هنا وليس ورودها في مطلق الخبر حتى يندرج المقام تحتها، ولا وجه لتقديم قول المثبت أيضاً تعبداً، والوجوه الماضية لا تصلح لإثبات التعبد في ذلك. نعم لو حصل الظن المتبع ولم نقف على دليل متين يفيد حجية قول أهل اللغة تعبداً، وليس في الباب إلّا إنحصار الطريق مثلًا في كلامهم وقد عرفت أنه ليس كذلك لأن العرف ينقح أغلب الموضوعات بقوة الإمارات وفي مقام الانحصار أيضاً لم يقم دليل قطعي على التعبد بمعنى اللفظ ولو مع هذا الاشتباه حتى يلتجأ إلى كلامهم تعبّداً اضطراراً وإجماع الأصحاب ووفاقهم على العمل بكلامهم خلفاً وسلفاً لم يثبت في غير صورة حصول الظن ونحن نقول بذلك وأخذ القدر المشترك طرح للكلاميين معاً يرده الوجوه الماضية في مسألة التقييد وزيادة فالمعتمد بعد ذلك الرجوع إلى الأصل الحكمي بحسب مقاماته من اشتغال أو براءة بتقريب أن المتيقن من التكليف أو المسقط هذا المعلوم من أهل اللغة وأما المشكوك بالتعارض فلا شيء لنا يثبت الموضوع حتى نقبله، وليس فيه أصل منقح ففي مقام الحكم يرجع إلى الأصل ومن ذلك حكمنا في الغناء باعتبار مد الصوت مع الترجيع والطرب مع إختلاف كلمة اللغويين بإطلاق وتقييد مطلقاً أو من وجه وبالتباين في بعض الفروض فرجعنا في غير الفرد الملخص من كلامهم إلى أصلة البراءة من التحريم لا من قاعدة التقييد والإطلاق إذ قد أبطلناها فيما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا ما اقتضاه الحال في بسط المقال على سبيل التشوش والاستعجال.
أول الأحكام الثابتة على المكلف
اختلفوا في أول ما يجب على المكلف فقالأبو الحسن الأشعري ومعتزلة بغدادهو معرفة الله تعالى لكونها يتفرع عليها وجوب الواجبات، وورد ذلك في كلام أمير المؤمنين ( (ع): (أول الدين معرفته). وقالالسيد المرتضى وابن نوبخت ومعتزلة البصرة وأبو إسحاق الاسفرائيني:إن الواجب الأول هو النظر في معرفة الله تعالى، لأنه مقدمة للمعرفة. وقالالقاضي وإمام الحرمينهو القصد إلى النظر لتوقف النظر على القصد إليه. وقالأبو هاشم: إن الواجب الأول هو الشك في وجود الله تعالى، ونسب أيضاً إلىإمام الحرمينولعلهم يريدون بذلك التشكيك، لأن الشك حالة وجدانية غير إختيارية. والحق أنه إن أريد بأول الأحكام على حد تعبير بعضهم أو أول الواجبات كما هو المحرر في كتب العقائد هو أول الواجبات المقصودة بالذات التي وجوبها يكون مطلقاً أعم من الواجبات الشرعية والعقلية. فالمعرفة هي أول الواجبات العقلية التي حكم بها العقل، وإن أريد الأعم من الواجبات الغيرية فالقصد إلى النظر أو التشكيك يكون هو أول الواجبات لكن مبناه على وجوب مقدمة الواجب. ثم أن المراد بالأولية إن كان هو الأولية الذاتية الراجعة إلى التقدم بالذات على سائر الواجبات بحيث يكون وجوب سائر الواجبات بواسطته، فإن ملاك التقدم بالذات في شيء هو اتصافه بذلك الشيء بالذات، والمتأخر عنه متصف بذلك الشيء بواسطته فتكون المعرفة واجبة بالذات، والواجبات الأخرى متصفة بالوجوب بواسطتها وهو غير صحيح لأنه يلزمه إنه لو إنعدمت المعرفة لم يجب شيء من الواجبات ويكون الملحدون غير مكلفين بالفروع لإنعدام المعرفة منهم.
وإن كان المراد بالأولية هو الأولية والتقدم بالأهمية فلا ريب أن المعرفة هي أهم الواجبات، وإن كان المراد بالأولية هي الأولية الزمانية والتقدم بالزمان فالأول هو القصد إلى النظر بل التشكيك في وجود الله تعالى إن كان المراد بالواجبات أعم من الواجبات الغيرية والتبعية وإلّا لو كان المراد بها الواجبات المطلقة المطلوبة بالذات فالواجب المطلق المطلوب بالذات الأول زماناً هو المعرفة لأن العبد أول ما يكلف بالشهادتين.
