الوجوب أول الكلام وعين المتنازع فيه، فإن الخصم يزعم بأن المأمور به الذي هو تمام ما طلبه الآمر من العبد يبقى مع إتيانه الوجوب ولا يسقط إتيانه الأمر إذ لعل الغرض للآمر لم يحصل بإتيان المأمور به كما لو قال المولى: (آتيني بالماء) وكان غرضه رفع العطش، فأتى العبد له الماء إلّا أن المولى لم يشربه فيكون الأمر باقياً وللعبد أن يأتي بماء آخر امتثالًا له. وبعبارة أخرى أن مقتضى بقاء الأمر الواحد المتعلق بمطلوب واحد هو الإتيان بذلك المطلوب الواحد مرة أخرى، فلا يلزم طلب الحاصل ولا يلزم عدم الإتيان بتمام متعلق الأمر في الدفعة الأولى وإنما ذلك نتيجة حتمية لعدم سقوط الأمر.
إن قلت إنا نقرر الدليل المذكور بهذا النحو ونقول إن العبد لو كان مكلفاً بإتيان المأمور به بعد إتيانه أولًا فالمكلف به أما عين ما أتى به أولًا أو متمماً له أو أنه مطلوب برأسه والكل باطل، أما الأول فلاستحالة تحصيل الحاصل، وأما الثاني فلخروجه عن مفروض المسألة من إتيان المأمور به بتمامه، وأما الثالث فلإبتنائه على دلالة الأمر على ذلك.
قلت عندنا تكليف ومكلف به، وإتيان بالمكلف به والأولان يوجدان في نفس الآمر والمولى، والثالث يوجد من العبد المأمور والقائل بعدم الاجزاء يقول بأن نفس التكليف والمكلف به لا يسقطان ولا يزولان عن نفس الآمر بإتيان العبد للمكلف به فهما باقيان نظير بقاء العلة التامة للشيء المتجدد آناً بعد آن وبقائهما يقتضي إتيان فرد آخر، فالمكلف به عين المكلف به في ثاني الحال ولا يلزم تحصيل الحاصل لأن ما يحصله في
ثاني الحال غير ما يحصّله في أول الحال. والمغالطة إنما حصلت من خلط المكلف به بالمأتي به.
الدليل الثالث:أن الإعادة والقضاء استدراك لما فات والمفروض إنه لم يفت شيء من المأمور به ولذا لو قال السيد لعبد (أفعل كذا وإذا فعلت ذلك لم يجزك) كان تناقضاً. ومن هنا لا تستحب الإعادة ولا القضاء إلّا إذا فات العبد أمر مستحب عند إتيانه بالمأمور به يمكنه تداركه بذلك.
الدليل الرابع:أن المطلوب بالأمر أما الماهية أو الفرد، والمفروض حصولهما فلا يبقى طلب لشيء آخر. وفيه أن للخصم أن يلتزم بطلب أي منهما ويلتزم بحصول المطلوب منهما، ولكن يقول أن الطلب باقي بعد ذلك ولم يسقط فلابد من إثبات سقوطه بحصول المأمور به.
الدليل الخامس:أن الأمر إذا لم يسقط فأما أن يكون عدم سقوطه لخلل في المأتي به وهو خلاف الفرض أو لعدم حصول الغرض منه وهو خلاف الفرض. وفيه أن الخصم لم يفرض حصول غرض المولى بالمأتي به، وعلى المستدل أن يثبت بأن المأتي به علة تامة لسقوط غرض المولى وإلّا لو كان غرضه باقٍ لم يسقط أمر المولى كما في صورة تبديل الامتثال بالامتثال التي فرضها الخصم.
