القصد والإرادة والمشيئة هو صادر من العبد مع إمكان عدم صدوره منه وليس العبد مضطراً إليها ويمكن تعلق التكليف به، ويؤكد ذلك ما أشتهر عند الفريقين من قوله (ص): (نية المرء خير من عمله).
إن قلت إن أول الواجبات على المكلف هو الإقرار بالشهادتين لا المعرفة.
قلنا الإقرار بالشهادتين إنما توجب اتصافه بكونه مسلماً وهذا لا ينافي بأن أول واجب عليه بالوجوب الذاتي أو الغيري هو المعرفة، فإنه على كل مكلف قبل كل شيء هو المعرفة والتدين بحكم عقله، فالتحقيق أن المكلف إن كان عالماً وعارفاً بأصول الدين لا عن دليل وجب عليه تحصيل الدليل والنظر إن قلنا بحرمة التقليد ووجوب المعرفة عن نظر ودليل وإلّا فلا يجب عليه ذلك، وإن لم يكن عالماً وجب عليه تحصيل المعرفة، أما بالنظر أو بالتقليد ونحوه إن جوزنا ذلك.
الأسماء والأحكام
لا زالت هذه الكلمة ترد على ألسنة بعض المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين فيقولون هذا المطلب قد قرر في مبحث الأسماء والأحكام ويعنون بذلك المبحث الذي يشتمل على أسامي المكلفين في المدح مثل المؤمن والمسلم والولي والتقي والصالح وفي الذم مثل الكافر والفاسق والمنافق والضال. ويعنون بالأحكام ما لكل من المتصفين بهذه العنوانات من الأحكام في الآخرة من الثواب والعقاب وكيفتهما.
الواجبات السمعية ألطاف في الواجبات العقلية
المشهور بين العدلية أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية. قالالمحقق الثاني في جامع المقاصدفي بيان نية الوجه للوجوب
والندب في الوضوء: (إن المراد بوجه الوجوب والندب السبب الباعث على إيجاب الواجب وندب المندوب فهو على ما قرره جمهورالعدلية من الإمامية والمعتزلةأن السمعيات ألطاف في العقليات، ومعناه أن الواجب السمعي مقرب من الواجب العقلي، أي امتثاله باعث على امتثاله فإن من امتثل الواجبات السمعية كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقلية من غيره، ولا معنى للطف إلّا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة وكذا الندب السمعي مقرب من الندب العقلي أو مؤكداً لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللطف والزيادة في الواجب لا تمتنع أن تكون ندباً، ولا نعني أن اللطف في العقليات ينحصر في السمعيات، فإن النبوة والإمامة ووجود العلماء والوعد والوعيد وجميع الآلام تصلح للألطاف فيها وإنما هي نوع من الألطاف.
وقد اختلفت كلمة المتأخرين في المراد من الواجبات العقلية فقد نسبللشيخ الأنصاريفي مجلس درسه بأن المراد منها هو شكر المنعم وقرّبه بأن شكر المنعم واجب عقلي واللطف هو المقرب لحصول الشيء لا على حد الإلزام ولم تكن القدرة على الشيء موقوفة عليه، ومن المعلوم إن الواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة تقرب إلى حصول شكر المنعم لأن النفس بإتيانها الواجبات الشرعية يصفي جوهرها ويحصل لها كمالها، فيكون صدور الواجب العقلي وهو شكر المنعم قريب منها سهل عليها. ولا يخفى ما في هذا التفسير، فإن من نفس الواجبات الشرعية الشكر للمنعم فإن الحمد والثناء على الله تعالى الذي أمرنا به في الصلاة وقصد التقرب المطلوب لنا من الله تعالى في كل العبادات لون من ألوان
الشكر ونوع من أنواعه فهو من الواجبات الشرعية بنفسه لا أن الواجبات الشرعية ألطاف فيه. على أنه هذا واجب واحد عقلي لا واجبات متعددة. هذا مضافاً إلى أن من الواجبات الشرعية التوصليات وهي لا تقرب إلى شكر المنعم.
وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة بالعلم بالمعارف العقلية الحقيقة بالأدلة القطعية أعني اليقين بوجود الله وتوحيده والنبوة ونحوها بدعوى أن النفس بإتيان الواجبات الشرعية تبعد عن عالم المادة وتقرب إلى عالم المجردات وحينئذ فيسهل إيمانها بالعقائد العقلية المحضة وتقوي عقيدتها.
