وخامسهما:التفاوت بالعموم والخصوص من وجه كذكر أحدهما في الغناء أنه مد الصوت مع الطرب، والآخر مد الصوت مع الترجيع، وقد تجتمع الأقسام والحكم يعلم من ذلك، ومع ذلك كله فإما أن يصرح كل منهما بنفي الآخر أو نفي ما عدا ما ذكره في كتابه أو سكت عن ذلك، وعلى تقديره فإما أن يطلع على ما ذكره غيره ولم يلتفت إليه أو لم يطّلع فنقول: إن كان التفاوت بالقلة والكثرة بالاستقلال فالمعنى المتفق عليه ثابت وأما الآخر فإن كان الساكت نفاه فهو التعارض الآتي أحكامه وإن سكت عنه مع إطلاعه عليه فيحتمل القول بأن هذا بمنزلة النفي إذ لو كان حقاً لذكره بعد إطلاعه فالسكوت بيان لعدم كونه بهذا المعنى، ويحتمل أن يقال إنه كما لم يطلع فإن فيه أيضاً وجهين:
الوجه الأول:أن يقال بأن عدم الذكر دال العدم من جهة أن بناء أهل اللغة على حصر المعاني والاستعمالات ونفي ما عداها لا مجرد إثبات ما علم عنده وإن كان هناك معان أخرى، إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.
الوجه الثاني:أن يقال: إن ذلك يفيد الحصر فيما أطلع عليه، فعدم الذكر يدل على أنه لم يقف عليه في إستعمال العرب ولا ينافيه إطلاع غيره على غيره. والحق هو الوجه الثاني إذ عدم الذكر أعمّ من النفي لجواز كونه لعدم وقوفه عليه، أو عدم ثبوته عنده، والعام لا يدل على الخاص فإذا لم يدل على ذلك فالمثبت في هاتين الصورتين سليم عن المعارض فيقبل وإن كان بدخول الأقل في الأكثر فهل يؤخذ هنا الأقل لأنه متيقن من المعنيين أو لا؟ وجهان أو الوجه الثاني إذ ليس هنا بين
المعنيين متيقن في المفهوم الذي هو ميزان الوضع وليس هذا إلّا كالتباين حقيقة وإن كان بالتباين فمع نفي كل منهما الآخر يقع التعارض ويأتي حكم مع إطلاع أو بدونه، فالأقوى ثبوت المعنيين معاً لما قرر أن السكوت غير نافٍ فكل منهما مخبر بلا معارض وإن كان بالعموم مطلقاً فربما يتوهم كون هذا التعارض مثل الأخبار فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال أحدهما: إن الغناء هو مد الصوت، وقال آخر: مد الصوت مع الترجيع، وقال ثالث: مع الطرب أيضاً، نقول: إن الغناء عبارة عن مد الصوت مع الترجيع المطرب. وهذا توهم فاسد أما:
أولًا:فلأن الإطلاق والتقييد فرع كون المطلق غير نافٍ للمقيد ولقائل أن يقول إن الإطلاق في مقام التعريف غير الإطلاق في مقام الحكم فمن قال إنه مدّ الصوت هو ذلك ليس غير فهذا أيضاً مقيد بالعدم فكيف يجعل هذا مطلقاً؟
لا يقال إنك ذكرت أن السكوت غير دال على النفي فلعله لم يطلع عليه.
قلت هذا في المعنيين حق وأما المعنى الواحد فالظاهر كون ما ذكره تمام المعنى.
فإن قلت تفسير أهل اللغة بالأعم كثير غالب فيكون التفسير قرينة على إرادة الأخص منه.
قلت التفسير بالأخص أيضاً كثير فيكون ذكر الأعم في القول الآخر قرينة على إرادة الأعم، فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح.
وأما ثانياً:فلأن مبنى التقييد فهم العرف وذلك إنما هو في كلام الشخص الواحد وما هو في حكم الواحد ككلام الله ورسوله وأمنائه لإطلاع كل منهم بما اطلع عليه الآخر وبينّه بأي نحو كان، والفرض أن الحكم في الواقع واحد والمراد متحد. وأما تقييد كلام المصنفين بعضهم ببعض فهذا من الأوهام العجيبة بل أنا نمنع من تقييد كلام المصنف الواحد في مقامين بعضه ببعض بل نجعله عدولًا عن المعنى الأول.