الدليل السادس:إن المكلف والآمر الحكيم الملتفت لا يعقل أن يكون إهمال في متعلق إرادته وأمره بحسب الواقع وإذا كان كذلك فالطبيعة المطلوبة له بحسب الواقع لا يجوز أن تكون مطلقة لأنه إذ ذاك يجب على العبد الإتيان بسائر أفرادها إلى أن يحصل له الحرج، لأن نسبتها لأفرادها
على حد سواء فلا وجه لسقوط الأمر بها بأحد الأفراد دون الباقي مع فرض إطلاقها واقعاً وانبساط الأمر عليها، فلابد من أن تكون الطبيعة بحسب الواقع مقيدة ومعنونة بعنوان غير قابل للانطباق إلّا على الفرد الأول منها كعنوان أول الأفراد أو قاطع العدم أو أشباههما مما لا ينطبق على غير الفرد المأتي به بعد الأمر بها. وعليه فلا يعقل بقاء الأمر بعد الإتيان بمتعلقه لاستحالة امتثاله مرة أخرى لأنه يرجع إلى طلب المستحيل.
إن قلت إن المطلوب والمأمور به يكون هو مطلق الطبيعة وصرفها المجردة عن الإطلاق حتى يلزم الإتيان بسائر الأفراد ولا تعنونها بعنوان لا ينطبق على غير الفرد الأول حتى يلزم امتناع بقاء الطلب مع إتيان متعلقه.
قلنا إعتبار المتعلق للأمر صرف الطبيعة من غير اعتبار الإطلاق والتقييد يلزم الإهمال في الواقع وهو غير معقول بالنسبة إلى العالم الملتفت وإن كان ممكناً بالنسبة إلى الغافل، ومع عدم الإهمال أما أن يعتبر مقيداً بما ذكرنا أو مطلقاً بالنسبة إلى الأفراد. احتج المخالفون بوجوه:
أحدها:أن النهي يقتضي عدم الاجزاء بالترك دفعة أو دفعات، فهكذا الأمر يقتضي عدم الاجزاء بالإتيان بمتعلقه دفعة أو دفعات، ولابد لنا من دليل آخر. وفيه أن هذا من القياس وهو ليس بحجة، مضافاً إلى أن النهي إنما يقتضي ذلك لأن المطلوب هو ترك الطبيعة وهو لا يحصل إلّا
بترك جميع أفرادها بخلاف الوجوب، فإنه وإن تعلق بإتيان الطبيعة إلّا أن إتيان الطبيعة يكون بإتيان فرد منها.
ثانيها:أن الأمر بالشيء لا يفيد إلّا كونه مأموراً به فإما دلالته على سقوط التكليف فلا. وأجاب عنه فيالنهايةبأن الإتيان بتمام ما اقتضاه الأمر يقتضي أن لا يبقى الأمر مقتضياً لشيء آخر، وهو المراد بالأجزاء.
وفيه أن المراد بالإجزاء هو اقتضاء الإتيان بالمأمور به على وجهه لعدم الإتيان به مرة أخرى لا أن المراد به عدم الاقتضاء والأولى في الجواب ما ذكرناه في الدليل الأول على الأجزاء.
ثالثها:أنه لو كان يقتضي الإجزاء لاكتفى بالحج الفاسد والصوم الذي جامع فيه والصلاة بظن الطهارة ثم تبين الحدث، فإنه في الحج يجب الإعادة مع الأمر بإتمامه وفي الصوم يجب القضاء مع الأمر بإتمامه وفي الصلاة يجب الإتيان بها عن عدم تبين الحدث مع الأمر بها قبل ذلك.
وفيه مالا يخفى فإن هذا خارج عن محل البحث، لأن محل البحث هو الإجزاء بالإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي، والأمر بالحج الفاسد وبالصوم المجامع فيه كان أمراً اضطرارياً أو تأدبياً، والأمر بالصلاة في المثال المذكور أمراً ظاهرياً فهو لم يأتِ في الأمثلة المذكورة بالمأمور به بالأمر الواقعي.
