واجب الاستيفاء من جهة إن الإتيان بالأمر الاضطراري فيها مفوت لباقي المصلحة الواجب استيفائه فلا يصح الأمر به لكونه أمراً بما يفوت بعض غرض المولى الواجب تحصيله، فلذا لم يحكموا فيها بالأجزاء إلّا إذا كانت مصلحة يتدارك بها الغرض الفائت وتسمى بالتدارك، وإما صورة كون نفس الاضطرار والعذر هو المانع من إستيفاء باقي الغرض الواجب فهي خارجة عن محل الكلام، لأن محل كلامنا ما يمكن استيفاء تمام غرض المولى القائم بالمأمور به بالأمر الواقعي بحيث يصح للمولى بعد إرتفاع الاضطرار الأمر به، وعند عصيان العبد للأمر الاضطراري أن يمتثله عند ارتفاع الاضطرار إذ محل الكلام في الأجزاء عنه وفي الصورة المذكورة لا يصح للمولى الأمر بالواقع الأولي عند ارتفاع الاضطرار لعدم تمكن العبد من تحصيل غرض المولى حتى يكون مجال الكلام في الاجزاء عنه وعدمه، وهكذا ليس له وجود لو عصى العبد الأمر الاضطراري ولو تعرضنا لهذه الصورة في عرض كلامنا فهو على سبيل الاستطراد لا وجه لاحتمالها في المقام ما صدر عن بعض المحققين (رحمهم الله).
ويرد عليهمخامساً:أن في الصورة الثالثة- أعني صورة فوت مقدار المصلحة الواجبة الذي يكن استيفائه عند طرو الاختيار- قد حكموا بعدم الاجزاء وجوب الإتيان بالمأمور به الواقعي عند طرو الإختيار لئلا يفوت المقدار الباقي من المصلحة الواجب.
ولا يخفى أن في هذه الصورة لا يكون الأمر الاضطراي الثانوي تكليفاً واجباً مستقلًا بحيث لو لم يأتِ به كان معاقباً عليه، وذلك لأنه
مأمور بالواقع الأولي الذي تحصل به المصلحة التامة بعد زوال العذر والاضطرار فلا وجه لعد هذه الصورة في أقسام صور التكليف الاضطراري الواجب، وبهذا يظهر لك أن صور التكليف الاضطراري الواجب كلها ثلاثة. وقد عرفت أنها بأجمعها تقتضي الاجزاء فالاجزاء يكون لازماً للتكليف الاضطراري الثانوي.
وإن شئت قلت إن الصورة الأولى معلوم وجوب الأمر الاضطراري الثاوي فيها لاستيفاء الغرض به، والصورة الثانية قد عرفت إنه إنما يجب بها الأمر الاضطراري الثانوي إذا كان نفس الاضطرار والعذر مانعاً عن تحصيل بقية الغرض الواجب عند الاختيار وإلّا لو كان نفس الإتيان مانعاً عن تحصيله عند الاختيار لما جاز الأمر به، وفي الصورة الثالثة لما كان الغرض الباقي فيا يجب استيفائه عند الاختيار لم يجب الأمر الاضطراري كما عرفته، وفي الصورة الرابعة كان الأمر الاضطراري وافياً بالغرض الواجب والغرض الباقي ليس بواجب، ولا يخفى ما فيه فإنه ظاهر كلامهم في الصورة الثالثة إن الأمر الاضطراري الثانوي يحصل به قسم من الغرض الواجب وعند الاختيار إنما يحصل الباقي من الغرض الواجب لا أنه عند الاختيار يحصل جميع الغرض، وعليه فيكون الأمر الإضطراري الثانوي واجب لتحصيل قسم من الغرض الواجب والأمر الاختياري واجب لتحصيل البقية من الغرض الواجب لا أنه يُحصّله بأجمعه عند الاختيار. وبهذا ظهر لك فساد ما ذكره المرحومالآخند في كفايتهعند كلامه في هذه الصورة من أنه في هذه الصورة يتخير العبد بين عملين العمل الاضطراري في حالة الاضطرار والعمل الاختياري بعد
رفع الاضطرار وبين الاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار، فإنه لا وجه للاقتصار على إتيان ما هو تكليف المختار لأنه إنما يحصل بعض الغرض الواجب إذا سبقه الاضطرار.
