بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 194

الواقعية قد أمر الشارع بتحصيلها. وكيف كان فمتعلق التكليف الثانوي لابد من أن يكون بدلًا عن الواقع المكلف به كما يظهر ذلك من الشهيد رحمه الله وإلّا لكان تكليفاً مستقلًا آخر لا علاقة له بالمبدل ولكان كل تكليف بدلًا عن الآخر، وبهذا أظهر ذلك أنه لا وجه للبحث في هذا المقام في قاعدة نفي الضرر وقاعدة رفع الحرج وحديث رفع ما اضطروا إليه وحكم العقل برفع التكليف المضطر إليه ونحوها مما يكون مفادها رفع التكليف فقط إذ لم يكن يثبت بها بدلًا عن التكليف المرفوع. نعم لو وجدت أدلة خاصة أو عامة تثبت التكليف في موردها بنحو يفهم منه البدلية عن الواقع كأدلة الميسور كانت هي محط البحث لا تلك.

إن قلت إن تلك القواعد كقاعدة الحرج تثبت التكليف بباقي أجزاء المركب إذا كان أحد أجزائه حرجياً.

قلنا هذا ينافي ورودهما في مقام الأمتنان، فإنه ليس من الأمتنان التكليف بباقي الأجزاء وإنما هي ترفع التكليف فقط.

وأما قول الإمام (ع) في جواب من سأله عن كيفية المسح عند وضع المرارة على أبهام رجله: (إن هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‌] أمسح على المرارة) فإن استشهاد الإمام (ع) لرفع وجوب المسح على البشرة لا لوجوب المسح على المرارة. ويكون هذا من الأدلة الخاصة على إثبات التكليف البدلي عن الواقع في مورد قاعدة نفي الحرج. ثم أنه لا وجه لما يحكى عن‌أستاذنا العراقي‌(ع) من أن موضوع البحث عن الأجزاء وعدمه في هذا المقام إنما هو القضاء من جهة أن المستفاد من الأدلة أن موضوعها العذر


صفحه 195

المستوعب للوقت فإنه لا يصدق عرفاً على المكلف. بأنه مضطر إلّا مع الاضطرار إلى ترك جميع أفراد الطبيعة المأمور بها الطولية والعرضية، وكذا لا يصدق كون المأمور به متعسراً إلّا مع تعسر جميع أفراده في العرض والطول ووجه فساد ذلك سيجي‌ء إن شاء الله في الكلام في جواز البدار لذوي الأعذار، وإن الأدلة للأحكام الثانوية تختلف بحسب مفادها، وأن المأخوذ فيها نفس العذر والاضطرار يكفي في تحقق مجرد الحصول. ثم أن البحث في امتثاله تارة يكون من جهة امتثاله يقتضي سقوطه به وعدم وجوب الإعادة والقضاء له وعدم صحة إمتثاله عقيب إمتثاله وعدم صحة تبديل امتثاله بامتثال آخر. والكلام قي هذه الأمور عين الكلام المتقدم في امتثال الأمر الواقعي الاختياري فلا نعيد البحث مرة أخرى فيه، وتارة يكون في أن إمتثاله يقتضي سقوط التكليف الواقعي الاختياري الذي هو بدله بحيث عند زوال الضرورة والعذر لا يجب إتيانه في الوقت ولا قضائه خارج الوقت، وإن امتثاله يجوز المبادرة فيه بإتيانه أول الوقت كأن يتيمم أول الوقت إذا حصل العذر والكلام في هذا المقام في موردين:-

أحدهما:في الأوامر الثانوية الواردة في مقامات خاصة كالأمر بالتيمم لمن لم يتمكن من استعمال الماء، وكالأمر بالوقوف في غرفة ليلة العيد من غروب الشمس إلى الفجر لما فاته الوقوف الاختياري فيها الذي هو من الزوال في يوم عرفة إلى الغروب، والأمر بالوقوف في المشعر في ليلة العيد من غروب الشمس إلى الفجر أو من طلوع الشمس إلى الزوال من يوم العيد بدل الوقوف فيه من الفجر إلى طلوع الشمس،