رابعها:هو عدم إمكان أمثتاله بعد الامتثال وذلك واضح بعد ما عرفت سقوط الأمر بامتثاله فلا يعقل أن يكون امتثال له مرة أخرى، فلو ورد أمر بإتيانه مرة أخرى في الوقت أو خارجه كان أمراً جديداً وليس بالأمر الأول ولا أمر بقضائه، لأن القضاء مأخوذ في مفهومه الفوت وهو
لم يفت منه شيئاً. نعم لو علم العبد تجدد غرض المولى المقتضي لوجوب العمل أو استحبابه وجب أو استحب إتيانه مرة أخرى امتثالًا لهذا الأمر الجديد لا للأمر الأول كما تقدم توضيحه. ولا شك كان الأصل هو البراءة، كما أن للعبد أن يأتي بالعمل إعادة أو قضاء بنحو الاحتياط برجاء إدراك الواقع إلّا أن ذلك إنما يكون فيما إذا احتمل عدم مطابقة ما أتى به للواقع بنقصان مخل أو زيادة مخلة، إذ مع العلم بالمطابقة لا وجه للاحتياط، ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام إذ محل كلامنا فيما علم بمطابقة المأتي به للواقع.
خامسها:هو عدم إمكان تبديل امتثاله بامتثال آخر بأن يرفع اليد عن ذلك الامتثال إلى امتثال آخر أحسن منه أو مساوي له، لأن بالامتثال الأول سقط الأمر فلا أمر باقي حتى يرفع اليد عن امتثاله ويأتي بامتثال آخر له نفسه.
إن قلت إنه يرفع اليد عن الامتثال يعود الأمر الأول على حاله فيمتثل بامتثال آخر.
قلنا إن ذلك غير معقول لأنه يلزم إعادة المعدوم وهو محال كما قرر في علم الحكمة، مضافاً إلى أن الشيء بعد تحققه لا ينقلب عما هو عليه وإلّا لزم اجتماع النقيضين فالامتثال لا يخرج عن كونه امتثالًا برفع اليد عنه.
نعم له قبل الإتيان بالعمل اختيار أي فرد شاء كما أن له أن يقطع بالعمل ويأتي بوجه آخر إذا لم يحرم القطع، كما افتوا بالعدول عن سورة إلى سورة أخرى أو العدول من الحاضرة إلى الفائتة كالعدول من
العصر إلى الظهر، ومن الظهر إلى الصبح عند عدم الإتيان بها. كما أن له إزالة عمله وجعل بدل له إذا كان غرض المولى الأقصى باقي، وهذا في الأمور العقلية ممكن إحرازه كإبداله ماء الوضوء بأطهر منه وإبداله السلم بأحسن منه، وإما في الشرعيات فيحتاج إلى دليل يكشف عن ذلك ولم نستحضر له مثال إلّا ما ورد من إعادة من صلى فرادى الصلاة جماعة، وفعل صلاة الآيات مرة بعد أخرى مادامت الآية باقية وإعادة الإمام صلاته إماماً على ما هو مذكور في محله. وأما إبدال الفريضة نافلة لمن اشتغل بالفريضة فرادى ثم انعقدت الجماعة، فإنه من رفع اليد عن امتثال أمر وجوبي إلى امتثال أمر ندبي وليس من قبيل تبديل امتثال أمر بامتثاله مرة أخرى.
والحاصل أنه يستكشف من جواز إعادة الصلاة جماعة، أن غرض المولى الأقصى لم يحصل بإتيان الصلاة فرادى وإن يتفرع منه أمر آخر استحبابي بالصلاة جماعة نظير من أمر بإتيان الماء للشرب والمولى بعد لم يشرب، فإن بقاء غرض المولى الأصلي وعطشه يقتضي أمراً استحبابياً بإتيان فرد آخر من الماء أحسن منه إذا تمكن من ذلك. وعليه فقد ظهر لك أن الصلاة المعادة ينوى بها الاستحباب لسقوط الأمر الوجوبي بالامتثال الأول.
إن قلت في صحيح حفص عن الأمام الصادق (ع): (في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: يصلي معهم ويجعلها الفريضة) وفي صحيح هاشم بن سالم مثلها وزاد فيه (إن شاء)، وظاهر
جعلها فريضة هو إبدال امتثال الصلاة فرادى بالصلاة جماعة ورفع اليد عن الامتثال الأول.
