بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 166

مراد الخصم بالشك ما يتناولهما لأن معناه التردد في النسبة إما على استواء وهو الشك المحض أو رجحان لأحد الجانبين، وهو الظن والوهم ودفع إيراد التقليد والجهل المركب بأن الواجب معهما هو النظر في الدليل، ومعرفة وجه دلالته ليؤولا إلى العلم وذلك يستدعي الشك لامتناع النظر والطلب عند الجزم بالمطلوب أو نقيضه. وقد يقال في رد الشك المحض أنه وإن كان مقدمة للنظر الواجب فليس من أسبابه ليكون أيجابه إيجاباً له بمعنى تعلق خطاب الشارع به.

وفيه نظر لأن مقدمة الواجب تجب سواء أكانت سبباً أم غير سبب على أنه من الممكن أن يكون مرادأبي هاشم‌هو الوجوب العقلي كالنظر لا الوجوب الشرعي. وعليه فيكون ما توقف عليه الواجب واجب عقلًا سواء أكان سبباً أم غيره. والذي فرق بين السبب وغيره في الوجوب المقدمي إنما هو في الوجوب الشرعي لا الوجوب العقلي، كما أن الظاهر إن محل الكلام هنا هو الوجوب العقلي لا الشرعي، لأن وجوب النظر والمعرفة عقلي لا شرعي. نعم يمكن أن يقال إن المقدمة هو التشكيك في الشي‌ء ليطلب النظر فيه لأنه هو الذي يتوقف عليه النظر لا على نفس الشك. ومن تخيل توقف عليه فإنما هو من جهة ملازمته للتشكيك ولكن هذا كله مبني على حرمة التقليد في المعرفة وإلّا فالنظر غير واجب ولا قصده ولا التشكيك فيه واجب.

إن قلت إن القصد للنظر ليس بواجب لأنه لو كان واجباً لكان فعلًا اختيارياً مسبوقاً بقصد آخر، وتنقل الكلام إليه فيلزم الدور أو التسلسل فلا بد من أن يكون فعلًا غير اختياري فلا يتعلق به التكليف. وتوضيح‌


صفحه 167

الإشكال أن القصد للعمل لا يستند إلى قصد آخر سابق عليه وإلّا نقلنا الكلام إليه فيتسلسل ولا يعقل أن يوجد بلا سبب، إذ إنه أمر حادث ولا يعقل ان يوجد بأسباب اختيارية وإلا احتاج حصولها إلى قصد فننقل الكلام إليه، فإذن لا بد من أن يستند إلى أسباب ضرورية غير اختيارية وهي تصور العمل وتصور ملائمته والتصديق بفائدته والشوق إليه وإرادته، فإن هذه الأمور لو كانت أختيارية لأحتاجت إلى إرادة أخرى وقصد آخر وهلم جراً. فيلزم التسلسل أو الانتهاء إليها بنحو يكون حصولها غير اختياري وحيث أنها حادثة فلا بد من أن يكون الموجد لها هو الله تعالى فليست هي بأختيار العبد، وإذا ثبت أن القصد يستند إلى أسباب غير اختيارية لأنه يرجع لإرادة الله تعالى كان غير اختياري فلا يتعلق به الوجوب. وجوابه:

أولًا:بالنقض فإن هذا الإيراد لو تم لما وجد عندنا فعل اختياري لأنه كل فعل اختياري يستند إلى المذكورات، وإن شئت قلت إن الأفعال الاختيارية كلها تحتاج إلى القصد فلو كان القصد غير اختياري لزم أن تكون الأفعال كلها غير اختيارية إلّا أن يلتزم بما التزم به ألاشعري على ما نسبه إليه‌الشيخ إسماعيل‌من أن العبد مختار في فعله ومضطر في إرادته ومشيئته، وهو باطل لأن ما يرجع لغير الاختيار يكون ليس بالاختيار.

وثانياً:بأن القصد اختياري لإمكان صرف النفس عنه كما نصرف أنفسنا عن سائر الملذات التي نشتاق إليها لأنها محرمة.


