بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 15

ويمكن أن يقال أن غرض المستدل ليس شي‌ء من المذكورات بل حاصل كلامه أن غاية الرأفة ونهاية اللطف اللتين من صفاته تعالى كاشفة عن عدم تعذيبه العبد التارك لمصلحة نفسه بالعذاب الأبدي. وعدم تعذيبه للعبد بالعذاب الأبدي لأجل ترك مصلحة نفسه كاشف عن عدم كون أحكامه التي خالفها العبد لأجل مصلحة نفسه، ولما كان العذاب الأبدي ثابت للعبد المخالف لأحكامه تعالى لزم أن لا يكون الغرض من أحكامه تعالى المصلحة لنفس العبد. ولا يخفى ما فيه لما تقدم بيانه في مبحث حسن التكليف في وجه حسن تكليف العاصي والكافر.

الدليل الرابع:أنه لا ريب في حسن التكليف الاختباري الامتحاني المسمى بالتكليف الابتلائي، بداهة أنه يحسن من المولى أن يختبر عبده لاستكشاف حاله له أو لغيره في طاعته وعصيانه، بل هو واقع في الشرع كما في أمر إبراهيم (ع) بذبح ولده وكما يؤيد ذلك بل يدل عليه قوله تعالى [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ‌] ولا ريب أن الاحكام لو كانت تابعة للصفات القائمة بالأفعال في حد ذاتها ومقصورة عليها لم يحسن ذلك ولم يقع في الشرع.

ودعوى أن في نفس الاختبار والامتحان مصلحة وإن لم يكن في نفس الفعل مصلحة فاسدة فإن الاختبار ليس من مصالح الفعل وإنما هو من مصالح التكليف حيث أنه بموافقته وعدمها يحصل الاختبار ويستكشف حال العبد فهو مما يتفرع على التكليف، وليس التكليف متفرع عليه. فكان هو الموجب لحسن التكليف لا حسن الفعل كما هو مدعى الخصم.


صفحه 16

وجوابه‌أولا:أن كلامنا في التكاليف الحقيقية المقصود منها إيجاد متعلقها فقط كما هو الحال في التكاليف الشرعية الموجودة لدينا.

وثانيا:أنا ندعي الإيجاب الجزئي في رد من قال بالسلب الكلي، وإنه لا شي‌ء من التكاليف بتابع للصفات الكامنة في المأمور به والمنهي عنه، فوجود التكاليف الإبتلائية لا تنافي المدعى.

نعم لو كنا ندعي الإيجاب الكلي وهو أن كل تكليف تابع للصفات الموجودة في الفعل الذي تعلق به لكان السلب الجزئي الموجود في التكليف الابتلائية رداً علينا.

وثالثا:سلمنا ذلك وإن دعوانا الإيجاب الكلي فنقول إن العمل الذي تعلق به التكليف الاختباري لما كان مقدمة للاختبار والاستكشاف الذي هو المطلوب للمولى كان قد عرضت له صفة المقدمية لمطلوب المولى وهي اقتضت التكليف به بنحو المقدمية نظر الفعل المباح إذا كان مقدمة للواجب فإنه تكون قد عرضت له صفة المقدمية تقتضي التكليف به غاية الأمر بنحو المقدمية لمطلوب المولى.

الدليل الخامس:وقوع التكاليف في مورد التقية إذا لم يكن تقية في نفس العمل وإلَّا لو كان في نفس العمل تقية كان المأمور به حسنا لأن الفعل الواقع في مقام الخوف له وجه يوجب حسنه، فإن الحسن والقبح يختلف باختلاف الوجوه والاعتبارات أما إذا لم يكن في العمل تقية، ولكن التكليف صدر تقية، فالمأمور به لم يكن فيه حسن مع أن التكليف حسن وراجح لما فيه من صون الآمر والمأمور من شر العدوان. وجوابه عين الجواب الأول والثاني من الدليل الرابع بل يتأكد في هذا المقام كون‌


صفحه 17

التكليف صوريا حيث لا واقعية له أصلا ولا مراد جداً. وبعبارة أخرى أن أوامر التقية إما أن يكون من جهة كون العمل المأمور به يتقي به كقول (آمين) في الصلاة، فهو لا إشكال في عروض جهة محّسنة له توجب الأمر به، وهي التحرز به عن العدو، وأما أن يكون من جهة كون الأمر يتقي به دون العمل كما لو صدر من الأمام أمر بقول (آمين) في الصلاة أمام السلطان فإنه ليس العمل يتقى به لعدم الصلاة أمام السلطان وإنما كان الأمر بذلك خوفاً من تهمة السلطان له بالتشيع، وفي هذه الصورة لم يكن في البين أمر حقيقي ولا إرادة جدية للعمل وإنما هو أمر صوري.