وأما ثالثاً:فلأن مبنى التقييد العلم باتحاد التكليف ومع إمكان كونهما تكليفين فلا وجه للتقييد. فنقول هنا إن إحتمال الوضع للمطلق والمقيد قائم بل ظاهر كلام الناقلين ذلك فحمل إطلاق احدهما على الآخر خال عن وجه مع ما في هذا الكلام من الضعف من وجوه أخرى أيضاً. فإذا لم يجز التقييد فيكونان معينين متكافئين كصورة التباين فإن كان أحدهما نفى الآخر فهو تعارض وإلّا فمقتضى ما قررناه الأخذ بهما معا لأنهما ناقلان عن الوضع ولا معارض لشيء منهما وإن كان بالعموم من وجه فقد يقال بالأخذ بمادة الاجتماع ومرجعه تقييد كل من الكلامين بالآخر فيلزم من ذلك مثلًا اعتبار الطرب والترجيع كليهما في معنى الغناء في المثال المتقدم والوجه فيه أيضاً نظير ما مر في الإطلاق والتقييد من جهة واحدة من أصالة عدم الاشتراك وكون المقيد المتيقن وشيوع التفسير بالأعم في كلامهم.
والجواب يعيّنه ما مرّ من إندفاع الأصل بظاهر النقل وعدم وجود المتيقن في عالم المفهوم الذي هو مرجع التعاريف والمتيقن في الوجود لا دخل له في التحديد.
نعم ثمرته في التكاليف وكما أنهم يفسرون بالأعم يفسرون بالأخص أيضاً والتقييد مع احتمال التعدد وظهوره وكونه في كلام أشخاص متعددين وظهور كلام كل منهما في نفي الآخر على وجه قررناه لا وجه له فيكون هذا كصورة التباين في تحقق التعارض مع النفي لكل منهما الآخر واقتضاء القاعدة اعتبار المعنيين معاً بدونه على حسب ما قررناه في نظيره، وأما صورة التعارض الذي ذكرناه في هذه الفروض أو غير ما ذكرناه أيضاً بناء على إنحلال إختلاف اللغوين مطلقاً على التعارض بدعوى كون عدم الذكر دالًا على إرادة العدم سيما مع إطلاعه على ما ذكره غيره وسكوته عنه في وجه تقدم ففيه وجوه:
الوجه الأول:تقديم المثبت على النافي فأخذ ما أثبته كل منهما وعدم الإلتفات إلى نفيه فينحل المعنى إلى الإشتراك في صورة التعارض في الصور الخمسة، ووجه تقديمه عليه إما لعدم قبول الشهادة على النفي كما في باب الدعاوى والحكومات، وأما من جهة إنحلاله على قوله لا أدري وإن قال أدري لا، فإنه بعد الدقة ينحل إلى عدم العلم فتدبر فلا يعارض كلام المثبت إذ عدم علمه لا ينافي علم غيره.
وأما من جهة عدم مقاومة قوله مع قول المثبت في حصول الظن إذ احتمال خطأ المثبت بعيد جداً واحتمال عدم احتمال النافي قريب من العقل والعادة، فالظن بالإثبات أكثر من النفي، وأما من جهة أن كلام النافي مقرر للأصل فيكون كالمنكر وكلام المثبت مخرج عنه فيكون كالمؤسس المدعي، ولا ريب أن كلام المثبت في الحجية كالبينة، ولا ريب أن بيّنة المدعي مقدّمة في صورة التعارض فلا تذهل.
الوجه الثاني:أخذ القدر المشترك بين المعنيين إن كان بينهما قدر مشترك نفياً لكل من الخصوصيتين بإنكار الآخر وأخذاً للقدر المشترك المتيقن من كلاميهما وإن لم يكن هناك قدر مشترك فيقدم قول المثبت.
الوجه الثالث:العمل على التراجيح المذكورة في باب الأخبار والبينات.
فمنهاالتعدد فيقدّم المتعدد على الواحد والأكثر على الأقل.
ومنهاالضبط فيقدم الأضبط على غيره.
ومنهاالعدالة والوثوق، فإن الأوثق يقدم على غيره.
ومنهاالعلم وكثرة التتبع فيقدم الأعلم على غيره.
ومنهاالشهرة فيقدم ما هو المشتهر بين أهل اللغة ونحو ذلك من الإمارات الموجبة للترجيح، ومع فقد التراجيح فالتوقف ورمي اللفظ بالإجمال لعدم وضوح معناه.
