الشفيع ونصاب الأنعام بعد التأمل التام فلا بأس بالدخول وإلّا ففيما عدا ذلك فالأصل عدم ترتب الآثار بعد عدم الدخول تحت اللفظ، وعليك بملاحظة أدلة المقامات في التحديد حتى يظهر لك جلية الحال فإن هذا المقام استعجال ليس لي في البسط مجال.
الضابطة الثالثة:ما لم يرد له تحديد في الشرع سواء أكان أصل التعبير من الشارع أم من المكلفين في معاملاتهم من عقد أو إيقاع، قسمان:
أحدهما:ما اعتبر فيه الاعتياد من الشرع أو لتحقق عنوان الحكم الذي صدر من الشارع.
وثانيهما:ما ليس فيه خصوص الاعتياد.
أما الأول فمنه دلو البئر، ومخرج الأحداث، وتحقيق العادة للحيض والنفاس والمأكول والملبوس في سجود الصلاة، والكيل والوزن في المعاوضات ونحوها وتوابع متعلقات العقود كالتوابع للمبيع للعين المستأجرة، ونقود المعاملة، والمرض والبول في الفراش والأباق في كونهما عيباً، وفي كون الشيء مكيلًا وموزوناً في تحقق الربا ولزوم الاعتبار بذلك في صحة المعاملة وانصرافي إطلاق اللفظ إليه. وفيه بحثان:
المبحث الأول:في أن الاعتياد بعد اعتباره في معنى اللفظ أو في لحوق الحكم لانصراف الدليل إليه أو قيام القرينة عليه بأي شيء يحتمل فنقول: لا بحث في أن العادة ليس لها حقيقة في الشرع غير ما هو معناه لغة وعرفاً لأصالة عدم النقل ولم يدعيه أحد أيضاً، وما ورد في باب الحيض من التحديد كما سنذكره لا يدل.
أولًا:على نقل معنى اللفظ، بل إنما هو تحديد لما يلحقه أحكام العادة من الحد الإقراء وإن لم يطلق عليه اسم العادة حقيقة. وبعبارة أخرى نقول: إن تحديد الشارع هناك ليس لتحقق معنى اللفظ وصدقه بمجرد حصول ذلك الحد بل لما كان حكم المعتادة الرجوع إلى عادتها وكانت العادة أمراً عرفياً لا تنضبط سيما مع أن المكلف هناك النساء اللاتي ليس لهن إدراك الماهيات الخفية بالرجوع إلى العرف، كيف وقد اضطرب في مثل ذلك أجلّة العلماء المتفحصين وكان التكليف منوطاً بأمهات العبادات من صلاة وصوم وقراءة ودخول مسجد ونظائر ذلك مضافاً إلى حقوق أخرى أراد الشارع إعطاء ضابط في ذلك للتسهيل على مقتضى ما قررناه في سر التحديدات في الشرع. والحاصل أن حقيقة الاعتياد كاشفة عن كون ما زاد على العادة حيضاً لا العادة التي جعلت بالشرع واعتبار ذلك من الشارع تعبد في القاعدة كما أسسناه سابقاً.
وثانيا:نقول إن هذا تحديد لأيام الإقراء وأيام الحيض، ولفظ العادة اصطلاح لم يستعمل إلّا نادراً في اللفظ لبيان ماهية العادة.
وثالثا:نقول إن كون ذلك معنى العادة في الحيض لا يدل على كونه بهذا المعنى في كل مكان وكونه كاشفاً عن الحقيقة ممنوع.