قلت بعد قيام حكم العقل بسقوط الأمر بالامتثال الأول لابد من رفع اليد عن الظاهر وأقرب الاحتمالات هو أن المصلي منفرداً في حال صلاته توج الجماعة بجعل ما بيده نافلة ثم يصلي الفريضة جماعة. وليس ذلك لمن فرغ من صلاته بنية الفرض لأن من أتم صلاته بنية الفرض لا يمكن أن يجعل غيرها الفرض كما فسر الحديث المذكور بذلكالشيخ في التهذيبوأيدهالوحيد البهبهاني(ره) بأنه ظاهر صيغة المضارع وأن هشام راوي هذا الخبر روى هذا المعنى الذي ذكرهالشيخ(ره) عن سليمان بن خالد عن الأمام الصادق ().
المقام الثاني في: الحكم الواقعي الثانوي
الحكم الثانوي الواقعي وقد يسمى بالحكم الاضطراري كما عرفت، أن ما كان متعلقة أمراً واقعياً حال الاضطرار بدلًا عن الواقع حال الاختيار كالتكليف بالطهارة الترابية بدلًا عن الطهارة المائية، وإن شئت قلت ما كان متعلقة أمراً واقعياً حال العذر ليشمل أوامر التقية عند عدم الاضطرار، فإنها قد تسمى أوامر اضطرارية ثانوية، وأما تكلم الفقهاء في التقية على حدة لوجود أدلة خاصة بها، أو لأجل أنهم لا يرون تكاليفها تكاليف واقعية ثانوية بدلية، بل هي تكاليف استقلالية في هذا الحال نظير تكليف المريض بشرب الدواء، ولعل ذلك يستفاد من بعض الأخبار التي أمر المكلف بها بالصلاة أولًا في الدار ثم الصلاة معهم مرة ثانية فإنه قد يحدث من ذلك إن في عمل الصلاة معهم مصلحة أخرى غير المصلحة
الواقعية قد أمر الشارع بتحصيلها. وكيف كان فمتعلق التكليف الثانوي لابد من أن يكون بدلًا عن الواقع المكلف به كما يظهر ذلك من الشهيد رحمه الله وإلّا لكان تكليفاً مستقلًا آخر لا علاقة له بالمبدل ولكان كل تكليف بدلًا عن الآخر، وبهذا أظهر ذلك أنه لا وجه للبحث في هذا المقام في قاعدة نفي الضرر وقاعدة رفع الحرج وحديث رفع ما اضطروا إليه وحكم العقل برفع التكليف المضطر إليه ونحوها مما يكون مفادها رفع التكليف فقط إذ لم يكن يثبت بها بدلًا عن التكليف المرفوع. نعم لو وجدت أدلة خاصة أو عامة تثبت التكليف في موردها بنحو يفهم منه البدلية عن الواقع كأدلة الميسور كانت هي محط البحث لا تلك.
إن قلت إن تلك القواعد كقاعدة الحرج تثبت التكليف بباقي أجزاء المركب إذا كان أحد أجزائه حرجياً.
قلنا هذا ينافي ورودهما في مقام الأمتنان، فإنه ليس من الأمتنان التكليف بباقي الأجزاء وإنما هي ترفع التكليف فقط.
وأما قول الإمام (ع) في جواب من سأله عن كيفية المسح عند وضع المرارة على أبهام رجله: (إن هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] أمسح على المرارة) فإن استشهاد الإمام (ع) لرفع وجوب المسح على البشرة لا لوجوب المسح على المرارة. ويكون هذا من الأدلة الخاصة على إثبات التكليف البدلي عن الواقع في مورد قاعدة نفي الحرج. ثم أنه لا وجه لما يحكى عنأستاذنا العراقي(ع) من أن موضوع البحث عن الأجزاء وعدمه في هذا المقام إنما هو القضاء من جهة أن المستفاد من الأدلة أن موضوعها العذر