لا يقال النظر متوقف على الجهل البسيط بالمطلوب إذ مع المعرفة وعدم الجهل يمتنع النظر لأنه طلب للحاصل فيلزم تحصيل الحاصل فينبغي أن يكون الجهل هو أول الواجبات.
لأنا نقول إن الجهل ليس بمقدور فلا يعقل أن يكون مطلوباً بل هو حاصل قبل القدرة والإرادة للنظر فهو نظير عدم الواجب فكما أن عدم الواجب ليس بمقدمة للواجب، فكذلك الجهل هو عدم المعرفة فلا يعقل أن يكون مقدمة لها لأنه ضدها.
والحاصل أن إعدام الأشياء لا تكون مقدمة لها، ولا مقدمة لمقدماتها وإلّا لزم توقف الشيء على عدمه.
وقالأبو هاشم: إن أول الواجبات هو الشك لتوقف القصد إلى النظر على الشك إذ المطلوب بالنظر لا يصح أن يكون معلوماً لاستحالة طلب الحاصل، ولا مجهولًا لاستحالة توجه النفس نحو ما لا شعوراً لها به، فلا بد من أن يكون معلوماً ببعض الاعتبارات ومشكوكاً في تحققه وبثبوته حتى يطلب بالنظر والدليل معرفته، ولذا قيل في النظر حركتان الحركة الأولى هي من المطلب بأن تتصور فيما نحن فيه الموضوع والمحمول
والنسبة والشك في تحقيقها ثم يرتب المقدمات الموصلة لمعرفة تحقق النسبة أو عدمها. والحركة الأخرى هي من المقدمات التي رتبها لتحصيل المطلوب إلى المطلوب ورد بوجهين:
أحدهما:أن الشك ليس بمقدور لكونه من الكيفيات كالعلم وإنما المقدور تحصيل الشك أو إستدامته بأن يحل تصور الطرفين ويترك النظر في النسبة ولا شيء منهما بمقدمة.
ودعوى المواقف بأنه لو لم يكن مقدوراً لم يكن العلم مقدوراً لأنه ضده ونسبة القدرة إلى الضدين على السواء فاسدة بما اعترف به من أن العلم ليس بمقدور وإنما المقدور تحصيله بمباشرة أسبابه.
وثانيهما:أن وجوب النظر والمعرفة مقيد بالشك لما سبق من إنه لا إمعان للنظر بدونه فهو لا يكون مقدمة للواجب المطلق بل شرط لوجوبه كالنصاب للزكاة والاستطاعة للحج فلا يجب تحصيله أو لما كان إيجاب المعرفة هو إيجاب النظر. قال فيالمواقفإن وجوب المعرفة مقيد بالشك وإلّا فالقول بوجوب الشك إنما يبنى على كونه مقدمة للنظر لا للمعرفة. وكلا الوجهين ضعيفان:
الوجه الأول:فلأنهم لا يعنون بمقدورية لكل شيء أن يكون من الأفعال الاختيارية بل أن يتمكن المكلف من تحصيله بأسبابه كالطهارة للصلاة وملك النصاب للزكاة ومعنى وجوب المقدمة هو وجوب تحصيلها.
الوجه الثاني:فلأنه يقتضي أن لا يجب النظر والمعرفة عند الوهم أو الظن أو التقليد أو الجهل المركب وفساده بيّن، اللهم إلّا أن يقال بأنه
مراد الخصم بالشك ما يتناولهما لأن معناه التردد في النسبة إما على استواء وهو الشك المحض أو رجحان لأحد الجانبين، وهو الظن والوهم ودفع إيراد التقليد والجهل المركب بأن الواجب معهما هو النظر في الدليل، ومعرفة وجه دلالته ليؤولا إلى العلم وذلك يستدعي الشك لامتناع النظر والطلب عند الجزم بالمطلوب أو نقيضه. وقد يقال في رد الشك المحض أنه وإن كان مقدمة للنظر الواجب فليس من أسبابه ليكون أيجابه إيجاباً له بمعنى تعلق خطاب الشارع به.
