أحدهما:عبارة عن إثبات المجتهد أن هذا الشيء من أفراد ومصاديق الموضوع للحكم الشرعي الفلاني والحكم الجزئي ويسمى بفرع المسألة فمثلًا إثبات المجتهد أن المعاطاة من أفراد البيع الذي هو موضوع للحل في قوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] يسمى في ألسُنة الفقهاء والأصوليين أنه إثبات لتحقيق المناط ويسمى الحكم بأن المعاطاة حلال بفرع المسألة وهذا لا ينكره أحد من الفقهاء.
وثانيهما:إثبات المجتهد علة الحكم المنصوص عليها في دليل الحكم في موضوع آخر ليثبت الحكم له كما في صورة ما إذا ثبت بالدليل أن العلة لمطهرية الماء النابع لغيره هو اتصاله بالمادة، فإن إثبات أن ماء البئر وماء الحمام مطهر لوجود العلة لمطهرية الماء فيهما وهو كون لهما مادة ويسمى إثباتاً بتحقيق المناط ويسمى هذا بالقياس الجلي والحكم بمطهرية مائهما يسمى فرع المسألة. وهذا أيضا لا ينكر صحته كل واحد من الفقهاء.
وأما تنقيح المناط فهو أن ينقح المجتهد باجتهاده علة الحكم ومناطه من دليل الحكم دون أن يكون دليله فيه تصريح بالعلة كما ذكروه في أن إعرابياً جاء لرسول الله (ص) (فقال: هلكت يا رسول الله، قال:(ص) ما صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: (ص) أعتق رقبة). فتنقيح المجتهد من هذا الدليل أن علة الحكم بعتق الرقبة هو مجرد إفطار شهر رمضان بالوطئ من دون دخل كون ألواطئ إعرابياً ولا كون الموطوءة زوجته ولا كون هذا رمضان بخصوصه فاستفادة المجتهد أن علة الحكم بعتق الرقبة هو مجرد الوطئ في
نهار شهر رمضان أعم من كون ألواطئ إعرابياً أو غيره وبين كون الموطوءة زوجته أو غيرها، وبين كون هذا شهر رمضان أو شهر رمضان آخر، يسمى بتنقيح المناط وإثبات أن الوطئ بالزنا في نهار رمضان موجب للعتق. يقال إثبات له بتنقيح المناط، ونفس الحكم يسمى بفرع المسألة لأنه متفرع عليها وهذا قد اعترف بصحته أكثر من أنكر حجية القياس.
وأما تخريج المناط فهو مجرد حدس المجتهد علة الحكم برأيه وظنه من دون استناد للدليل المعتبر عليها فيثبت ذلك الحكم في موضوع آخر قد وجدت فيه تلك العلة فيقولون إن الإثبات بتخريج المناط وهذا هو محط النظر والبحث بين العلماء.
المقصد الثاني في: أقسام الحكم الشرعي وأنحاء امتثاله وأجزاء كل عن الآخر
تقسيم الحكم الشرعي إلى واقعي واضطراري وظاهري
قسّم الفقهاء الحكم الشرعي بملاحظة متعلقة إلى أقسام ثلاثة: واقعي واضطراري وظاهري، لأن متعلقه إن كان من الأمور الواقعية البحتة التي ليس للعلم والظن والشك دخل فيه في حال الاختيار فيسمى الحكم حكماً واقعياً إختيارياً أو واقعياً أولياً كحرمة الخمر، وإن كان متعلقه من الأمور الواقعية في غير حال الإختيار بأن كان في حال الاضطرار أو العذر ولم يكن للوجدانيات المذكورة دخل فيه فيسمى الحكم حكماً واقعياً ثانوياً أو اضطرارياً أو بدلياً كالأمر بالتيمم بدل الوضوء، وإن كان متعلقة الواقع مع مدخلية الوجدانيات المذكورة فيه وهي العلم أو الظن أو الشك فيه فيسمى حكماً ظاهرياً. وإذا أطلق الأمر الواقعي عن كل قيد في السُنة الفقهاء أو الأصوليين فيريدون به الأمر الواقعي الاختياري. فالكلام يقع في مقامات ثلاثة: في الحكم الواقعي والحكم الاضطراري والحكم ا لظاهري وتذنيب في الحكم الخيالي.