ولا يخفى ما فيه لأن تلك الواجبات العقلية تتوقف على حصولها الواجبات الشرعية فهي متقدمة عليها فلو كانت ألطافاً فيها لزم تأخرها عنها. على أن من الواجبات ما هي توصليات فلا تنفع في ذلك، وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة بالواجبات التي يحكم بها العقل من جهة قيام المصلحة الملزمة فيها، فإن العقل يوجب إتيانها فتكون الواجبات الشرعية مقربة لامتثالها والإتيان بها لأنها على طبقها كما هو مسلكالعدلية. وفيه:
أولًا:لا وجه للتخصيص بالواجبات العقلية ولا بالتكاليف الشرعية بل على هذا مطلق الأحكام الشرعية ألطاف في مطلق الأحكام العقلية، لأن حكم الشرع تابع لحكم العقل في متن الواقع.
ثانيا:أن الأحكام الشرعية على هذا هي عين الأحكام العقلية لا أنها شيء آخر غيرها يكون لطفاً فيها.
وبعضهم فسر الواجبات العقلية في الكلمة المذكورة هو دوام التوجه بجميع الإرادات والعزائم نحو المعبود وإقبال النفس عليه حق الإقبال وانجذابها إليه بحيث تكون في حالة الحضور في أغلب الأوقات بحسب القوة البشرية والاستعدادات العقلية، وهذه التكاليف لما كانت مطلوبة بالذات لله تعالى وكان تمام حصولها موقوفاً على التكاليف الشرعية كان وجوبها لطفاً في وجوبها، وبيان لطفيتها فيها هو أنا نعلم بالضرورة أن من داوم على إطاعة الأوامر الشرعية توجهت نفسه وأقبلت على معبودها حق الإقبال لأن إيقاعها مشروط بالتقرب بها إليه، وذلك يقتضي التوجه إليه والقرب المعنوي منه ولهذا قال (ص): (المصلي إذا صلى يناجي ربه) فإنه ليس المراد المناجاة البدنية لأنها غير معقولة بل المناجاة المعنوية التي هي التوجه والإقبال.
ولا يخفى ما فيه فإن ذلك ليس بواجب عقلًا بل هو غير مقدور إلّا للأوحدي من الناس فكيف يكون واجباً عقلياً؟ ولو سلمناه فليست الواجبات الشرعية على هذا بعمومها ألطافاً في الواجبات العقلية بل خصوص العبادات منها كما اعترف الخصم.
والحق أن يقال أن مرادالعدليةبالواجبات العقلية هو حفظ نظام العالم الإجتماعي والفردي وإدارة شؤونهم العامة والخاصة وعدم تجاوز كل منهم حدوده على الآخر، ولا شك في أن الواجبات الشرعية العبادية والتوصلية تقرب إلى هذه الواجبات العقلية كما بينا ذلك تفصيلًا في غاية علم الفقة، وإنما فسرنا الواجبات العقلية بذلك لأن هذه الكلمة إنما صدرت منالعدلية والمعتزلةفي مقام الاستدلال منهم على
وجوب بعثة الأنبياء () ونصب الأولياء. ولا ريب أن الذي اقتضى وجوب البعثة هو ما عرفته من لزوم تدبير العالم الاجتماعي والفردي وحفظ النظام فيهم ورفع مستواهم، وذلك إنما يكون بالواجبات الشرعية التعبدية والتوصلية، فإن بالعمل بها يحصل الفوز بالنشأتين للفرد وللجماعة والسعادة لهما في الدارين، فلا وجه لما ذكر لها من التفاسير الأخر.
الفرق بين علل التشريع وحكمة التشريع
ذكر القوم أن الحكم الشرعي إذا ذكرت له جهة مقتضية تارة يكون ملاكاً لتشريعه وتسمى في اصطلاح الفقهاء بحكمة التشريع وملاك التشريع ولا يطرد الحكم باطرادها ولا ينتفي عن موضوعها بانتفائها وأخرى تكون المناط في تشريعه وتسمى في اصطلاح الفقهاء بعلة التشريع والحكم يطرد باطرادها وينعدم بانعدامها والعبارة الجامعة بينهما هي كلمة أسرار التشريع، فإنها تعم حكم التشريع وعلله. وتوضيح الحال وتنقيحه أن علة الحكم هو الأمر الباعث للمولى إلى الحكم منه في الواقعة ولذا عبر عنها بعضهم بالداعي لتشرع الحكم والسبب والمؤثر والمناط وقد سماه بعضهم بالدليل والإمارة باعتبار أنها إنما يوجد الحكم الشرعي بوجودها فتكون دليلًا وإمارة عليه، ولا بد لمن عبر عن العلة بذلك أن يريد أمراً غير موضوع الحكم وإلا فموضوع الحكم أيضاً يتصف بتلك الصفات فعلة الحكم هو معنى قائم بموضوع الحكم أوجب حكم الشارع له فمثلًا النفع والقائد الكائنة في العمل موجبة للأمر به، والمفسدة والضرر الكائنة في العمل موجبة للنهي عنه فتلك المفسدة وتلك الفائدة تكون هي العلة. وإما الحكمة فهي بيان مقتضى التدبير للعالم