ورابعا:نقول على فرض تسليم هذا المعنى يفيد أن لفظ العادة متى أطلق في الشرع يراد به المتكرر مرة، ولا ينفع ذلك فيما جاء فيه اعتبار العادة من إطلاق الألفاظ وانصرافها، فإنه ينصرف إلى المعتاد العرفي دون ما جعله الشرع عادة فإذا لم يكن كذلك فنقول لا كلام في عدم تحقق العادة بالمرة الواحدة لأن المتبادر خلافه ويصح سلبه عنه ويرده مادة
اللفظ الاعتبار معنى العود في اشتقاقه. وأما المرتان فظاهر جماعة من أصحابنا منهم شيخناالشهيد في قواعدهفي عيب البول في الفراش الحصول به لأنه عود فيدخل تحت العادة إذ هو بمعنى فيما يعود ويتكرر، ولما دل في باب الحيض أنه لو رأت الدم أياماً معلومة مرة فإذا جاء الدم بعد ذلك عدة أيام سواء فتلك أيامها وليس هذا إلا لتحقق معنى العادة إذ في النصوص بيان من لها عادة وأيام معلومة بتلك العبارة فلا تذهل، وخصوصية الحيض في هذا المعنى غير ثابتة، ولأن العرف يطلق على العادة بعد المرتين. والذي أراه عدم الصدق عرفاً بمجرد المرتين وكون الحيض كذلك لا يدل، الفرق ما ذكرناه في صدر البحث وكون إشتقاقه من العود لا يدل على كون كل عود عادة لجواز اعتبار الملكة والاستعداد في مفهومها. نعم يدل على عدم صدقه بدون العود، وبه يرد مذهب من قال بأنها تحقق بالواحدة في الحيض. وأما الثلاث فهو ظاهر الأكثر في تحقق العادة وهو محتمل الأمرين:
أحدهما:كون الثالثة كاشفة عن تحقق العادة بالثانية.
وثانيهما:كونها ناقلة من زمان تحققها، والفرق بين الأول والمرتين أن بمجرد تحقق المرتين لا يحكم بحصول العادة على الكشف بمعنى أنه يشترط في صدق العادة بالثانية لحوق الثالثة وليس للثالثة مدخلية بل التقيد داخل وإن كان القيد خارجاً. وبعبارة أخرى تعقب الثالثة للثانية شرط في صدق العادة بالثانية وافتراق الثاني عنه لا يحتاج إلى بيان. والذي أراه الصدق العرفي في الثالثة على طريق النقل وبمجرد الثانية لا أظن صدق العادة إلا أن ظاهر جمع من فقهائنا الاكتفاء بها.
المبحث الثاني:أن المدار حصول العادة في كل زمان ومكان أو في مكان واحد في زمن واحد، وعلى الثاني هل يسري الحكم بذلك إلى الكل أو يتحقق في مورده خاصة؟ وعلى التقادير هل يدور الحكم مدار الاعتياد وجوداً وعدماً؟ فبالحصول يحصل وبالعدم ينعدم أو يدور مداره وجوداً خاصة بمعنى أنه متى تحقق تعلق الحكم ولا يزول بالزوال؟
وتنقيح البحث أن العادة بنفسها لو جعلت في كلام الشارع موضوعاً لحكم كما في الحيض والنفاس والتوابع في العقود وفي نقود المعاملة وعيبية المرض والبول والآباق وانصراف الكيل والوزن إلى المعتاد ونظائر ذلك. ومرادنا بكونها مناطاً لحكم كونها باعثاً على البناء على هذا الحكم، وكونها علة في ذلك فإنّ تحققها صار سببا للرجوع عليها من ايام الدم واللحوق مفتاح الدار والبناء والاغلاق في بيعها وثياب المملوك في بيعه ولحوق القتب والزمام ونحو ذلك في اجارة البغل، وفي انصراف اطلاق النقد أو البيع به أو التوكيل في معاملة الى الغالب وفي صدق العيب بهذه الاسباب اذ الواحدة لا تعد عيباً وفي انصراف المن أو القفيز أو نحو ذلك الى المعتاد، وفي لزوم نفقة المضارب وكيفية عمل العامل في المساقاة ونحوه وحفظ الودائع. وبعبارة أخرى نريد كون العادة سبباً لجعل حكم أو صرف لفظ إلى معنى فهناك يدور الحكم مدار الاعتبار في زمانه ومكانه ونوعه وجنسه فكل امراءة تتبع عادة نفسها وإن تغيّرت فالحكم للاحقة، وكل لفظ من الألفاظ المذكورة وتابع من التوابع يتبع بلد الإطلاق للفظ وإيقاع المعاملة في ذلك، وكلما تغيرت العادة في شيء من ذلك تغير ومن طريق تحرير المسألة علم الوجه في ذلك إذ لا ريب في