المقام الأول في: الحكم الواقعي
الحكم الواقعي هو الحكم بنفس الواقع حال الإختيار، وقد يسمى بالحكم الواقعي الأولي، ومقتضى إتيان متعلقه على النحو الذي يجب إتيانه عليه شرعاً وعقلًا من كونه جامعاً للشرائط فاقداً للموانع أمور:
الأمر الأول:كون الآتي به ممتثلًا ومطيعاً له بلا ريب ولا إشكال.
الأمر الثاني والثالث:اقتضاؤه سقوط الإعادة بإتيانه مرة أخرى في الوقت، وسقوط قضائه بإتيانه في خارج الوقت. وحكي الإجماع على ذلك، وعن أكثرالمعتزلة والمتكلمينالقول به، وخالف في ذلكأبو هاشم وعبد الجبارواتباعهما فذهبا إلى أنه لا يقتضي سقوط القضاء. وتظهر الثمرة أنه لو ورد أمر بالإعادة أو القضاء وجب أما طرحه أو تأويله فإن الظاهر أنه لم يقل أحد بوجوب الإعادة أو القضاء حتى من قال بعدم الأجزاء وإنما هو من يقول بجواز القضاء والإعادة لا بوجوبهما، وكيف كان فيدل على اقتضاء الإتيان سقوط الإعادة والقضاء أمور:
الدليل الأول:أن المولى الحكيم لا يأمر بشيء إلّا لتحصيل غرضه منه وإلّا لكان لاغياً في أمره وهو نافي حكمته، فإذا حصل غرضه لا يعقل بقاء أمره لكون أمره إنما وج لأجل تحقق هذه الغاية فلو بقي الأمر لزم بقاء المعلول بدون علته بل لا يعقل أن ينقدح في نفس المولى إرادة الشيء عند حصول غرضه منه، ولو سلمنا فيكون بقائه لغواً وعبثاً وهو محال على المولى الحكيم. وبعبارة أخرى أن الأمر حدوثاً وبقاء تابع للإرادة والإرادة تابعة لترتب المصلحة على الفعل المعبّر عنها بالغرض تارة لأنها هي غرض المولى من الأمر بالعمل، ويعبر عنها بالداعي لأنها هي التي دعت المولى لحدوث الأمر وبقاءه. إذا عرفت ذلك فنقول إن عدم اقتضاء إتيان المأمور به لسقوط الأمر المتعلق به سواء أكان الأمر وجوبياً أم إستحبابياً أما لخلل في المأتي به وهو خلاف الغرض أو لبقاء غرض المولى الذي دعاه للأمر به وهو لا يعقل لأن المولى إنما يأمر بما يحصّل غرضه ويكون علة تامة لحصول غرضه وإلّا لكان أمره لغواً حيث لم
يحصل بمتعلقه غرضه، ويقبّح العقل الأمر بشيء غير كافي في حصول غرض المولى، فإذن لابد من أن يحصل به الغرض وإذا حصل به الغرض سقط الأمر به لأنه هو الذي كان علة مبقية للأمر كما عرفت.
