رفع الاضطرار وبين الاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار، فإنه لا وجه للاقتصار على إتيان ما هو تكليف المختار لأنه إنما يحصل بعض الغرض الواجب إذا سبقه الاضطرار.
ويردسادساً:من أنه إذا كان في الصورة الأولى يحصل تمام غرض المولى فيلزمه جواز تحصيل الإضطرار والعذر اختياراً مع إنه لا ريب في حرمة ذلك.
وأجاب عنه المرحومالمحقق الأصفهانيأن ذلك غير لازم لإمكان ترتب تمام الغرض على فعل البدل عن حصول الاضطرار والعذر بطبعه لا بالاختيار.
وأقول ويمكن أن يقال إن ذلك لا ينافي حرمة تحصيل الاضطرار والعذر فإنه لا منافاة بين حصول الغرض في حال الإضطرار بفعل البدل وحرمة تحصيل الاضطرار، فإنه طالما تكون الحالات المكروهة للمولى تقع فيها أعمال محصلة لغرض المولى كما في الواجبات المرتبة على فعل بعض المحرمات كالحدود.
والحاصل أن المتصور في المقام أمور ثلاثة:
أحدها:أن يكون الاضطرار والاختيار من قبيل الحضر والسفر فيكون تمام الغرض والمصلحة في المأمور به الاختياري بعينه في الاضطراري بحيث يكون المأمور به لها فردان أحدهما اختياري والآخر اضطراري ويكون أحدهما في عرض الآخر، وفي هذه الصورة يجوز أن يفوت العبد الاختيار بنفسه ويأتي بالفرد الاضطراري نظير أن يفوت الحضر بنفسه ويأتي الفرد السفري، وعليه لا معنى لبدلية أحدهما عن
الآخر لكونهما في عرض واحد، ولا وجه للبحث في الاجزاء في هذه الصورة لعدم بدلية أحدهما عن الآخر لكونهما في عرض واحد فيكونان من قبيل الفردين لواجب واحد جامع بينهما تكون المصلحة قائمة به، ويكون الوجوب تخييريا بينهما على نحو سائر افراد الواجبات التخييرية.
ثانيهما:أن يكون المأمور به الإضطراري وافيا بتمام الغرض ولكنه بشرط عروض الإضطرار والعذر عليه بدون الأختيار، فلا يجوز تفويت الإختيار بالإختيار فيكون موضوع الأمر الأضطراري في طول الأمر الأختياري ويكون الأضطراري على هذا بدل الأختياري لأنه في طوله لا في عرضه. ويجيء الكلام في الاجزاء هنا لكونه وافياً بتمام المصلحة.
ثالثهما:أن يكون مصلحة أخرى في الأضطراري غير مصلحة الواقع تامة لا نقصان فيها، فإن كانت لا يمتنع إجتماعهما مع مصلحة الواقع فلا محالة يكون الأمر يتعلق بهما معاً، ويكون كل من الاضطراري والاختياري واجباً مستقلًا يجب تحصيلهما معاً، ويجب على المكلف إحداث حالة الاضطرار ليستوفي المصلحة الملزمة، وأما إن كان بين المصلحتين تمانع بحيث لا يمكن تحصيلهما معاً كان الواجب أحدهما على سبيل التخيير، ويجوز له تحصيل الاضطرار اختيارياً ولا يجب عليه الإعادة. وهذه الصورة أيضاً خارجة عن محل البحث كما عرفته في واجب الإيراد الأول إذ لا بدلية في البين.
الكلام في المرحلة الثانية
مرحلة الإثبات
إن الكلام في هذه المرحلة في موضوعين:
الموضع الأول:يكون في الإجزاء.
الموضع الثاني:في جواز المبادرة.
أما الكلام في الموضع الأول وهو الأجزاء.
الأدلة على الإجزاء
إن ما يمكن ان يستدل به على الإجزاء أو أستدل به عدة أدلة:
الدليل الأول:ظهور الأوامر الأضطرارية والعذرية في سقوط الأمر الواقعي بامتثالهما، فإن ظاهر جعل الشيء بدلًا عن شيء آخر هو الاكتفاء به عنه. ويكون الدليل الدال على جعل شيء بدل عن الآخر يدل بالالتزام على الاكتفاء به عنه وسقوطه به، وعليه فإذا أتى العبد بالمأمور به الاضطراري سقط الأمر الواقعي الأولي، فلا يجب عند زوال العذر الإتيان به لا أداء ولا قضاء لما عرفت من أن سقوط الأمر يقتضي عدم إتيانه وعود نفس الأمر الواقعي بعد زواله محال، لأنه يلزم إعادة المعدوم وحدوث أمر آخر مثله ينفيه أصل البراءة بل سكوت المولى عن بيانه مع كونه في مقام البيان أدل دليل على عدمه ولعل هذا هو مراد من تمسك بالإطلاق على نقي الأمر بعد زوال العذر فإنه يسمى ذلك بالإطلاق السكوتي.
إن قلت إنا نشك في سقوط الأمر الاختياري للشك في أن بدلية المجعول هل تكون مطلقة أو مقيدة بحال العذر والاضطرار حتى ترفع بعد طرو الاختيار؟ فبإطلاق البدلية يثبت أن البلية إلى الأبد حتى مع ارتفاع الاضطرار ونحكم بسقوط الأمر الاختياري.
