الحلو والحامض، فاليوم الملفق لا ينقص عن أطولهما ويزيد عن أقصرهما فتدبر فإنه كلام ليس عليه غبار.
الخامس:في ما يلزم هذه الحدود ويلحقها وقد عرفت مما مضى أن اليوم حقيقة في النهار وليس الليل داخلًا في معناه إلا في وجه ضعيف جداً، فلو قال الشارع ثلاثة أيام كذا مثلًا أو خمسة وأربعون يوماً للإستبراء فمعناه اعتبار النهار دون الليالي، لكن اللازم من هذه التركيب دخول الليالي المتوسطة في ذلك دون الليلة الأولى والأخيرة فإن المتبادر من قوله خيار الحيوان ثلاثة أيام للمشتري دخول الليلتين الواقعتين بعد الأول والثاني ذلك في الحكم.
وهذا من لوازم التركيب ولا يتخيل متخيل أن الخيار في اليوم دون الليلة ونحو ذلك في ناوي الإقامة، فإن المتبادر من قوله (إلّا أن ينوي عشرة أيام) دخول تسع ليال فيها، وليس المعنى إقامة أيامها وإن سافر بلياليها، ومن يقول بأن الليلة داخلة في اللفظ يجيء فيه وجوه ثلاثة:
أحدها:إدخاله الليلة السابقة أيضاً في ذلك حتى يتم ثلاث ليال.
وثانيها:إدخال الليلة اللاحقة لآخر اليوم لعين ما مرّ.
وثالثها:إدخال السابقة إن قلنا بأن الليل مقدم على النهار عملًا بالعرف وإدخال اللاحقة إن قلنا بالعكس عملًا بالشرع كما حقق في محله. ويحتمل أيضاً التخيير لعدم الترجيح، ويحتمل إدخال السابقة إن اتفق ابتداء الشيء المحدود من الليل واللاحقة إن ابتدء من النهار، ويحتمل أيضاً سقوط الليلة الواحدة في الثاني ويجيء على هذا القول التلفيق في الليل على ما قررناه في النهار لو اتفق البداءة في وسط الليل.
وللبحث في هذا المقام مجال واسع والعمدة في النظر التنبيه على الضوابط، وللتنقيح مقام آخر وقد يلزم التركيب أيضاً دخول الليالي بعدد الأيام لا من حاق اللفظ كما ذكرناه بل من الوجود الخارجي كما لو اتفق البيع أو نية الإقامة أو التوليد أو الموت أو الطلاق أو نحو ذلك في أول الليل، فإنه يدخل الليلة الأولى أيضا في عدد الأيام لتوقف مضي الأيام المعتبرة حينئذ إلى وجود الليالي في الخارج وهو منشأ الالتزام وكما لو اتفق أحد هذه الأمور في وسط النهار وقلنا بالتلفيق فإنه يكون الليالي بعدد الأيام لكنه يكون الليالي تامة والأيام ملفقة. وقد يدخل نصف الليل أو أكثر أو أنقص لو وقع شيء من ذلك في الأثناء ولذلك اعتبر جماعة من الأصحاب في هذه التحديدات الليالي المتوسطة ولم يلتفتوا إلى غيرها لما عرفت من دخولها في أصل مدلول الخطاب لعدم الانفكاك عن الماهية ودخول ما ذكر هنا في بعض المصاديق للزومه للوجود الخارجي في بعض الأحيان وليس غرضهم من تخصيص الدخول بالمتوسطات إخراج ما عداها عن الحكم، وإن فرض كما فرضناه فلا تذهل. وقد عرفت أيضا أن إطلاق الشهر يحمل على الهلالي لكن لو وقع ما حدد بالشهور من أجل مبيع أو عدة أو شرط أو نحو ذلك في أثناء الشهر فللأصحاب في ذلك وجوه ثلاثة، والسر في ذلك القطع بعدم احتساب الناقص كاملًا وعدم سقوط هذا الناقص من الاعتبار مطلقاً حتى يحتسب بعده شهوراً هلالية تامة إما بقرينة المقام أو كون القاعدة التلفيق، فلا بد من ضم هذا الناقص إلى ما بعده فمن زعم أن هذا قرينة على عدم إرادة الشهور الهلالية أصلًا لعدم إمكان وجودها من حين