والتحقيق أن يقال إن الحق كما قررناه في علم الأصول، أن الرجوع إلى كلمة أهل اللغة في الموضوع المستنبط ليس من باب التعبد المحض كالبينة بل حجية كلامهم إنما هو للكشف عن الواقع وحصول الظن منهم بذلك، وحيث أن باب العلم لنا في هذه الموضوعات المشتبهة منسد غالباً فلا بأس بالعمل بالظن، وإنكار جماعة من المقاربين لعصرنا ذلك بناء على إنفتاح باب العلم في الموضوع المستنبط غير مسموع إذ ليس هنا كلام يوجب لنا القطع في شيء من ذلك. نعم يمكن القول بأن سد باب العلم فرع عدم إمكان الاستكشاف بالعرف بالإمارة المجعولة الكاشفة عن الحقيقة والمجاز وهو ممكن إلّا في نادر من الألفاظ ويمكن الرجوع في
المشتبهات إلى البراءة من دون لزوم خروج عن الدين أو الاحتياط من دون لزوم عسر وحرج.
والجواب عن ذلك على حسب ما قررناه في الأصول وفي مقامات من الفقه أن نفس اللفظ من حيث هو وإن لم ينسد فيها باب العلم لكن الأحكام قد أنسد فيها باب العلم غالبا كما هو مسلم المنكر هنا فكون الظن بالحكم من الدليل حجة في الحكم كافٍ في إثبات حجية الظن باللفظ لا من حيث نفسها بل لأنه مؤدٍ إلى الظن بالحكم مثلًا إختلاف اللغوين في معنى الصعيد يوجب الشك في جواز التيمم بالحجر والرمل، فإذا حصل الظن بأن معنى الصعيد هو مطلق وجه الأرض حصل الظن بجواز التيمم بهما من هذا الدليل فيتبع وهذا القدر كاف في المرام إذ شأن الفقيه المبالغة في فهم الألفاظ للثمرات الحكمية الفقهية، ونظير هذا الكلام نذكره في الموضوع الصرف مع أشتباه العرف بالنظر إلى ظن المقلد على إشكال قوي وإلى حكم الحاكم في وجه قوي وتمام الكلام في باب الولايات فانتظر فعلى هذا فالمتتبع ظن الفقيه سواء أكان بالتراجيح المذكورة أم بموافقة الأصل أم بمخالفته على الوجهين أم بمسألة الإثبات والنفي والوجوه المذكورة فيه أو قرائن خاصة آخر.
ومنهافتوى الأصحاب على طبق أحد المعاني على الوجه الأقوى فإنهم أربط بمعاني الألفاظ وفهم الدليل من غيرهم وإن كان في كمال دقة النظر لقاعدة التأييد واللطف المقرر في مسألة الإجماع، وأما مع عدم حصول الظن بأحد المعاني، فالذي أراه عدم التعبد بشيء من التراجيح وإن قلنا به في الأخبار والبينات لنص أو إجماع إذ لا دليل على جريانها
هنا وليس ورودها في مطلق الخبر حتى يندرج المقام تحتها، ولا وجه لتقديم قول المثبت أيضاً تعبداً، والوجوه الماضية لا تصلح لإثبات التعبد في ذلك. نعم لو حصل الظن المتبع ولم نقف على دليل متين يفيد حجية قول أهل اللغة تعبداً، وليس في الباب إلّا إنحصار الطريق مثلًا في كلامهم وقد عرفت أنه ليس كذلك لأن العرف ينقح أغلب الموضوعات بقوة الإمارات وفي مقام الانحصار أيضاً لم يقم دليل قطعي على التعبد بمعنى اللفظ ولو مع هذا الاشتباه حتى يلتجأ إلى كلامهم تعبّداً اضطراراً وإجماع الأصحاب ووفاقهم على العمل بكلامهم خلفاً وسلفاً لم يثبت في غير صورة حصول الظن ونحن نقول بذلك وأخذ القدر المشترك طرح للكلاميين معاً يرده الوجوه الماضية في مسألة التقييد وزيادة فالمعتمد بعد ذلك الرجوع إلى الأصل الحكمي بحسب مقاماته من اشتغال أو براءة بتقريب أن المتيقن من التكليف أو المسقط هذا المعلوم من أهل اللغة وأما المشكوك بالتعارض فلا شيء لنا يثبت الموضوع حتى نقبله، وليس فيه أصل منقح ففي مقام الحكم يرجع إلى الأصل ومن ذلك حكمنا في الغناء باعتبار مد الصوت مع الترجيع والطرب مع إختلاف كلمة اللغويين بإطلاق وتقييد مطلقاً أو من وجه وبالتباين في بعض الفروض فرجعنا في غير الفرد الملخص من كلامهم إلى أصلة البراءة من التحريم لا من قاعدة التقييد والإطلاق إذ قد أبطلناها فيما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا ما اقتضاه الحال في بسط المقال على سبيل التشوش والاستعجال.