صفحه 196

وكالأمر بإعطاء زكاة غير الهاشمي للهاشمي عند اضطراره إليها، والأمر بإعطاء الفطرة للمخالف عند فقد المؤمنين. وفي هذه الصورة المتبع هو دلالة الدليل سعة أو ضيقاً، وجواز البدار في ذلك أو عدمه، ووجوب الإعادة والقضاء للمبدل منه عند زوال العذر أو عدم الوجوب، هذا ولكن القوم قد تكلموا في هذا المورد في مرحلتين مرحلة الثبوت والواقع، ومرحلة الإثبات وما يقتضيه الدليل وإنما تكلموا في المرحلة الأولى لأنهم إذا عرفوا صور الأجزاء وجواز المبادرة، كان الدليل الدال عليها دال على الاجزاء وجواز المبادرة ولأن إثبات إمكان أن يكون الأمر الثانوي في الواقع يسقط به الأمر الواقعي الأولي وإمكان المبادرة فيه، فإنه لو لم يمكن ذلك في الواقع و في مرحلة الثبوت لما كان وجه للبحث عن أجزائه عن الأمر الواقعي الأولي، وجواز المبادرة بإتيانه في أول الوقت، ولابد من تأويل ما يدل على ذلك من الأدلة فنقول حاصل ما ذكروه في المرحلة الأولى:

الكلام في المرحلة الأولى‌

مرحلة الثبوت‌

إن الأمر الواقعي الثانوي يمكن أن يكون المأمور به وافياً بتمام غرض المولى من المأمور به بالأمر الواقعي الأولي في هذه الحال- أعني حال الاضطرار والعذر- ويمكن أن لا يفي بذلك، وعلى الثاني أما أن يبقى منه مقدار لا يمكن استيفائه بعد إتيان المأمور به الثانوي أو يبقى منه مقدار يمكن استيفائه، وعلى الثاني أما أن يجب استيفاء المقدار الباقي أو لا يجب استيفائه، فهذه الصور الأربعة هي المتصورة في المقام وفي جميعها


صفحه 197

يقتضي إتيان المأمور به بالأمر الثانوي الأجزاء عند إتيان المأمور به بالأمر الأولى عند زوال الاضطرار أو العذر في الوقت وخارجه إلّا في الصورة الثالثة، لأن الفرض إنه عند زوال العذر أعني حال الاختيار يتمكن من استيفاء ما بقي من الغرض وكان استيفائه واجباً. وفي الصور كلها يجوز البدار إذا كان بمجرد العذر يحصل الغرض المذكور بإتيان متعلق الأمر الثانوي أو يجوز البدار بشرط اليأس من حصول الاختيار إذا كان الغرض المذكور لا يحصل إلّا كذلك إلّا في الصورة الثانية إذا كان بالبدار فيها يفوت بعض غرض المولى الواجب بلا تدارك وإلّا إذا فرض في الصورة المذكورة أعني الصورة الثانية بأن الباقي من غرض المولى لا يجب إستيفائه أو أن مجرد الاضطرار والعذر فيها مانع من الاستيفاء لباقي غرض المولى أو كان في البدار مصلحة يتدارك بها المصلحة الفائتة الواجبة فإنه في جميع ذلك يجوز البدار.

ومرادهم بالبدار هو الإتيان بالعمل قبل ضيق الوقت سواء أكان الإتيان أول الوقت أم في أثنائه، وعلى هذا فلو دل الدليل بظاهره أو صريحة على أجزاء امتثال الأمر الثانوي عن امتثال الواقعي الأولي وجواز المبادرة فيه أخذ به ولا يؤول أو يطرح. وقد أوردالمحقق الإيرواني‌() على هذا التقسيم.

أولًا:بأن تحقيق المقام لا يستدعي التكلم في الجهات الواقعية فإن مسألة الاجزاء لا تبتني على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلق، بل يجري البحث ولو لم نقل بالتبعية كذلك، ومثله ما أورده‌أستاذنا


صفحه 198

المشكيني‌(ره) من أنه لا يلزم كون الأمر تابعاً لمصلحة في المأمور به بل ربما يكون لمصلحة فيه فلا تكون القسمة حاصرة.