الدليل السادس:وقوع التكاليف متعلقة بجملة من الأفعال مشروطة بقصد القربة حتى أنها لو تجردت عن قصد القربة تجردت عن وصف الوجوب كالصلاة والحج والصوم والزكاة ونحوها من الأفعال العبادية، فإن هذه الأفعال تعلقت بها الأوامر مع أنها لا صفة حسن فيها وإنما صارت حسنة بعد تعلق التكليف بها حيث أمكن قصد القربة بها، وأما قبله فهي ليست بحسنة حيث لا يمكن قصد القربة بها.

وبعبارة أخرى أن حسن الأعمال العبادية وفوائدها إنما هي متفرعة على قصد الامتثال وقصد الامتثال متفرع على الأمر بها والتكليف بها فلا يعقل أن يكون التكليف بها متفرع على حسنها وإلّا لدار.

وجوابه إنا نلتزم أن بها مصلحة وحسناً يقتضي الأمر بها أمراً عبادياً، فإنه لا ريب في أن كل فعل عبادي في حد ذاته صفة تقتضي ذلك وإلّا لكان الأمر به بعينه وبخصوصيته دون ما عداه ترجيح بلا مرجح.


صفحه 18

ولو تنزلنا عن ذلك فيكون الأمر بها نظير الأمر بأحد أجزاء الواجب لا أنه مثله فإنه يؤمر به لثبوت المصلحة به وبما ينضم إليه شرطاً أو شطراً.

الدليل السابع:الأخبار الدالة على رفع بعض التكاليف عنهم دفعاً للمشقة والكلفة مثل قوله (ص): (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عقيب كل صلاة) فإنه يدل على أن بعض الأفعال مع وجود الحسن الإلزامي فيها الذي يقتضي الأمر بها لا يأمر الشارع بها ولا يكلف أحداً فيها من جهة المشقة، فيظهر أن التكاليف ليست تابعة للصفات الموجودة في الأفعال وإلَّا لما منعت منها المشقة كما لم تمنع من التكليف بالجهاد.

ودعوى أن العسر واليسر من وجوه الفعل واعتباراته فجاز أن يكون العسر في هذا المورد بخصوصه بنحو يوجب قبح الفعل ومفسدته فلا يكون مأمورا به.

مدفوعة بأن ظاهر الرواية أن حصول المشقة كان من نفس التكليف بالعمل والإلزام به لا من الفعل نفسه حتى تكون المشقة من وجوه الفعل واعتباراته الموجبة لقبحه. والجواب عنه:

أولًا:بأن هذا الدليل ظني وهو لا يقاوم ما دل على تبعية الأحكام للصفات والوجوه والاعتبارات.

وثانيا:أنه يمكن أن يكون من قبيل العفو عن عدم إطاعة هذا التكليف من باب الامتنان.


صفحه 19

وثالثا:أن العسر ليس من توابع التكليف فإن الإلزام والتكليف بالعمل هو أمر صادر من الشارع لا يرتبط بالمكلف، وإنما العسر والمشقة والكلفة على العبد حاصلة بالعمل المذكور في كل وقت صلاة فهي من وجوه العمل واعتباراته، وظاهر الرواية أنها في المقام أوجبت قبح الإلزام به.

الدليل الثامن:الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية معللة بعلل لم تطرد في جميع مواردها نظير ما ذكر في تشريع العدة لحفظ الأنساب من الاختلاط مع أن العدة ثابتة حتى مع القطع بعدم النسب أو بعدم الاختلاط كما في المطلّقة المدخول بها دبراً أو مع عدم الإنزال أو الغائب عنها زوجها أو المتروك وطئها مدة الحمل أو غير ذلك، كذا الحال في تشريع غسل الجمعة لرفع رياح الآباط، مع ثبوت استحبابه مع عدمها، وكراهة الصلاة في الحمام لكونه منظنة الرشاش، وفي الأودية لكونها منظنة لمفاجأة السيل مع ثبوتها عند القطع بعدمها إلى غير ذلك. فالفعل في غير موارد العلة خال عن الحسن والفائدة مع اطرّاد الحكم فيه.

والجواب مضافاً إلى أنه لا دليل على انحصار الحسن في مورد العلة فلعل الحكم في غير موردها مستند إلى علة أخرى، والدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال فمضافا إلى ذلك يحتمل لأن يكون المذكور علة لظهور الحكم وإبرازه كما هو الحال في علل نزول الآيات القرآنية، وليست هي بعلل إلى الأحكام وإلَّا لما تخلف الحكم عنها وجودا وعدماً، مضافاً إلى أن ثبوت الفائدة في أغلب الأفراد قد تكون موجبة لحسن‌


صفحه 20

جميعها إذ لو اقتصر على خصوص ما فيه العلة لأدى إلى تفويت الفائدة وحصل الاختلاط والالتباس في كثير من الموارد.