ودعوى أن الأوامر الإمتحانية ليس للمولى غرض بمتعلقها، مدفوعة بأن كلامنا في الأوامر الواقعية الاختيارية مضافاً إلى أنه أيضاً عند حصول غرض المولى لا تبقى لأن علة حدوثها هو تحصيل المولى لغرضه، فإذا وجد غرضه لا يعقل بقائها وإلّا لزم بقاء المعلول بدون علته. ودعوى أنا نحتمل تجدد أمر جديد آخر بعد إتيان المتعلق للأول يكون متعلقاً بنفس ما تعلق به الأول فاسدة، فإن هذا الاحتمال يدفعه اصل البراءة من ذلك مضافاً إلى أن هذا خارج عن محل الكلام لأن الكلام في اقتضاء الإتيان لسقوط أمراً الأول به. وقد فرض المدعي أنه قد سقط ولا كلام لنا في أنه يمكن للمولى أن يوجد أمراً ثاني وثالث إلى ما شاء، فإن الكثير من الأعاظم كالسيد (ره) وابن زهرة والشيخ والآمديوغيرهم جوّزوا تعلق أمر آخر في ثاني الحال بالطبيعة التي أمر بها أولًا ويكون المطلوب فرداً آخر، وإذا ثبت سقوط الأمر بالإتيان بمتعلقه فلا تجب الإعادة لعدم بقاء الأمر ولأن السقوط للأمر قد حصل فلا يعقل سقوطه مرة ثانية لأنه يلزم تحصيل الحاصل. ولا يجب القضاء لأن القضاء تدارك لما فات وهو لم يفت منه بالنسبة للأمر الأول شيء أصلًا حيث الغرض أنه قد أتى به. ودعوى أن دليل الأمر يمكن أن يكون دالان على التكرار للمأمور به كما لو قال: (إكرم زيد مرتين) أو قلنا بدلالة الأمر على التكرار أو قال: (إكرم زيد مطلقاً) ثم قال (إكرمه مرتين) وعرفنا منه
وحدة الطلب وعليه فلم يكن مجزياً الإتيان بالمأمور به مرة واحدة قطعاً. فاسدة، فإنه إن كان ذلك عبارة عن أوامر متعددة بحيث يكون المطلوب متعدداً كان كل عمل يسقط أمره، وإن كان أمراً واحداً بحيث يكون المأمور به في هذه الصورة هو العمل المتكرر فإذا أتى بالعمل الواحد لم يكن قد أتى بالمأمور به.
ودعوى إن مجرد امتثال الأمر قد لا يكون علة تامة لحصول غرض المولى بشهادة الوجدان كما إذا أمر المولى عبده بإتيان الماء ليشربه فلم يشربه، فإن الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط، ولذا لو أهرق الماء واطلع على ذلك العبد وجب عليه الإتيان بالماء ثانياً، كما إذا لم يأتِ به أولًا بداهة بقاء طلبه عن عدم حصول غرضه الداعي إليه وإلّا لما وجب حدوثه. نعم لو كان الإتيان علة تامة لحصول غرض المولى كان الإتيان علة تامة لسقوط الأمر كما لو أمره باهراق الماء في فمه لرفع عطشه فاهرقه فإنه ليس له تبديل الإمتثال لحصول غرض المولى فيسقط الأمر، ويدلك على ما ذكرناه ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلى فرادى جماعة (إن الله يختار أحبهما إليه) فإنها دالة صريحاً على جواز إعادة الصلاة بقصد امتثال الأمر الأول وأنها فرد منه ولا وجه له إلّا بقاء الأمر وعدم سقوطه بالامتثال الأول، ولا وجه لبقائه إلّا بقاء الغرض. وعليه فلا وجه لدعوى أن إتيان المأمور به على وجهه علة تامة لسقوط غرض المولى الموجب لسقوط الأمر وعدم بقائه.