ويردسادساً:من أنه إذا كان في الصورة الأولى يحصل تمام غرض المولى فيلزمه جواز تحصيل الإضطرار والعذر اختياراً مع إنه لا ريب في حرمة ذلك.
وأجاب عنه المرحومالمحقق الأصفهانيأن ذلك غير لازم لإمكان ترتب تمام الغرض على فعل البدل عن حصول الاضطرار والعذر بطبعه لا بالاختيار.
وأقول ويمكن أن يقال إن ذلك لا ينافي حرمة تحصيل الاضطرار والعذر فإنه لا منافاة بين حصول الغرض في حال الإضطرار بفعل البدل وحرمة تحصيل الاضطرار، فإنه طالما تكون الحالات المكروهة للمولى تقع فيها أعمال محصلة لغرض المولى كما في الواجبات المرتبة على فعل بعض المحرمات كالحدود.
والحاصل أن المتصور في المقام أمور ثلاثة:
أحدها:أن يكون الاضطرار والاختيار من قبيل الحضر والسفر فيكون تمام الغرض والمصلحة في المأمور به الاختياري بعينه في الاضطراري بحيث يكون المأمور به لها فردان أحدهما اختياري والآخر اضطراري ويكون أحدهما في عرض الآخر، وفي هذه الصورة يجوز أن يفوت العبد الاختيار بنفسه ويأتي بالفرد الاضطراري نظير أن يفوت الحضر بنفسه ويأتي الفرد السفري، وعليه لا معنى لبدلية أحدهما عن
الآخر لكونهما في عرض واحد، ولا وجه للبحث في الاجزاء في هذه الصورة لعدم بدلية أحدهما عن الآخر لكونهما في عرض واحد فيكونان من قبيل الفردين لواجب واحد جامع بينهما تكون المصلحة قائمة به، ويكون الوجوب تخييريا بينهما على نحو سائر افراد الواجبات التخييرية.
ثانيهما:أن يكون المأمور به الإضطراري وافيا بتمام الغرض ولكنه بشرط عروض الإضطرار والعذر عليه بدون الأختيار، فلا يجوز تفويت الإختيار بالإختيار فيكون موضوع الأمر الأضطراري في طول الأمر الأختياري ويكون الأضطراري على هذا بدل الأختياري لأنه في طوله لا في عرضه. ويجيء الكلام في الاجزاء هنا لكونه وافياً بتمام المصلحة.
ثالثهما:أن يكون مصلحة أخرى في الأضطراري غير مصلحة الواقع تامة لا نقصان فيها، فإن كانت لا يمتنع إجتماعهما مع مصلحة الواقع فلا محالة يكون الأمر يتعلق بهما معاً، ويكون كل من الاضطراري والاختياري واجباً مستقلًا يجب تحصيلهما معاً، ويجب على المكلف إحداث حالة الاضطرار ليستوفي المصلحة الملزمة، وأما إن كان بين المصلحتين تمانع بحيث لا يمكن تحصيلهما معاً كان الواجب أحدهما على سبيل التخيير، ويجوز له تحصيل الاضطرار اختيارياً ولا يجب عليه الإعادة. وهذه الصورة أيضاً خارجة عن محل البحث كما عرفته في واجب الإيراد الأول إذ لا بدلية في البين.
الكلام في المرحلة الثانية
مرحلة الإثبات
إن الكلام في هذه المرحلة في موضوعين:
الموضع الأول:يكون في الإجزاء.
الموضع الثاني:في جواز المبادرة.
أما الكلام في الموضع الأول وهو الأجزاء.