وفيه نظر لأن مقدمة الواجب تجب سواء أكانت سبباً أم غير سبب على أنه من الممكن أن يكون مرادأبي هاشمهو الوجوب العقلي كالنظر لا الوجوب الشرعي. وعليه فيكون ما توقف عليه الواجب واجب عقلًا سواء أكان سبباً أم غيره. والذي فرق بين السبب وغيره في الوجوب المقدمي إنما هو في الوجوب الشرعي لا الوجوب العقلي، كما أن الظاهر إن محل الكلام هنا هو الوجوب العقلي لا الشرعي، لأن وجوب النظر والمعرفة عقلي لا شرعي. نعم يمكن أن يقال إن المقدمة هو التشكيك في الشيء ليطلب النظر فيه لأنه هو الذي يتوقف عليه النظر لا على نفس الشك. ومن تخيل توقف عليه فإنما هو من جهة ملازمته للتشكيك ولكن هذا كله مبني على حرمة التقليد في المعرفة وإلّا فالنظر غير واجب ولا قصده ولا التشكيك فيه واجب.
إن قلت إن القصد للنظر ليس بواجب لأنه لو كان واجباً لكان فعلًا اختيارياً مسبوقاً بقصد آخر، وتنقل الكلام إليه فيلزم الدور أو التسلسل فلا بد من أن يكون فعلًا غير اختياري فلا يتعلق به التكليف. وتوضيح
الإشكال أن القصد للعمل لا يستند إلى قصد آخر سابق عليه وإلّا نقلنا الكلام إليه فيتسلسل ولا يعقل أن يوجد بلا سبب، إذ إنه أمر حادث ولا يعقل ان يوجد بأسباب اختيارية وإلا احتاج حصولها إلى قصد فننقل الكلام إليه، فإذن لا بد من أن يستند إلى أسباب ضرورية غير اختيارية وهي تصور العمل وتصور ملائمته والتصديق بفائدته والشوق إليه وإرادته، فإن هذه الأمور لو كانت أختيارية لأحتاجت إلى إرادة أخرى وقصد آخر وهلم جراً. فيلزم التسلسل أو الانتهاء إليها بنحو يكون حصولها غير اختياري وحيث أنها حادثة فلا بد من أن يكون الموجد لها هو الله تعالى فليست هي بأختيار العبد، وإذا ثبت أن القصد يستند إلى أسباب غير اختيارية لأنه يرجع لإرادة الله تعالى كان غير اختياري فلا يتعلق به الوجوب. وجوابه:
أولًا:بالنقض فإن هذا الإيراد لو تم لما وجد عندنا فعل اختياري لأنه كل فعل اختياري يستند إلى المذكورات، وإن شئت قلت إن الأفعال الاختيارية كلها تحتاج إلى القصد فلو كان القصد غير اختياري لزم أن تكون الأفعال كلها غير اختيارية إلّا أن يلتزم بما التزم به ألاشعري على ما نسبه إليهالشيخ إسماعيلمن أن العبد مختار في فعله ومضطر في إرادته ومشيئته، وهو باطل لأن ما يرجع لغير الاختيار يكون ليس بالاختيار.
وثانياً:بأن القصد اختياري لإمكان صرف النفس عنه كما نصرف أنفسنا عن سائر الملذات التي نشتاق إليها لأنها محرمة.
وفيه أن الصرف إن كان اختيارياً كان يحتاج إلى المبادئ الاختيارية التي من جملتها القصد فننقل الكلام إلى ذلك القصد، فإن كان اختيارياً احتاج إلى قصد آخر فإما يلزم التسلسل أو ينتهي الأمر إلى قصد غير اختياري فتكون هذه القصود المنتهية اليه غير اختيارية لإستنادها إلى مبدأ غير اختياري.
وثالثاً:بالنقض أيضاً بأفعال الله تعالى، فإنه يلزم أن لا يكون مختاراً فيها لأنها تستند إلى إرادته بأي معنى فسرنا الإرادة وهي غير اختيارية وإلا للزم التسلسل أو الانتهاء إلى إرادة ليست بالاختيار.