صفحه 168

وفيه أن الصرف إن كان اختيارياً كان يحتاج إلى المبادئ الاختيارية التي من جملتها القصد فننقل الكلام إلى ذلك القصد، فإن كان اختيارياً احتاج إلى قصد آخر فإما يلزم التسلسل أو ينتهي الأمر إلى قصد غير اختياري فتكون هذه القصود المنتهية اليه غير اختيارية لإستنادها إلى مبدأ غير اختياري.

وثالثاً:بالنقض أيضاً بأفعال الله تعالى، فإنه يلزم أن لا يكون مختاراً فيها لأنها تستند إلى إرادته بأي معنى فسرنا الإرادة وهي غير اختيارية وإلا للزم التسلسل أو الانتهاء إلى إرادة ليست بالاختيار.

رابعاً:أن الفاعل المختار له قابلية وقوة على صدور القصد منه وتركه وإنما تلك الأسباب غير اختيارية من تصور الشي‌ء والتصديق بفائدته والشوق إليهما من قبيل الشروط لحصول القصد لا من قبيل العلة التامة له حتى يكون غير اختياري وهو اختياري بذاته لا يحتاج إلى مقدمات الاختيار نظير الضوء هو مضي‌ء بذاته لا يحتاج إلى ضوء آخر، والملح فإنه مالح بذاته ولا يحتاج إلى ملح آخر، فالقصد هو بذاته اختيارية للفاعل المختار ولا يحتاج إلى مقدمات الأختيار نظير العلم بالشي‌ء للنفس فإنه معلوم لها بذاته لا بالعلم به وعلم النفس بالقصد من قبيل العلم الحضوري لأنه أمر نفسي نظير علم الله تعالى بأفعاله، فإن القصد معلول للنفس ومختار لها بالذات لا بالواسطة كيف وكلما بالغير لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، فالأفعال الاختيارية كانت مختارة بواسطة المبادئ المذكورة فلا بد من أن تكون المبادئ المذكورة مختارة بذاتها. فالحق كما حققناه في شرحنا على الكفاية وفي نقد الآراء الأصولية أن‌


صفحه 169

القصد والإرادة والمشيئة هو صادر من العبد مع إمكان عدم صدوره منه وليس العبد مضطراً إليها ويمكن تعلق التكليف به، ويؤكد ذلك ما أشتهر عند الفريقين من قوله (ص): (نية المرء خير من عمله‌).

إن قلت إن أول الواجبات على المكلف هو الإقرار بالشهادتين لا المعرفة.

قلنا الإقرار بالشهادتين إنما توجب اتصافه بكونه مسلماً وهذا لا ينافي بأن أول واجب عليه بالوجوب الذاتي أو الغيري هو المعرفة، فإنه على كل مكلف قبل كل شي‌ء هو المعرفة والتدين بحكم عقله، فالتحقيق أن المكلف إن كان عالماً وعارفاً بأصول الدين لا عن دليل وجب عليه تحصيل الدليل والنظر إن قلنا بحرمة التقليد ووجوب المعرفة عن نظر ودليل وإلّا فلا يجب عليه ذلك، وإن لم يكن عالماً وجب عليه تحصيل المعرفة، أما بالنظر أو بالتقليد ونحوه إن جوزنا ذلك.

الأسماء والأحكام‌

لا زالت هذه الكلمة ترد على ألسنة بعض المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين فيقولون هذا المطلب قد قرر في مبحث الأسماء والأحكام ويعنون بذلك المبحث الذي يشتمل على أسامي المكلفين في المدح مثل المؤمن والمسلم والولي والتقي والصالح وفي الذم مثل الكافر والفاسق والمنافق والضال. ويعنون بالأحكام ما لكل من المتصفين بهذه العنوانات من الأحكام في الآخرة من الثواب والعقاب وكيفتهما.