وقوع الواقعة في أثناء الشهر، والمعتبر أن إطلاق اللفظ اعتبر كلها عددية ولم يعتبر الهلالي، ومن زعم أن المتبادر الهلالي إلّا أن تقوم قرينة على غيره سواء جعلنا ذلك مجازاً أو فرداً غير متبادر، وأدّعى الاقتصار في الخروج عن القاعدة إلى المتيقن أدعى أن الشهور الهلالية التامة لا دليل على اعتبارها عددية. نعم هذا المنكسر بعد الدليل على عدم سقوطه بل لزوم انضمامه عرفنا أن لا يمكن كونه هلالياً حملناه على معنى آخر واعتبرنا فيه التلفيق كما هو طريقة المشهور لكن لهم هنا طريقين:
أحدهما:تتميم الشهر الناقص من الآخر بمقدار ما مضى منه فيمكن أن يكون ثلاثين لو هلَّ الهلال الأول بعده، وأن يكون تسعة وعشرين لو نقص بيوم من أخره، ولعل الوجه في ذلك تبادر هذا الفرض من الإطلاق فإن قول القائل: (في اليوم الثاني عشر من رجب وقت طلوع الشمس أجرتك هذه الدار من يومنا هذا إلى ستة أشهر) لا يفهم منه إلّا إلى الثاني عشر من المحرم وقت طلوع الشمس وإن كان شهر رجب ناقصا بيوم.
وثانيهما:تكميل الناقص ثلاثين، ففي هذا الفرض يجعل اليوم الثاني عشر أيضاً في مدة الإجارة لو كان شهر رجب ناقصاً كما اختاره أساطين أصحابنا، والوجه في ذلك بعد العلم باحتساب الناقص الخروج عن ظاهر اللفظ في ذلك الشهر خاصة بحمله على العددي فإنه أما معنى مجازي أو فرد غير متبادر كما اخترناه فمع القرينة على عدم إرادة الهلالي لعدم إمكانه في المنكسر يحمل على العددي وهو ثلاثون أما إتمام الناقص بمقدار ما مضى فقد يكون تسعة وعشرين مع أنه ليس شهرا
هلاليا ولا عددياً، ولا ريب أنه أما مجاز أو أبعد المجازين ولا يسمى في العرف تسعة وعشرين يوماً شهراً مطلقاً. وهذا الذي ذكر قوي متين لو لم يعارضه التبادر العرفي في المعاني التركيبية في باب التلفيق فأنه قد يستفاد من المركب معنى لا ينطبق على قواعد المفردات كما ذكرناه في جواب ابن جني حيث زعم أن أغلب اللغة مجازات فنقول بعدما قررنا من كون التلفيق على خلاف القاعدة بالنظر إلى اللفظ المفرد هل هناك ضابط كلي من قرينة خارجية على إرادة الملفق من هذا التركيب؟ مثلا قول الشارع في التراوح أو الرضاع أو مسافة القصر ينزحون يوماً أو ترضع يوماً أو مسيرة يوم، وكذلك قوله أقل الحيض والانتظار لمشتبه الموت والرباط وخيار الحيوان والتأخير ومهلة الشفيع في إحضار الثمن ثلاثة أيام ونظير ذلك لو فرض زيادة المدة، وقوله: يعرّف اللقطة حولًا، أو ينزح عشرون دلواً، أو في خمس من الإبل شاة، أو الدية مائة بعير هل يشمل النزاح أو الرضاع أو مسيرة نصفي يوم أو اليومين التامين مع نصفي يوم في الثلاثة أو التعريف نصفي سنة مع انفصالهما أو كفاية أربعين نصفاً من دلو أو لزوم الشاة في عشرة من الإبل مشتركة بين أثنين أو كفاية إعطاء النصف المشاع من مأتي بعير ونحو ذلك فيما تعلق بشيء من ذلك ونحوه نذر وشبهه أو لا يشمل مطلقاً أو يدور مدار القرائن الخاصة؟ والذي يظهر بعد التأمل عدم وجود ما يدل على دخول الملفق على الإطلاق.