رابعاً:أن الفاعل المختار له قابلية وقوة على صدور القصد منه وتركه وإنما تلك الأسباب غير اختيارية من تصور الشيء والتصديق بفائدته والشوق إليهما من قبيل الشروط لحصول القصد لا من قبيل العلة التامة له حتى يكون غير اختياري وهو اختياري بذاته لا يحتاج إلى مقدمات الاختيار نظير الضوء هو مضيء بذاته لا يحتاج إلى ضوء آخر، والملح فإنه مالح بذاته ولا يحتاج إلى ملح آخر، فالقصد هو بذاته اختيارية للفاعل المختار ولا يحتاج إلى مقدمات الأختيار نظير العلم بالشيء للنفس فإنه معلوم لها بذاته لا بالعلم به وعلم النفس بالقصد من قبيل العلم الحضوري لأنه أمر نفسي نظير علم الله تعالى بأفعاله، فإن القصد معلول للنفس ومختار لها بالذات لا بالواسطة كيف وكلما بالغير لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، فالأفعال الاختيارية كانت مختارة بواسطة المبادئ المذكورة فلا بد من أن تكون المبادئ المذكورة مختارة بذاتها. فالحق كما حققناه في شرحنا على الكفاية وفي نقد الآراء الأصولية أن
القصد والإرادة والمشيئة هو صادر من العبد مع إمكان عدم صدوره منه وليس العبد مضطراً إليها ويمكن تعلق التكليف به، ويؤكد ذلك ما أشتهر عند الفريقين من قوله (ص): (نية المرء خير من عمله).
إن قلت إن أول الواجبات على المكلف هو الإقرار بالشهادتين لا المعرفة.
قلنا الإقرار بالشهادتين إنما توجب اتصافه بكونه مسلماً وهذا لا ينافي بأن أول واجب عليه بالوجوب الذاتي أو الغيري هو المعرفة، فإنه على كل مكلف قبل كل شيء هو المعرفة والتدين بحكم عقله، فالتحقيق أن المكلف إن كان عالماً وعارفاً بأصول الدين لا عن دليل وجب عليه تحصيل الدليل والنظر إن قلنا بحرمة التقليد ووجوب المعرفة عن نظر ودليل وإلّا فلا يجب عليه ذلك، وإن لم يكن عالماً وجب عليه تحصيل المعرفة، أما بالنظر أو بالتقليد ونحوه إن جوزنا ذلك.
الأسماء والأحكام
لا زالت هذه الكلمة ترد على ألسنة بعض المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين فيقولون هذا المطلب قد قرر في مبحث الأسماء والأحكام ويعنون بذلك المبحث الذي يشتمل على أسامي المكلفين في المدح مثل المؤمن والمسلم والولي والتقي والصالح وفي الذم مثل الكافر والفاسق والمنافق والضال. ويعنون بالأحكام ما لكل من المتصفين بهذه العنوانات من الأحكام في الآخرة من الثواب والعقاب وكيفتهما.
الواجبات السمعية ألطاف في الواجبات العقلية
المشهور بين العدلية أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية. قالالمحقق الثاني في جامع المقاصدفي بيان نية الوجه للوجوب
والندب في الوضوء: (إن المراد بوجه الوجوب والندب السبب الباعث على إيجاب الواجب وندب المندوب فهو على ما قرره جمهورالعدلية من الإمامية والمعتزلةأن السمعيات ألطاف في العقليات، ومعناه أن الواجب السمعي مقرب من الواجب العقلي، أي امتثاله باعث على امتثاله فإن من امتثل الواجبات السمعية كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقلية من غيره، ولا معنى للطف إلّا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة وكذا الندب السمعي مقرب من الندب العقلي أو مؤكداً لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللطف والزيادة في الواجب لا تمتنع أن تكون ندباً، ولا نعني أن اللطف في العقليات ينحصر في السمعيات، فإن النبوة والإمامة ووجود العلماء والوعد والوعيد وجميع الآلام تصلح للألطاف فيها وإنما هي نوع من الألطاف.
وقد اختلفت كلمة المتأخرين في المراد من الواجبات العقلية فقد نسبللشيخ الأنصاريفي مجلس درسه بأن المراد منها هو شكر المنعم وقرّبه بأن شكر المنعم واجب عقلي واللطف هو المقرب لحصول الشيء لا على حد الإلزام ولم تكن القدرة على الشيء موقوفة عليه، ومن المعلوم إن الواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة تقرب إلى حصول شكر المنعم لأن النفس بإتيانها الواجبات الشرعية يصفي جوهرها ويحصل لها كمالها، فيكون صدور الواجب العقلي وهو شكر المنعم قريب منها سهل عليها. ولا يخفى ما في هذا التفسير، فإن من نفس الواجبات الشرعية الشكر للمنعم فإن الحمد والثناء على الله تعالى الذي أمرنا به في الصلاة وقصد التقرب المطلوب لنا من الله تعالى في كل العبادات لون من ألوان