الإنساني فمثلًا لو قلنا بأن العلة في حرمة شرب الخمر هو الاسكار، ولكن الحكمة هو الفلاح للعالم الإنساني في حرمة، حيث تزول التعديات والجرائم التي يحدثها شرب الخمر من العداوة والبغضاء ونحوهما. فالحكم الشرعي لا بد له من علة تارة ندركها وأخرى لا نعرفها ولكن لا يلزم أن تكون لكل حكم حكمة إذ تكون موجبة لتشريعه، لما قررناه من كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وقد تكون العلة هي نفس الحكمة، كأحكام الجهاد ونحوها. وقد لا يكون لجعله ربطاً بتدبر العالم الإنساني مع أن في موضعه منفعة لمرتكبه أو مفسدة ومضرة لفاعله وقد وقع الخلط والخبط في هذا المقام فبعضهم جعل موضع الحكم هو العلة كما صدر عن كثير من الأصوليين تسمية السفر علة للحكم بالإفطار والتقصير مع أنه بنفسه هو الموضوع لهما، وجعل حكمت التحقيق ودفع المشقة عن المسافر مع أن ذلك هو العلة لإفطار المسافر وتقصيره وليس هناك في تشريع الإفطار للمسافر علاقة بنظام العالم الإنساني وتدبيره.
ولعل عدم تمييز بعضهم الحكمة عن العلة ورأيتهم أن ما يكون علة هو الحكمة جعل العلة عين الحكمة كما يحكى ذلك عنالشاطبي، وينفعك في المقام ما ذكرناه في مفهوم العلة وما حررناه في كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد.
الفرق بين تحقيق المناط وتنقيح المناط وتخريج المناط للحكم الشرعي
أما تحقيق المناط فهو نوعان:
أحدهما:عبارة عن إثبات المجتهد أن هذا الشيء من أفراد ومصاديق الموضوع للحكم الشرعي الفلاني والحكم الجزئي ويسمى بفرع المسألة فمثلًا إثبات المجتهد أن المعاطاة من أفراد البيع الذي هو موضوع للحل في قوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] يسمى في ألسُنة الفقهاء والأصوليين أنه إثبات لتحقيق المناط ويسمى الحكم بأن المعاطاة حلال بفرع المسألة وهذا لا ينكره أحد من الفقهاء.
وثانيهما:إثبات المجتهد علة الحكم المنصوص عليها في دليل الحكم في موضوع آخر ليثبت الحكم له كما في صورة ما إذا ثبت بالدليل أن العلة لمطهرية الماء النابع لغيره هو اتصاله بالمادة، فإن إثبات أن ماء البئر وماء الحمام مطهر لوجود العلة لمطهرية الماء فيهما وهو كون لهما مادة ويسمى إثباتاً بتحقيق المناط ويسمى هذا بالقياس الجلي والحكم بمطهرية مائهما يسمى فرع المسألة. وهذا أيضا لا ينكر صحته كل واحد من الفقهاء.
وأما تنقيح المناط فهو أن ينقح المجتهد باجتهاده علة الحكم ومناطه من دليل الحكم دون أن يكون دليله فيه تصريح بالعلة كما ذكروه في أن إعرابياً جاء لرسول الله (ص) (فقال: هلكت يا رسول الله، قال:(ص) ما صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: (ص) أعتق رقبة). فتنقيح المجتهد من هذا الدليل أن علة الحكم بعتق الرقبة هو مجرد إفطار شهر رمضان بالوطئ من دون دخل كون ألواطئ إعرابياً ولا كون الموطوءة زوجته ولا كون هذا رمضان بخصوصه فاستفادة المجتهد أن علة الحكم بعتق الرقبة هو مجرد الوطئ في
نهار شهر رمضان أعم من كون ألواطئ إعرابياً أو غيره وبين كون الموطوءة زوجته أو غيرها، وبين كون هذا شهر رمضان أو شهر رمضان آخر، يسمى بتنقيح المناط وإثبات أن الوطئ بالزنا في نهار رمضان موجب للعتق. يقال إثبات له بتنقيح المناط، ونفس الحكم يسمى بفرع المسألة لأنه متفرع عليها وهذا قد اعترف بصحته أكثر من أنكر حجية القياس.
وأما تخريج المناط فهو مجرد حدس المجتهد علة الحكم برأيه وظنه من دون استناد للدليل المعتبر عليها فيثبت ذلك الحكم في موضوع آخر قد وجدت فيه تلك العلة فيقولون إن الإثبات بتخريج المناط وهذا هو محط النظر والبحث بين العلماء.