الواجبات السمعية ألطاف في الواجبات العقلية

المشهور بين العدلية أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية. قال‌المحقق الثاني في جامع المقاصدفي بيان نية الوجه للوجوب‌


صفحه 170

والندب في الوضوء: (إن المراد بوجه الوجوب والندب السبب الباعث على إيجاب الواجب وندب المندوب فهو على ما قرره جمهورالعدلية من الإمامية والمعتزلةأن السمعيات ألطاف في العقليات، ومعناه أن الواجب السمعي مقرب من الواجب العقلي، أي امتثاله باعث على امتثاله فإن من امتثل الواجبات السمعية كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقلية من غيره، ولا معنى للطف إلّا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة وكذا الندب السمعي مقرب من الندب العقلي أو مؤكداً لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللطف والزيادة في الواجب لا تمتنع أن تكون ندباً، ولا نعني أن اللطف في العقليات ينحصر في السمعيات، فإن النبوة والإمامة ووجود العلماء والوعد والوعيد وجميع الآلام تصلح للألطاف فيها وإنما هي نوع من الألطاف.

وقد اختلفت كلمة المتأخرين في المراد من الواجبات العقلية فقد نسب‌للشيخ الأنصاري‌في مجلس درسه بأن المراد منها هو شكر المنعم وقرّبه بأن شكر المنعم واجب عقلي واللطف هو المقرب لحصول الشي‌ء لا على حد الإلزام ولم تكن القدرة على الشي‌ء موقوفة عليه، ومن المعلوم إن الواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة تقرب إلى حصول شكر المنعم لأن النفس بإتيانها الواجبات الشرعية يصفي جوهرها ويحصل لها كمالها، فيكون صدور الواجب العقلي وهو شكر المنعم قريب منها سهل عليها. ولا يخفى ما في هذا التفسير، فإن من نفس الواجبات الشرعية الشكر للمنعم فإن الحمد والثناء على الله تعالى الذي أمرنا به في الصلاة وقصد التقرب المطلوب لنا من الله تعالى في كل العبادات لون من ألوان‌


صفحه 171

الشكر ونوع من أنواعه فهو من الواجبات الشرعية بنفسه لا أن الواجبات الشرعية ألطاف فيه. على أنه هذا واجب واحد عقلي لا واجبات متعددة. هذا مضافاً إلى أن من الواجبات الشرعية التوصليات وهي لا تقرب إلى شكر المنعم.

وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة بالعلم بالمعارف العقلية الحقيقة بالأدلة القطعية أعني اليقين بوجود الله وتوحيده والنبوة ونحوها بدعوى أن النفس بإتيان الواجبات الشرعية تبعد عن عالم المادة وتقرب إلى عالم المجردات وحينئذ فيسهل إيمانها بالعقائد العقلية المحضة وتقوي عقيدتها.

ولا يخفى ما فيه لأن تلك الواجبات العقلية تتوقف على حصولها الواجبات الشرعية فهي متقدمة عليها فلو كانت ألطافاً فيها لزم تأخرها عنها. على أن من الواجبات ما هي توصليات فلا تنفع في ذلك، وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة بالواجبات التي يحكم بها العقل من جهة قيام المصلحة الملزمة فيها، فإن العقل يوجب إتيانها فتكون الواجبات الشرعية مقربة لامتثالها والإتيان بها لأنها على طبقها كما هو مسلك‌العدلية. وفيه:

أولًا:لا وجه للتخصيص بالواجبات العقلية ولا بالتكاليف الشرعية بل على هذا مطلق الأحكام الشرعية ألطاف في مطلق الأحكام العقلية، لأن حكم الشرع تابع لحكم العقل في متن الواقع.

ثانيا:أن الأحكام الشرعية على هذا هي عين الأحكام العقلية لا أنها شي‌ء آخر غيرها يكون لطفاً فيها.