الدليل التاسع:أن الصبي المراهق إذا كان كامل العقل تكون الأفعال الموجود فيها الصفات التي تقتضي حسنها أو قبحها غير واجبة أو محرمة عليه، فقد كانت الأحكام الشرعية في حقه غير تابعة للمصالح والمفاسد الكائنة في الأفعال فلو كان العقل حاكم بالتبعية لحكم في الجميع لأن أحكام العقل غير قابلة للتخصيص.

وجوابه أن عدم ثبوت الأحكام الشرعية في حقه لعله لوجود ما ينكسر به مصالحها ومفاسدها، ولا دليل لنا على عدمه وهذا كاف للرد على هذا الدليل لأن الدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال.

تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

قد اشتهر فيما بين الفقهاء تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، والمراد بالمصالح هو جلب المنفعة، والمراد بالمفاسد هو جلب المضرة. وقد اشترط الفقهاء للأخذ بالمصلحة أن تكون عامة لا خاصة. واستدلوا على ذلك بالاستقراء فإن من تتبع أحكام الشرع رأى أن الأحكام إنما شرعت لسعادة البشرية، والسعادة إنما تكون فيما إذا كانت فيها مصالح الناس ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأنبياء [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمين‌] والرحمة إنما تكون لجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم.


صفحه 21

المقام الثاني‌

في: ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي‌

المقام الثاني الذي تعرض له الفقهاء والأصوليون في مبحث الحسن والقبح هو ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي أعني قاعدة (كلما حكم به العقل حكم به الشرع). والبحث في هذه القاعدة يستدعي تقديم أمور في معناها:

الأمر الأول:أن المراد ب- (العقل‌) هنا هو القوة التي تدرك بها النفس المعارف النظرية من معلوماتها الضرورية وما يصلح حالها ويدبّر شؤونها، وليس المراد به ما ذكره الحكماء من الصادر الأول من ذات واجب الوجود باعتبار أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، ويعبرون عنه بالواجب الثاني ويجعلونه مصدراً لسائر الأشياء وعلتها بأوهامهم الفاسدة وآرائهم الباطلة. والمراد ب- (الحكم‌) هو أعم من الأحكام التكليفية أو الوضعية، كما أن الظاهر أن المراد منه هو الحكم الفعلي في شرط القاعدة وجزائها لأنه هو الظاهر من إطلاق الحكم فيكون معنى القاعدة أنه كلما حكم العقل به فعلا حكم على طبقه الشرع فعلًا.

إن قلت إن الظاهر وإن كان كما ذكرت ولكنه توجد قرائن تصرف الحكم في الجزاء عن ظاهره، وتوجب حمله على الحكم التقديري ويكون معنى القاعدة (كلما حكم به العقل فعلا فهو قد حكم به الشرع تقديراً) بمعنى أن الشارع لو أراد أن يجعل في تلك الواقعة حكماً لجعله على طبق حكم العقل وإن كان فعلًا لم يجعل لها حكماً حتى في اللوح المحفوظ، كما لو قلنا بجواز خلو الواقعة من الحكم الشرعي نظير ما يقطع العبد باستحقاق العقاب لو قتل ابن المولى مع أن المولى لم يصدر منه‌


صفحه 22

نهي عن قتل ولده، بل لم يكن ملتفتاً إلى ذلك لكنه لو أطلع لحكم باستحقاق العقاب على ذلك بقرينة أنه لو أردنا به الفعلي لا يتمشى مع القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، لأنه على هذا التقدير يكون العقل قد حكم بدون أن يحكم الشرع.

قلنا إنا لو حملنا القاعدة على هذا المعنى لم تصلح لأن يستدل بها على الحكم الشرعي بواسطة حكم العقل بالحسن أو القبح مع أن القوم لا يزالون يستدلون بها على ذلك. وأما ما ذكر من القرينة فإن القوم قد جعلوا من ثمرات هذه القاعدة هو المنع من القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم فكيف بجعل ذلك قرينة على إرادة ما يتمشى معه فيها.

مضافاً إلى أن الأدلة التي أقاموها على هذه القاعدة نوعها يثبت ملازمة الحكم الشرعي الفعلي لحكم العقل الفعلي. فلا وجه للخروج عن ظاهرها وهو انه كلما حكم به العقل فعلًا فقد حكم به الشرع فعلًا. كما أنه لا وجه لحمل العقل فيها على الواقع ونفس الأمر بأن يكون المراد منها أنه كلما كان له في الواقع ونفس الأمر جهة مقتضية للحكم فقد حكم به الشرع سواء وصل إلينا أم لم يصل.

ووجه ذلك واضح لأنه لا تصلح للاستدلال بها على الحكم الشرعي إلا بضم مقدمة وهي أنه إذا أدركت تلك الجهة يدرك الحكم الشرعي فيعود الأمر إلى المعنى الذي ذكرناه بأبعد خط مع أن ظاهر كلماتهم الاستدلال بها بنفسها دون ضم شي‌ء إليها فلا بد من أن يجعل معناها. والمراد ب- (الملازمة) بينهما هل بمعنى التطابق والتوافق أو بمعنى‌