الأدلة على الإجزاء
إن ما يمكن ان يستدل به على الإجزاء أو أستدل به عدة أدلة:
الدليل الأول:ظهور الأوامر الأضطرارية والعذرية في سقوط الأمر الواقعي بامتثالهما، فإن ظاهر جعل الشيء بدلًا عن شيء آخر هو الاكتفاء به عنه. ويكون الدليل الدال على جعل شيء بدل عن الآخر يدل بالالتزام على الاكتفاء به عنه وسقوطه به، وعليه فإذا أتى العبد بالمأمور به الاضطراري سقط الأمر الواقعي الأولي، فلا يجب عند زوال العذر الإتيان به لا أداء ولا قضاء لما عرفت من أن سقوط الأمر يقتضي عدم إتيانه وعود نفس الأمر الواقعي بعد زواله محال، لأنه يلزم إعادة المعدوم وحدوث أمر آخر مثله ينفيه أصل البراءة بل سكوت المولى عن بيانه مع كونه في مقام البيان أدل دليل على عدمه ولعل هذا هو مراد من تمسك بالإطلاق على نقي الأمر بعد زوال العذر فإنه يسمى ذلك بالإطلاق السكوتي.
إن قلت إنا نشك في سقوط الأمر الاختياري للشك في أن بدلية المجعول هل تكون مطلقة أو مقيدة بحال العذر والاضطرار حتى ترفع بعد طرو الاختيار؟ فبإطلاق البدلية يثبت أن البلية إلى الأبد حتى مع ارتفاع الاضطرار ونحكم بسقوط الأمر الاختياري.
قلنا إن أريد بذلك بقاء الأمر بالأفراد الاختيارية حال الاضطرار فهو يلزم منه اجتماع الضدين حال الاضطرار وهو محال. وما يرتفع به
هذا المحذور في إجتماع الأمر الظاهر مع الأمر الواقعي من إختلاف المرتبة لا يجيء هنا لأنه وإن اختلفت المرتبة هنا إلّا أن الحكم الاضطراري حكم واقعي أيضاً مثل الاختياري مضافاً إلى أن اختلاف المرتبة إنما قالوه في الأوامر الظاهرية فراراً من التصويب الباطل، وهنا لا يلزم التصويب فلا دليل عليه، مضافاً إلى ظهور دليل البدل في ارتفاع حكم المبدل بنحو الحكومة على دليله والشرح له نظير دليل نفي العسر والحرج في ظهوره في ارتفاع الحكم الحرجي بنحو الحكومة على دليله، وإن أريد بقاء الأمر الكلي الجامع للأفراد الاضطرارية والاختيارية فهو غير معقول بقاءه لأنه قد سقط بحصول فرده الاضطرارية. نعم لو قلنا بأن الأمر الواقعي باقي حال الاضطرار وإن الاضطرار رافع لتنجزه فقط لا أنه مزيل له بالكلية فيمكن أن يقال باستصحاب بقاء الأمر الواقعي بعد طرو الاختيار فيرتب عليه وجوب الطاعة إذ لم يكن مانعاً منه إلّا الاضطرار وقد ارتفع. ولا يستصحب عدم تنجزه لأنه حكم عقلي. لكنك قد عرفت ظهور الأوامر العذرية في الاكتفاء بها عن الواقع فهي ظاهرة بالدلالة الإلتزامية على الاجزاء عن الواقع لا مجال للأصل، مضافاً لما ذكرناه من أن الأوامر الواقعية لا تبقى أصلًا مع الأوامر الاضطرارية وإلّا لزم اجتماع الضدين.
وأما بالنسبة للقضاء فإن كان بالأمر الأول فحاله حال الأداء، وإن كان بأمر جديد فإنه تابع لفوت الفريضة فلا قضاء، لأن المفروض إنه لم تفته فريضة إذ لم يكن في الواقع غير الأمر الاضطراري، ولو سلمنا وجود واقع غيره فإن الظاهر من أدلة القضاء هو فوت الفريضة الفعلية.