ولا يخفى ما فيه فإن الكلام في الاجزاء عن المأمور به الواقعي وهو إنما يتصور إذا كان المأمور به بالأمر الثانوي فيه مصلحة الواقع حتى يصلح للبدلية عنه وإلّا فيكون الأمر الثانوي أجنبياً عن الواقع، ولا يتصور إسقاط متعلقة للأمر الواقعي الأولي. وبعبارة أخرى محل البحث هو أن إتيان متعلق الأمر الثانوي يسقط الأمر الأولي، وهذا إنما يتصور لو كان في متعلقه يحصل غرض المولى من الأمر الواقعي الأولي وإلّا لو كانت المصلحة قائمة بنفس الأمر في كل منها كان كل منهما واجباً مستقلًا، ووجب صدور الأمرين من المولى لوجود المصلحة في نفسهما أو في أحدهما لو كان مانع عن الآخر، لا بنحو البدلية عن الآخر إذ البدلية لا علاقة لها في حصول الغرض بنفس الأمر، هذا والحاصل أن الاجزاء فيما كانت المصلحة قائمة بنفس الأمر لا يتصور لأنه بنفس الأمر تحصل المصلحة ويسقط وجوبه حتى إذا لم يمتثل فضلًا عن أن يكون امتثال الأمر الآخر يسقطه، فموضوع كلام القوم في الاجزاء بامتثال أمر في سقوط أمر آخر إنما يتصور فيما لو كانت المصلحة وغرض المولى قائم بمتعلق الأمر، ولا ريب أن حصول غرض المولى بمتعلق الأمر الثاني يتصور على هذه الصور الأربعة المذكورة، فالقوم لم يبنوا كلامهم على التبعية وإنما يريدون أن يتصوروا الإمكان في الواقع لأجزاء نفسي الإتيان بالأمر الثانوي عن الواقع وإن لم يصّرح المولى بالأجزاء وسكت في مقام البيان، وهو إنما يتصور لو كان يحصل به مصلحة الأمر الواقعي الأولي‌


صفحه 199

وإلّا كان أجنبياً عنه، ولا ريب أن حصولها يتصور بهذه الصور الأربعة فلذا عبروا (بيمكن أن يكون). نعم الإشكال يرد عليهم لو قالوا: (إنه إذا لم يمكن في متعلق الأمر الثانوي مصلحة فهو باطل) فإن ذلك يبتني على التبعية.

ثم أورد ()ثانياً:بأنه على فرض التبعية كذلك لا موجب لكون مصلحة الأمر الاضطراري من سنخ مصلحة الأمر الاختياري لينحصر الأمر في الأقسام الأربعة فلعلها مصلحة أخرى حدثت بالاضطرار.

ولا يخفى ما فيه فإن الكلام في الأمر الثانوي الاضطراري الذي هو بدل عن الواقع لا في كل أمر اضطراري ثانوي فمثلًا المريض المقعد له أوامر اضطرارية ثانوية عديدة منها أن يستعمل الدواء لحفظ نفسه، ومنها أن يستأجر شخصا للاستعانة به في بعض عباداته الواجبة عليه. ومنها أن يتيمم. والذي يكون محل البحث في الإجزاء وعدمه ليس هو كل أمر اضطراري وإنما هو خصوص الأمر الاضطراري الذي هو بدل عن الأمر الواقعي الاختياري، فعلى تقدير التبعية كما فرضه المشكل لابد إذا جعل المولى شيئاً بدل الواقع أن يكون يحصل به مصلحة الواقع أما بأجمعها أو بعضها وإلّا لو كان به مصلحة أجنبية عن مصلحة الواقع لما كان المجعول بدلًا عن الواقع بل هو أمر مستقل في هذه الحال نظير شرب الدواء واتخاذ معيناً للصلاة. هذا مضافاً لما عرفه في الجواب عن الإيراد الأول من أن نفس الإتيان للمأمور به بالأمر الاضطراري إنما يتصور فيه الإسقاط للأمر الواقعي لو كان فيه مصلحة الواقع وإلّا فلا يتصور فيه ذلك.