زوال المعلول بزوال سببه من هذه الحيثية ووجود سبب آخر لا دخل له في محل البحث، وفيقواعد الشهيدإن في اعتبار العرف الخاص تردداً كاعتياد قومٍ قطع الثمرة قبل الانتهاء، وليس في محله بعد العادة ولو كان اعتبار الاعتياد في موضوعٍ للحكم بمعنى تعلق الخطاب من الشارع بلفظ أو انصرف ذلك اللفظ إلى المعتاد لا لأن العادة سبب في ذلك الحكم بل العلة لا نعلمها أو نعلم أنها غير العادة لكن تعلق بموضوع شائع معتاد كقول الشارع لا تسجدوا على مأكول وعلى ملبوس، أو في نفقة الزوجية والأقارب والمملوك: أطعموهم مّما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ويحرّم الرّبا في المكيل والموزون، ويجب نزح عشر دلاء من البئر، وينقض الوضوء ما خرج من المخرجين وغير ذلك مما علق الشرع عليه الحكم وانصرف إلى المعتاد ونحوه مسألة مستوي الخلقة المأخوذة من الاطلاقات وانصراف التحديدات إليه فهنا وجوه:
الوجه الأول:ملاحظة المعتاد في زمان الشارع ومكانه في جميع ما ذكر نظراً إلى أن عنوان الحكم هو ذلك، ومجرد اعتبار وصف معه قابل للتّغير والتبدّل بحسب الأزمان والأوقات لا يوجب تقييد الموضوع بالوصف، فكما أن الدينار والدرهم والرطل ونظائر ذلك من الذوات التي لم يؤخذ معها وصف يراد بها ما في زمن الشارع وكذلك الأوزان، ولا يعتمد على ما في هذا الزمان فكذلك في الملبوس والمكيل والمخرج ونحو ذلك مما اعتبر بلفظ الوصف، فيعم الحكم في ذلك الموضوع لكل زمان ومكان وأن تبدل الوصف فيعم الحكم في ذلك الموضوع أو لم
يكن في ذلك وصف في مكان أصلًا، ولا عبرة بما يتجدد فيه الوصف في زمان آخر أو كان في الوصف في مكان آخر.
الوجه الثاني:الفرق بين الذوات والموصوفات بأن اعتبار الوصف يشعر بكون ذلك علة في ذلك الحكم في الجملة، فكلما كان هذا الوصف معتاداً فيه ولو في بعض الأمكنة فهو داخل تحت اللفظ سواء كان في زمن الشرع أو غيره، لأن عنوان الحكم إنما هو المشتق والمشتق يصدق على كل فرد وجد فيه في الخارج وصار من الأفراد الغالبة إذ ليس معناه إلّا ما تلبس بهذا الوصف في الغالب المعتاد، والفرض تحقق القيدين معاً، وكلما زال أحد الأمرين أو انتفى بأن يكون موصوفاً غير غالب أو غالباً غير موصوف ينتفي الحكم في ذلك لانتفاء الاسم والعنوان، ومجرد كونه كذلك في زمن الشارع أو مكانه لا يقتضي بالعموم.
الوجه الثالث:اعتبار ما وجد من الأفراد في زمن الشارع وإن تغير بعد ذلك أوصافهم أخذ بالحكم باعتبار الذات وكون الوصف مورداً لا قيداً واعتبار غير ذلك من الأفراد أيضاً إذا تحقق فيها الوصف ما دام فيه الوصف للعلّية المستفاد من تعليق الحكم عليه جعل الوصف مثبتاً في غير ما في زمن الشارع لا نافياً لما في زمنه إذا تغير وصفه جمعاً بين الموردية في الوصف والعلية وتعميم الحكم لكل الأمكنة.
الوجه الرابع:عموم الحكم في المكان دون الزمان بمعنى أن المعتاد في زمن الشرع في أي مقام كان يجري حكمه بالنسبة إلى الجميع لعموم اللفظ لكل ما تحقق فيه الوصف والاعتياد وشمول الحكم لكافة المكلفين بالخطاب أو بقاعدة الاشتراك. وأما الزمان، فلا. بمعنى أنه ما حصل فيه
الوصف في الأزمنة المتأخرة في مكان خاص أو عام لا يلحقه الحكم عموماً ولا خصوصاً. نعم ما ثبت في زمان الشارع لحقه الحكم فيه مادام الوصف باقيا ولو في مكان في كل الأمكنة.