وإما لو قلنا القضاء تابع لفوت المصلحة اعتبار أن فوت الشيء كناية عن فوت مصلحته والغرض منه فوجهان من أصالة عدم درك مصلحة الفعل وليس الفوت إلّا عبارة عن ذلك، ومن إصالة عدم تحقق سب القضاء، والأول هو المتعين لحكومتها عليها إذ الشك في تحقق سب القضاء مسبب عن الشك في درك المصلحة التامة إلّا أن يمنع السببية بادعاء العينية إذ ليس سب القضاء إلّا عدم درك المصلحة فلا مجال لأصالة عدمه، لأن السبب حينئذ أمر عدمي موافق للأصل أو يمنع كون الفوت أمراً عدمياً وإنما هو أمر وجودي وهو ذهاب الشيء من الإنسان. وإما لو قلنا إن القضاء تابع لفوت التقرب والتعبد فلا يجب القضاء لأن العبد بإتيانه بمتعلق الأمر العذري لم يفته التقرب والتعبد.
وقد أجاب بعضهم بأن الموجود من أدلة القضاء هو قوله (ع): (لو فاتتك فريضة فاقضها كما فاتتك) وهو ليس له إطلاق لمحل الكلام وهو فوت الفريضة لأجل العمل بالحكم العذري لأن الخبر المذكور مسوق لبيان وجوب موافقة القضاء للأداء وليس بمسوق لوجوب أصل القضاء حتى يكون له إطلاق وعموم لمحل الكلام.
وفيه ما لا يخفى فإن مجرد كون الكلام مشتملًا على بيان بعض القيود والكيفيات لا يوجب كونه مساقاً لخصوص بيان ذل القيد ويكون غير مسوق لبيان الحكم وإلّا لزام عدم التمسك بإطلاق كل أمر مقيد بقيد إذ يدعى إنه مسوق لإشتراط قيده لا لبيان نفس الحكم، والقاعدة تقتضي إنه مسوق لبيان أصل الحكم وقيده لأن كل لفظ يحمل على البيان ما لم يكن مانع في البين.
إن قلت إن الاكتفاء الذي فرض كونه مدلولًا إلتزامياً لدليل البدل إنما هو تابع لدلالته المطابقية على وفاء البدل بالمصلحة التامة.
ولا ريب أن دليل المبدل يدل على أن المصلحة التامة إنما هي قائمة بالمبدل فقط ودلالته أقوى من دلالة دليل البدل فتسقط دلالة دليل البدل على مدلوله المطابقي. والالتزام تابع للدلالة المطابقة، ولو سلمنا عدم التبعية ففي المقام لابد من سقوطها لأن الدلالة الألتزامية إنما كانت من جهة دلالة دليل البدل على حصول المصلحة التامة بالدبل فإذا زالت هذه الدلالة فالإكتفاء به عن الواقع لا يكون لازماً كمدلوله وقد استفدنا هذا من كلام بعض أساتذتنا (رحمهم الله).
قلت إن دليل البدل له الحكومة على دليل المبدل، فهو في الدلالة مقدم عليه، مضافاً إلى أن دلالة دليل البدل على الاكتفاء بالدبل عن الواقع إنما كانت بواسطة دلالته على البدلية فإن العرف يرى كل شيء صار بدلًا عن شيء فقد اكتفي به عن ذلك. وهذا المعنى لا ينافيه دليل المبدل منه أصلًا وإذا اكتفى بالبدل عن المبدل منه فقد سقط وجوبه، وعوده يكون من قبيل إعادة المعدوم وهو محال. وحدوث أمراً آخر جديد مثله ينفيه أصل البراءة.
إن قلت إن ظاهر دليل البدل أنه أقل مادة ومصلحة من المبدل فهو ظاهر في عدم الاجزاء، بل إن ظاهر دليل المبدل أن المصلحة التامة متقومة به بنحو لو كان دليل البدل يدل على حصولها في البدل لكان معارضاً لدليل المبدل.