صفحه 200

ثم أورد (ره)ثالثاً:وهو أن هناك قسم آخر وهو أن يكون الأمر الاضطراري وايفاً بمصلحة الأمر الاختياري بحيث لا يفوت مقدار ملزم لكن بشرط عدم ارتفاع الإضطرار أما إذا أرتفع فلا يفي به.

ولا يخفى ما فيه فإن محل كلامنا في صورة وجود الأمر الإضطراري وفي الصورة المذكورة على تقدير ارتفاع الاضطرار لم يكن أمراً اضطرارياً أصلًا حتى ينازع في أن إتيان متعلقة مجزي عن الواقع أم لا؟ فهي تكون خارجة عن محل النزاع، وعلى تقدير استمرار الاضطرار فيكون الأمر الاضطراري موجوداً أو تكون الصور من قبيل الصورة الأولى.

ويرد عليهم‌رابعاً:إنه في الصورة الثانية- أعني صورة عدم وفاء المأمور به بالأمر الثانوي بالمصلحة وعدم إمكان الاستيفاء للباقي منها- إن الباقي إن كان مستحباً فيجوز البدار فكيف حكم بعدم جواز البدار فيها؟ وإن كان واجباً فينبغي التفصيل بين صورة ما إذا كان الموجب لامتناع استيفاء الباقي هو نفس إتيان المأمور به الثانوي فلا يجوز الأمر به، لأن الإتيان المذكور مفوت المقدار من مصلحة المولى الواجب، وإن كان نفس الاضطرار والعذر هو المانع صح ذلك، لأنه لو لم يأمر به فاتته جميع المصلحة إلّا أنه يجوز له البدار على هذا التقدير.

وجوابه أن هذه الصور محط نظرهم فيها هو بيان الاجزاء عن الواقعي الأولي والبحث عن البدار إنما هو استطرادي أجنبي عن عنوان الكلام، وإنما نحن تكلمنا فيه تتميماً للفائدة فإذا كان الباقي مستحباً فلا إشكال في الاجزاء وإنما محل الإشكال فيها هو صورة ما إذا كان الباقي‌


صفحه 201

واجب الاستيفاء من جهة إن الإتيان بالأمر الاضطراري فيها مفوت لباقي المصلحة الواجب استيفائه فلا يصح الأمر به لكونه أمراً بما يفوت بعض غرض المولى الواجب تحصيله، فلذا لم يحكموا فيها بالأجزاء إلّا إذا كانت مصلحة يتدارك بها الغرض الفائت وتسمى بالتدارك، وإما صورة كون نفس الاضطرار والعذر هو المانع من إستيفاء باقي الغرض الواجب فهي خارجة عن محل الكلام، لأن محل كلامنا ما يمكن استيفاء تمام غرض المولى القائم بالمأمور به بالأمر الواقعي بحيث يصح للمولى بعد إرتفاع الاضطرار الأمر به، وعند عصيان العبد للأمر الاضطراري أن يمتثله عند ارتفاع الاضطرار إذ محل الكلام في الأجزاء عنه وفي الصورة المذكورة لا يصح للمولى الأمر بالواقع الأولي عند ارتفاع الاضطرار لعدم تمكن العبد من تحصيل غرض المولى حتى يكون مجال الكلام في الاجزاء عنه وعدمه، وهكذا ليس له وجود لو عصى العبد الأمر الاضطراري ولو تعرضنا لهذه الصورة في عرض كلامنا فهو على سبيل الاستطراد لا وجه لاحتمالها في المقام ما صدر عن بعض المحققين (رحمهم الله).

ويرد عليهم‌خامساً:أن في الصورة الثالثة- أعني صورة فوت مقدار المصلحة الواجبة الذي يكن استيفائه عند طرو الاختيار- قد حكموا بعدم الاجزاء وجوب الإتيان بالمأمور به الواقعي عند طرو الإختيار لئلا يفوت المقدار الباقي من المصلحة الواجب.

ولا يخفى أن في هذه الصورة لا يكون الأمر الاضطراي الثانوي تكليفاً واجباً مستقلًا بحيث لو لم يأتِ به كان معاقباً عليه، وذلك لأنه‌