صفحه 172

وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة هو دوام التوجه بجميع الإرادات والعزائم نحو المعبود وإقبال النفس عليه حق الإقبال وانجذابها إليه بحيث تكون في حالة الحضور في أغلب الأوقات بحسب القوة البشرية والاستعدادات العقلية، وهذه التكاليف لما كانت مطلوبة بالذات لله تعالى وكان تمام حصولها موقوفاً على التكاليف الشرعية كان وجوبها لطفاً في وجوبها، وبيان لطفيتها فيها هو أنا نعلم بالضرورة أن من داوم على إطاعة الأوامر الشرعية توجهت نفسه وأقبلت على معبودها حق الإقبال لأن إيقاعها مشروط بالتقرب بها إليه، وذلك يقتضي التوجه إليه والقرب المعنوي منه ولهذا قال (ص): (المصلي إذا صلى يناجي ربه‌) فإنه ليس المراد المناجاة البدنية لأنها غير معقولة بل المناجاة المعنوية التي هي التوجه والإقبال.

ولا يخفى ما فيه فإن ذلك ليس بواجب عقلًا بل هو غير مقدور إلّا للأوحدي من الناس فكيف يكون واجباً عقلياً؟ ولو سلمناه فليست الواجبات الشرعية على هذا بعمومها ألطافاً في الواجبات العقلية بل خصوص العبادات منها كما اعترف الخصم.

والحق أن يقال أن مرادالعدليةبالواجبات العقلية هو حفظ نظام العالم الإجتماعي والفردي وإدارة شؤونهم العامة والخاصة وعدم تجاوز كل منهم حدوده على الآخر، ولا شك في أن الواجبات الشرعية العبادية والتوصلية تقرب إلى هذه الواجبات العقلية كما بينا ذلك تفصيلًا في غاية علم الفقة، وإنما فسرنا الواجبات العقلية بذلك لأن هذه الكلمة إنما صدرت من‌العدلية والمعتزلةفي مقام الاستدلال منهم على‌


صفحه 173

وجوب بعثة الأنبياء () ونصب الأولياء. ولا ريب أن الذي اقتضى وجوب البعثة هو ما عرفته من لزوم تدبير العالم الاجتماعي والفردي وحفظ النظام فيهم ورفع مستواهم، وذلك إنما يكون بالواجبات الشرعية التعبدية والتوصلية، فإن بالعمل بها يحصل الفوز بالنشأتين للفرد وللجماعة والسعادة لهما في الدارين، فلا وجه لما ذكر لها من التفاسير الأخر.

الفرق بين علل التشريع وحكمة التشريع‌

ذكر القوم أن الحكم الشرعي إذا ذكرت له جهة مقتضية تارة يكون ملاكاً لتشريعه وتسمى في اصطلاح الفقهاء بحكمة التشريع وملاك التشريع ولا يطرد الحكم باطرادها ولا ينتفي عن موضوعها بانتفائها وأخرى تكون المناط في تشريعه وتسمى في اصطلاح الفقهاء بعلة التشريع والحكم يطرد باطرادها وينعدم بانعدامها والعبارة الجامعة بينهما هي كلمة أسرار التشريع، فإنها تعم حكم التشريع وعلله. وتوضيح الحال وتنقيحه أن علة الحكم هو الأمر الباعث للمولى إلى الحكم منه في الواقعة ولذا عبر عنها بعضهم بالداعي لتشرع الحكم والسبب والمؤثر والمناط وقد سماه بعضهم بالدليل والإمارة باعتبار أنها إنما يوجد الحكم الشرعي بوجودها فتكون دليلًا وإمارة عليه، ولا بد لمن عبر عن العلة بذلك أن يريد أمراً غير موضوع الحكم وإلا فموضوع الحكم أيضاً يتصف بتلك الصفات فعلة الحكم هو معنى قائم بموضوع الحكم أوجب حكم الشارع له فمثلًا النفع والقائد الكائنة في العمل موجبة للأمر به، والمفسدة والضرر الكائنة في العمل موجبة للنهي عنه فتلك المفسدة وتلك الفائدة تكون هي العلة. وإما الحكمة فهي بيان مقتضى التدبير للعالم‌