الوجه الخامس:عموم الحكم في الزمان بمعنى أن كل زمان تجدد فيه الوصف فهو داخل تحت الحكم لعموم العلة ولا يعم غير مكان اعتياده فقول الشارع: (لا تسجد على ملبوس ولا مأكول) معناه كلما وجد شيء متصف بأحدهما في أي زمان كان حكمه المنع عن السجود بالنظر إلى المكان الذي حصل فيه الوصف والاعتياد دون غيره، فيكون كل مكلفاً بعادة نفسه وجوداً وعدماً.
الوجه السادس:عموم الحكم لكل زمان وكل مكان مع عدم دوران الحكم مدار الوصف عدماً، فكلما تحقق فيه الوصف في أي زمان وأي زمان لحقه الحكم وعمّ المكلفين في الأزمنة وإن زال الوصف بعد ذلك إثباتاً للحكم في ذلك باستنباط العلية في الإثبات فيعم كل زمان وبقاعدة الإشتراك فيعم كل مكان وإبقاء له بعد زوال الوصف بالاستصحاب لعدم ثبوت العلية في العدم. والظاهر من كلمة الأصحاب اعتبار الوجه الخامس في النفقات، واعتبار الوجه الثاني في السجدة على المأكول والملبوس، واعتبار الوجه الثالث في الربا في الكيل والموزون، ويظهر من بعضهم وجوه أخرى في ذلك.
والذي ينبغي تأسيس الضابط في ذلك وخروج بعض الأفراد بدليل خاص غير قادح فنقول: إما الذوات كالدلو واليد والرجل والحنطة ونحو ذلك، فالأقوى إتباع المعتاد الغالب في ذلك بحسب كل زمان ومكان
بحسب أهله واحتمال لزوم النزح بدلوٍ معتاد في زمن الخطاب، وغسل الأعضاء أو المساحة بشبر أو ذراع معتاد في زمن الخطاب فلا ينفع ما أعتيد في هذا الزمان لو ثبت القصر أو الصغر عن ذلك بعيد جداً، وليس ذلك لعدم الانصراف إلى المتعارف بل لأن التكليف بالذات المتعارف فيكون كل مكلفاً على حسب متعارف زمانه ومكانه، ولا يتخيل متخيل أنه على هذا يلزم مثله في الأرطال والموازين والدرهم ونحو ذلك لأن كلامنا في الكلي المتعارف الأفراد لا في اللفظ المختلف المعاني، فإن اشتراك اللفظ أو نقله من معنى إلى آخر لا يوجب أجزاء المعنى الآخر عما أراده الشارع. وبالجملة الكلام في الذوات بمعنى أسماء الأجناس التي لها أفراد متعارفة في الأزمنة وإن كان المتعارف من أفراد الحنطة والإبل مثلًا في زمان غير ما هو المتعارف في زمان آخر، ويدل على هذا المعنى طريقة أهل العرف وأصحابنا في أبواب الفقه حيث داروا مدار التعارف في الذوات ولم يذكر أحد كونه فرداً متعارفاً في زمن الشارع.
فإن قلت هذا البناء منهم اتكال على عدم تغير الأفراد المتعارفة الشائعة في الذوات ولو ثبت التغير لاعتبروا المعتاد في زمن الشرع.
قلت مع أن ذلك لا يمكن في مثل دلو البئر ونظائره خلاف ظاهر كلامهم بل ظاهرهم كفاية التعارف اليوم، والسر تعلق التكليف بالطبائع في ضمن الفرد المتعارف وقد حصل، وتعارف زمن الشرع لا دخل له في ذلك. وأما ما أعتبر فيه الأوصاف التي تختلف بحسب الزمان والمكان فالحق فيه عموم الحكم ولأهل كل مكان بعد صدق الموضوع فمجرد كون الشيء مأكولًا أو ملبوساً أو مكيلًا أو موزوناً معتاداً في أحد الأمكنة