نعم لو دل قرينة على عدم خروج المنكسر عن الحكم وعدم زيادة على ذلك كما هو الظاهر في الحيض والطهر وخيار الحيوان ومهلة
الشفيع ونصاب الأنعام بعد التأمل التام فلا بأس بالدخول وإلّا ففيما عدا ذلك فالأصل عدم ترتب الآثار بعد عدم الدخول تحت اللفظ، وعليك بملاحظة أدلة المقامات في التحديد حتى يظهر لك جلية الحال فإن هذا المقام استعجال ليس لي في البسط مجال.
الضابطة الثالثة:ما لم يرد له تحديد في الشرع سواء أكان أصل التعبير من الشارع أم من المكلفين في معاملاتهم من عقد أو إيقاع، قسمان:
أحدهما:ما اعتبر فيه الاعتياد من الشرع أو لتحقق عنوان الحكم الذي صدر من الشارع.
وثانيهما:ما ليس فيه خصوص الاعتياد.
أما الأول فمنه دلو البئر، ومخرج الأحداث، وتحقيق العادة للحيض والنفاس والمأكول والملبوس في سجود الصلاة، والكيل والوزن في المعاوضات ونحوها وتوابع متعلقات العقود كالتوابع للمبيع للعين المستأجرة، ونقود المعاملة، والمرض والبول في الفراش والأباق في كونهما عيباً، وفي كون الشيء مكيلًا وموزوناً في تحقق الربا ولزوم الاعتبار بذلك في صحة المعاملة وانصرافي إطلاق اللفظ إليه. وفيه بحثان:
المبحث الأول:في أن الاعتياد بعد اعتباره في معنى اللفظ أو في لحوق الحكم لانصراف الدليل إليه أو قيام القرينة عليه بأي شيء يحتمل فنقول: لا بحث في أن العادة ليس لها حقيقة في الشرع غير ما هو معناه لغة وعرفاً لأصالة عدم النقل ولم يدعيه أحد أيضاً، وما ورد في باب الحيض من التحديد كما سنذكره لا يدل.
أولًا:على نقل معنى اللفظ، بل إنما هو تحديد لما يلحقه أحكام العادة من الحد الإقراء وإن لم يطلق عليه اسم العادة حقيقة. وبعبارة أخرى نقول: إن تحديد الشارع هناك ليس لتحقق معنى اللفظ وصدقه بمجرد حصول ذلك الحد بل لما كان حكم المعتادة الرجوع إلى عادتها وكانت العادة أمراً عرفياً لا تنضبط سيما مع أن المكلف هناك النساء اللاتي ليس لهن إدراك الماهيات الخفية بالرجوع إلى العرف، كيف وقد اضطرب في مثل ذلك أجلّة العلماء المتفحصين وكان التكليف منوطاً بأمهات العبادات من صلاة وصوم وقراءة ودخول مسجد ونظائر ذلك مضافاً إلى حقوق أخرى أراد الشارع إعطاء ضابط في ذلك للتسهيل على مقتضى ما قررناه في سر التحديدات في الشرع. والحاصل أن حقيقة الاعتياد كاشفة عن كون ما زاد على العادة حيضاً لا العادة التي جعلت بالشرع واعتبار ذلك من الشارع تعبد في القاعدة كما أسسناه سابقاً.
وثانيا:نقول إن هذا تحديد لأيام الإقراء وأيام الحيض، ولفظ العادة اصطلاح لم يستعمل إلّا نادراً في اللفظ لبيان ماهية العادة.
وثالثا:نقول إن كون ذلك معنى العادة في الحيض لا يدل على كونه بهذا المعنى في كل مكان وكونه كاشفاً عن الحقيقة ممنوع.