والحاصل أن الإتيان بالمأمور به لو كان موجباً لتحصيل الغرض الأقصى للأمر كان الإتيان موجباً لسقوط الأمر وعلة تامة له وإلّا لبقى
المعلول بلا علة، ولكن هذا لا دليل عليه إذ من الممكن أن يكون غرض الآمر إنما يحصل بفعل نفس الآمر منضماً لفعل العبد المأمور كما لو أمره بإتيان الماء ليشربه، فإن غرض الآمر لا يحصل بإتيان العبد الماء إلّا إذا انضم له فعل الآمر وهو اهراقه الماء في فمه، وقد يكون إنما يحصل بفعل شخص آخر كما لو أمره بجهاد العدو أو إنما يحصل بإتيان شيء مع المأمور به لا يمكن للآمر اعتباره كقصد القربة أو يمكنه اعتباره ولكنه لم يعتبره لوجود مصلحة تقتضي عدم ذكره كما لو أمره بإعطاء الزكاة للفقير ولكن لم يقيد الفقير بالمؤمن لمصلحة تقتضي عدم ذكره، وحينئذ فإن اتفق أن أعطى الزكاة للمؤمن سقط الأمر لحصول الغرض، وإن لم يتفق بقي الأمر لبقاء الغرض، فمع إمكان ذلك كيف يدعى أن إتيان المأمور به دائماً علة تامة لحصول غرض المولى ويسقط الأمر به، فاسدة لأن المولى الحكيم العالم بالأشياء لا يعقل أن يأمر إلّا بما هو علة تامة لحصول الغرض المراد من العمل، لأن الباعث لطلبه هو ما يترتب على المطلوب من الفائدة فإذا كانت الفائدة لا تترتب على المطلوب كان طلبه عبثاً. فلابد من أن يطلب ما يُحصّل تلك الفائدة فإذا كان المطلوب ليس علة تامة لحصول تلك الفائدة وإنما المحصل له هو المطلوب مع شيء آخر كان المطلوب غير مراد له وإنما المراد له هو ذلك المطلوب مع ذلك الشيء الآخر، فيكون الطلب متعلقاً بهما معاً وليس ذلك المطلوب هو المطلوب له وحده، وإن شئت قلت إن الأمر تابع لإرادة المولى العمل من العبد المنقدحة في نفس المولى فهو سعة وضيقاً وحدوثاً وبقاءً تابع لها والإرادة المذكورة إنما تتعلق بما هو محصل للغرض إذ لا يعقل أن يريد
الحكيم شيئاً من العبد لا يحصل به غرضه، فإذا فرض أن غرضه قائم بهذا العمل وبغيره، فإن كان الغير تحت قدرة العبد أمر المولى بالجميع لأن غرضه قائم بأمره بأجمعه تحت قدرة العبد، وإن كان خارج عن قدرته فتكون إرادته للعمل من العبد باعتبار ماله من المدخلية في غرضه ويكون الغرض الباعث لإرادته للعمل هو ذلك المقدار من المدخلية في الغرض الثابتة للعمل من العبد فيدور الأمر مدارها. والحاصل أن مطلوب المولى من العبد لابد من أن يكون ما يُحصّل غرضه، وحيث أن طلبه قد تعلق بهذا العمل من العبد فلا محالة يكون الغرض الداعي للأمر به هو خصوص المصلحة المترتبة على هذا العمل من العبد، لأنها هي التي بخصوصها سببت الإرادة حدوثاً وبقاء فتكون الإرادة. تابعة لها بحدها ومقدارها فيكون الأمر تابع لها لأنه تابع للإرادة. وأما ما ذكر من مثال الماء فالغرض منه هو تمكين المولى من الماء لا شربه الذي هو عبارة عن إدخاله واهراقه في فمه وإنما يجب عليه الإتيان بالماء فيما لو أريق الماء قبل شربه له لعلم العبد بأن الغرض قد تجدّد في نفس المولى وحدثت عنده إرادة جديدة للعمل ويجب تحصيل غرض المولى وتنفيذ إرادته بحكم العقل، فيجب عليه أن يأتي بالماء مرة ثانية وعليه يكون إتيانه بالماء مرة ثانية من جهة تجدد الإرادة وحدوث الغرض من العمل مرة أخرى لا من جهة بقاء الغرض وبقاء الإرادة، فإن الغرض قد حصل بالإمتثال الأول والإرادة قد نفذت بالعمل الأول وإنما هذه إرادة أخرى وغرض آخر قد حدثا بعد الامتثال بمثل العمل الأول نظير الإرادة والغرض إذا تعلقا بعمل آخر مغاير للأول فإنه يجب تحصيل ذلك.