أول الأحكام الثابتة على المكلف
اختلفوا في أول ما يجب على المكلف فقالأبو الحسن الأشعري ومعتزلة بغدادهو معرفة الله تعالى لكونها يتفرع عليها وجوب الواجبات، وورد ذلك في كلام أمير المؤمنين ( (ع): (أول الدين معرفته). وقالالسيد المرتضى وابن نوبخت ومعتزلة البصرة وأبو إسحاق الاسفرائيني:إن الواجب الأول هو النظر في معرفة الله تعالى، لأنه مقدمة للمعرفة. وقالالقاضي وإمام الحرمينهو القصد إلى النظر لتوقف النظر على القصد إليه. وقالأبو هاشم: إن الواجب الأول هو الشك في وجود الله تعالى، ونسب أيضاً إلىإمام الحرمينولعلهم يريدون بذلك التشكيك، لأن الشك حالة وجدانية غير إختيارية. والحق أنه إن أريد بأول الأحكام على حد تعبير بعضهم أو أول الواجبات كما هو المحرر في كتب العقائد هو أول الواجبات المقصودة بالذات التي وجوبها يكون مطلقاً أعم من الواجبات الشرعية والعقلية. فالمعرفة هي أول الواجبات العقلية التي حكم بها العقل، وإن أريد الأعم من الواجبات الغيرية فالقصد إلى النظر أو التشكيك يكون هو أول الواجبات لكن مبناه على وجوب مقدمة الواجب. ثم أن المراد بالأولية إن كان هو الأولية الذاتية الراجعة إلى التقدم بالذات على سائر الواجبات بحيث يكون وجوب سائر الواجبات بواسطته، فإن ملاك التقدم بالذات في شيء هو اتصافه بذلك الشيء بالذات، والمتأخر عنه متصف بذلك الشيء بواسطته فتكون المعرفة واجبة بالذات، والواجبات الأخرى متصفة بالوجوب بواسطتها وهو غير صحيح لأنه يلزمه إنه لو إنعدمت المعرفة لم يجب شيء من الواجبات ويكون الملحدون غير مكلفين بالفروع لإنعدام المعرفة منهم.
وإن كان المراد بالأولية هو الأولية والتقدم بالأهمية فلا ريب أن المعرفة هي أهم الواجبات، وإن كان المراد بالأولية هي الأولية الزمانية والتقدم بالزمان فالأول هو القصد إلى النظر بل التشكيك في وجود الله تعالى إن كان المراد بالواجبات أعم من الواجبات الغيرية والتبعية وإلّا لو كان المراد بها الواجبات المطلقة المطلوبة بالذات فالواجب المطلق المطلوب بالذات الأول زماناً هو المعرفة لأن العبد أول ما يكلف بالشهادتين.
لا يقال النظر متوقف على الجهل البسيط بالمطلوب إذ مع المعرفة وعدم الجهل يمتنع النظر لأنه طلب للحاصل فيلزم تحصيل الحاصل فينبغي أن يكون الجهل هو أول الواجبات.
لأنا نقول إن الجهل ليس بمقدور فلا يعقل أن يكون مطلوباً بل هو حاصل قبل القدرة والإرادة للنظر فهو نظير عدم الواجب فكما أن عدم الواجب ليس بمقدمة للواجب، فكذلك الجهل هو عدم المعرفة فلا يعقل أن يكون مقدمة لها لأنه ضدها.
والحاصل أن إعدام الأشياء لا تكون مقدمة لها، ولا مقدمة لمقدماتها وإلّا لزم توقف الشيء على عدمه.
وقالأبو هاشم: إن أول الواجبات هو الشك لتوقف القصد إلى النظر على الشك إذ المطلوب بالنظر لا يصح أن يكون معلوماً لاستحالة طلب الحاصل، ولا مجهولًا لاستحالة توجه النفس نحو ما لا شعوراً لها به، فلا بد من أن يكون معلوماً ببعض الاعتبارات ومشكوكاً في تحققه وبثبوته حتى يطلب بالنظر والدليل معرفته، ولذا قيل في النظر حركتان الحركة الأولى هي من المطلب بأن تتصور فيما نحن فيه الموضوع والمحمول