بالنسبة إلى هذه التغيرات التي في السنة عوام العرب وخواصهم إذ الترادف ونحو ذلك مقطوع العدم، وأما المراد من أنه تحقيق في تقريب أن أغلب ما يعلم من هذه المقادير مختلفة كالإصبع والشبر والذراع والأيام، ونحو ذلك إذ لا يمكن عادة اتفاق الأشبار أو الأصابع أو الأذرع أو الأيام وكذا أفراد ما اعتبر بالعدد كالأنعام والرضعات والدلاء ونحو ذلك الأوزان بالنظر إلى اختلاف الأحوال واختلال كيفية الاستعلام والاستعمال وإن كان التفاوت قليلًا والكيل مما لا يخفى تفاوته على أحد ولا ينفع في ذلك اعتبار مستوى الخلقة أو نظيره في غير ذلك لتفاوت أفراد ذلك أيضاً عرضاً عريضاً لا يدخل تحت ضابطة ولا يقف
على رابطة، فإن كون الإبل والبقر ونحو ذلك وكذلك رضعة الطفل متوسطة في الصغر والكبر والزيادة والنقصان من المحالات العادية بل العقلية لتفاوت أفراد النوع لا محالة فهي من هذه الجهة تقريب ومن جهة الأولى تحقيق، ولذلك سميناه تحقيقاً في تقريب ولو نسمه بالعكس. وهذا أيضاً من المؤيدات القوية على أن هذه التحديدات تعبد في قاعدة وليس المدار على الحكم والعلل التي لا تندرج تحت فرد خاص بل يمكن وجوده فيما هو أقل وأنقص فلذا اعتبر الشارع التحديد في جهة حسماً لمادة الاختلاف بما ذكر ولم يعتبر في جهة أخرى إرشاداً إلى كون ذلك ليس لخصوصية خاصة بل شيء يوجد في أفراد متقاربة وإن تفاوتت، واختار الشارع التحديد في ذلك والتقريب هنا لعسر ضبط الثاني فإن ضبط الكر بالأشبار أسهل من ضبط نفس الشبر مع اختلاف أفراده، مضافاً إلى أن ضبط الأسافل يستلزم ضبط جميع الأعالي لتلفقها منه فلا يمكن العكس إلا بتكليف في بعض المقامات بخلاف الفرق بنحو ما وقع من الحكيم على الإطلاق فتدبر.
المبحث الثالث:في تحديد مفاهيم هذه الألفاظ المستعملة في التحديدات على ما ثبت عندي بالنقل أو بالإمارة فنقول: إما اليوم فيطلق على معان ثلاثة:
أولها:من طلوع الشمس من الأفق الحسي بمعنى كون مركزها فوق الأفق أو خروج القرص تاماً، الأول أظهر إلى غروبها فيه على أحد الاحتمالين، والثاني أقرب. وبعبارة أخرى لا يدخل فيه الليل ولا ما بين
الطلوعين للفجر ولا له وللشمس، وإن كان في هذا المقام بعد ذلك صور واحتمالات لكنه كلام أخر.
وثانيها:إطلاقه على ذلك المتقدم مع إضافة ما بين طلوع الفجر الصادق وطلوع الشمس إلى ذلك.
وثالثها:إطلاقه على مجموع اليوم والليلة من الطلوع إلى الطلوع، ولم أقف على من احتمل الوجه.
رابعها:وهو كونه من طلوع الفجر الكاذب إلى الغروب مع أن ما بين الطلوعين عند أهل التنجيم هو ما بين الفجر الكاذب كما صرّحوا به وإنما الكلام في الحقيقة من بين هذه المعاني. والحق أن المعنى الثالث مجاز لأنه خلاف المتبادر ويصح السلب عن المجموع المركب وقرينة التقابل بين اليوم والليلة في العرف واللغة، ومجرد الإستعمال لو ثبت فهو لا يفيد الحقيقة مع أنه غير ثابت إذ الظاهر أنه تخيل من دخول الليلة في بعض استعمالات العرف من باب اللزوم أو بالقرينة. والحق أن الاستعمال في مثل ذلك أيضاً في النهار وأما دخول الليلة فيعلم من خارج ولم يعهد من كتب أهل اللغة غير ما ذكر من الاستعمال، وأما المعنيان الاولان فالحق أن الثاني حقيقة في العرف واللغة لأنه متبادر منه ولا يصّح سلبه عنه ونص أهل اللغة أيضاً على ذلك ومقابلة الليلة المطلقة على ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر. نعم الكلام في المعنى الأول هل هو حقيقة أم لا؟ وجهان بل قولان والذي أراه أنه حقيقة فيه أيضاً لعدم صحة السلب على الإطلاق، ولكنه هل هو على الاشتراك لفظاً أو معنى؟ احتمالان والذي يقوى هو الثاني فالوضع للقدر المشترك
بين الأمرين ولكن استقراء موارد الشرع قضى بكون المراد باليوم المعنى الثاني كما يظهر بالتتبع حتى اشتهر في ألسنتهم اليوم الشرعي ولا يخفى عليك أن هذا في غير ما كان هناك قرينة على الخلاف كالاستيجار على عمل، فإن اليوم الأجير من طلوع الشمس بل لو انكسر منه أيضاً في الجملة فلا بأس نظراً إلى أن الإطلاق كما يأتي ينصرف إلى المعتاد وهو فيه كذلك، وقد يكون يجتمع فيه الجهتان كيوم الترواح فإن الشرعية تقتضي بكونه يوم الصوم وتعلقه بالعمل يقتضي بكونه يوم الأجير، وقويّنا فيه جانب الشرع تغليبا للتعبد وعملًا بالمتيقن بعد جريان استصحاب النجاسة، وأما اليوم والليلة فلا خفاء في معناه.
وأما الشهر فاستعمالاتها ثلاثة:
أحدها:الشهر الشمسي وهو مدّة مسير الشمس في أحد البروج الأثنى عشر فقد يكون ثلاثين وقد يزيد واحد وقد يزيد اثنان. وهذا الإطلاق مجاز غير متبادر من إطلاقه ويصح سلبه عنه. وليس لهذا المعنى في اللغة والعرف أثر وإنما اصطلاح من أهل التنجيم.
وثانيها:إطلاقه على ثلاثين يوماً وهو المسمى بالشهر العددي.
وثالثها:إطلاقه على ما بين الهلالين وافق ثلاثين أو نقص واحد. والكلام في أنه هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما دون الآخر؟ وعلى الأول هل هو على الاشتراك لفظاً أو معنى؟ الذي أراه الاشتراك معنى على سبيل التشكيك دفعاً للمجاز والاشتراك ويتبادر القدر المشترك وعدم صحة السلب عنهما لكن الفرد المتبادر منه هو الهلالي فيحمل