ورابعا:نقول على فرض تسليم هذا المعنى يفيد أن لفظ العادة متى أطلق في الشرع يراد به المتكرر مرة، ولا ينفع ذلك فيما جاء فيه اعتبار العادة من إطلاق الألفاظ وانصرافها، فإنه ينصرف إلى المعتاد العرفي دون ما جعله الشرع عادة فإذا لم يكن كذلك فنقول لا كلام في عدم تحقق العادة بالمرة الواحدة لأن المتبادر خلافه ويصح سلبه عنه ويرده مادة
اللفظ الاعتبار معنى العود في اشتقاقه. وأما المرتان فظاهر جماعة من أصحابنا منهم شيخناالشهيد في قواعدهفي عيب البول في الفراش الحصول به لأنه عود فيدخل تحت العادة إذ هو بمعنى فيما يعود ويتكرر، ولما دل في باب الحيض أنه لو رأت الدم أياماً معلومة مرة فإذا جاء الدم بعد ذلك عدة أيام سواء فتلك أيامها وليس هذا إلا لتحقق معنى العادة إذ في النصوص بيان من لها عادة وأيام معلومة بتلك العبارة فلا تذهل، وخصوصية الحيض في هذا المعنى غير ثابتة، ولأن العرف يطلق على العادة بعد المرتين. والذي أراه عدم الصدق عرفاً بمجرد المرتين وكون الحيض كذلك لا يدل، الفرق ما ذكرناه في صدر البحث وكون إشتقاقه من العود لا يدل على كون كل عود عادة لجواز اعتبار الملكة والاستعداد في مفهومها. نعم يدل على عدم صدقه بدون العود، وبه يرد مذهب من قال بأنها تحقق بالواحدة في الحيض. وأما الثلاث فهو ظاهر الأكثر في تحقق العادة وهو محتمل الأمرين:
أحدهما:كون الثالثة كاشفة عن تحقق العادة بالثانية.
وثانيهما:كونها ناقلة من زمان تحققها، والفرق بين الأول والمرتين أن بمجرد تحقق المرتين لا يحكم بحصول العادة على الكشف بمعنى أنه يشترط في صدق العادة بالثانية لحوق الثالثة وليس للثالثة مدخلية بل التقيد داخل وإن كان القيد خارجاً. وبعبارة أخرى تعقب الثالثة للثانية شرط في صدق العادة بالثانية وافتراق الثاني عنه لا يحتاج إلى بيان. والذي أراه الصدق العرفي في الثالثة على طريق النقل وبمجرد الثانية لا أظن صدق العادة إلا أن ظاهر جمع من فقهائنا الاكتفاء بها.
المبحث الثاني:أن المدار حصول العادة في كل زمان ومكان أو في مكان واحد في زمن واحد، وعلى الثاني هل يسري الحكم بذلك إلى الكل أو يتحقق في مورده خاصة؟ وعلى التقادير هل يدور الحكم مدار الاعتياد وجوداً وعدماً؟ فبالحصول يحصل وبالعدم ينعدم أو يدور مداره وجوداً خاصة بمعنى أنه متى تحقق تعلق الحكم ولا يزول بالزوال؟
وتنقيح البحث أن العادة بنفسها لو جعلت في كلام الشارع موضوعاً لحكم كما في الحيض والنفاس والتوابع في العقود وفي نقود المعاملة وعيبية المرض والبول والآباق وانصراف الكيل والوزن إلى المعتاد ونظائر ذلك. ومرادنا بكونها مناطاً لحكم كونها باعثاً على البناء على هذا الحكم، وكونها علة في ذلك فإنّ تحققها صار سببا للرجوع عليها من ايام الدم واللحوق مفتاح الدار والبناء والاغلاق في بيعها وثياب المملوك في بيعه ولحوق القتب والزمام ونحو ذلك في اجارة البغل، وفي انصراف اطلاق النقد أو البيع به أو التوكيل في معاملة الى الغالب وفي صدق العيب بهذه الاسباب اذ الواحدة لا تعد عيباً وفي انصراف المن أو القفيز أو نحو ذلك الى المعتاد، وفي لزوم نفقة المضارب وكيفية عمل العامل في المساقاة ونحوه وحفظ الودائع. وبعبارة أخرى نريد كون العادة سبباً لجعل حكم أو صرف لفظ إلى معنى فهناك يدور الحكم مدار الاعتبار في زمانه ومكانه ونوعه وجنسه فكل امراءة تتبع عادة نفسها وإن تغيّرت فالحكم للاحقة، وكل لفظ من الألفاظ المذكورة وتابع من التوابع يتبع بلد الإطلاق للفظ وإيقاع المعاملة في ذلك، وكلما تغيرت العادة في شيء من ذلك تغير ومن طريق تحرير المسألة علم الوجه في ذلك إذ لا ريب في