قلنا إن أريد بذلك بقاء الأمر بالأفراد الاختيارية حال الاضطرار فهو يلزم منه اجتماع الضدين حال الاضطرار وهو محال. وما يرتفع به
هذا المحذور في إجتماع الأمر الظاهر مع الأمر الواقعي من إختلاف المرتبة لا يجيء هنا لأنه وإن اختلفت المرتبة هنا إلّا أن الحكم الاضطراري حكم واقعي أيضاً مثل الاختياري مضافاً إلى أن اختلاف المرتبة إنما قالوه في الأوامر الظاهرية فراراً من التصويب الباطل، وهنا لا يلزم التصويب فلا دليل عليه، مضافاً إلى ظهور دليل البدل في ارتفاع حكم المبدل بنحو الحكومة على دليله والشرح له نظير دليل نفي العسر والحرج في ظهوره في ارتفاع الحكم الحرجي بنحو الحكومة على دليله، وإن أريد بقاء الأمر الكلي الجامع للأفراد الاضطرارية والاختيارية فهو غير معقول بقاءه لأنه قد سقط بحصول فرده الاضطرارية. نعم لو قلنا بأن الأمر الواقعي باقي حال الاضطرار وإن الاضطرار رافع لتنجزه فقط لا أنه مزيل له بالكلية فيمكن أن يقال باستصحاب بقاء الأمر الواقعي بعد طرو الاختيار فيرتب عليه وجوب الطاعة إذ لم يكن مانعاً منه إلّا الاضطرار وقد ارتفع. ولا يستصحب عدم تنجزه لأنه حكم عقلي. لكنك قد عرفت ظهور الأوامر العذرية في الاكتفاء بها عن الواقع فهي ظاهرة بالدلالة الإلتزامية على الاجزاء عن الواقع لا مجال للأصل، مضافاً لما ذكرناه من أن الأوامر الواقعية لا تبقى أصلًا مع الأوامر الاضطرارية وإلّا لزم اجتماع الضدين.
وأما بالنسبة للقضاء فإن كان بالأمر الأول فحاله حال الأداء، وإن كان بأمر جديد فإنه تابع لفوت الفريضة فلا قضاء، لأن المفروض إنه لم تفته فريضة إذ لم يكن في الواقع غير الأمر الاضطراري، ولو سلمنا وجود واقع غيره فإن الظاهر من أدلة القضاء هو فوت الفريضة الفعلية.
وإما لو قلنا القضاء تابع لفوت المصلحة اعتبار أن فوت الشيء كناية عن فوت مصلحته والغرض منه فوجهان من أصالة عدم درك مصلحة الفعل وليس الفوت إلّا عبارة عن ذلك، ومن إصالة عدم تحقق سب القضاء، والأول هو المتعين لحكومتها عليها إذ الشك في تحقق سب القضاء مسبب عن الشك في درك المصلحة التامة إلّا أن يمنع السببية بادعاء العينية إذ ليس سب القضاء إلّا عدم درك المصلحة فلا مجال لأصالة عدمه، لأن السبب حينئذ أمر عدمي موافق للأصل أو يمنع كون الفوت أمراً عدمياً وإنما هو أمر وجودي وهو ذهاب الشيء من الإنسان. وإما لو قلنا إن القضاء تابع لفوت التقرب والتعبد فلا يجب القضاء لأن العبد بإتيانه بمتعلق الأمر العذري لم يفته التقرب والتعبد.
وقد أجاب بعضهم بأن الموجود من أدلة القضاء هو قوله (ع): (لو فاتتك فريضة فاقضها كما فاتتك) وهو ليس له إطلاق لمحل الكلام وهو فوت الفريضة لأجل العمل بالحكم العذري لأن الخبر المذكور مسوق لبيان وجوب موافقة القضاء للأداء وليس بمسوق لوجوب أصل القضاء حتى يكون له إطلاق وعموم لمحل الكلام.
وفيه ما لا يخفى فإن مجرد كون الكلام مشتملًا على بيان بعض القيود والكيفيات لا يوجب كونه مساقاً لخصوص بيان ذل القيد ويكون غير مسوق لبيان الحكم وإلّا لزام عدم التمسك بإطلاق كل أمر مقيد بقيد إذ يدعى إنه مسوق لإشتراط قيده لا لبيان نفس الحكم، والقاعدة تقتضي إنه مسوق لبيان أصل الحكم وقيده لأن كل لفظ يحمل على البيان ما لم يكن مانع في البين.
إن قلت إن الاكتفاء الذي فرض كونه مدلولًا إلتزامياً لدليل البدل إنما هو تابع لدلالته المطابقية على وفاء البدل بالمصلحة التامة.
ولا ريب أن دليل المبدل يدل على أن المصلحة التامة إنما هي قائمة بالمبدل فقط ودلالته أقوى من دلالة دليل البدل فتسقط دلالة دليل البدل على مدلوله المطابقي. والالتزام تابع للدلالة المطابقة، ولو سلمنا عدم التبعية ففي المقام لابد من سقوطها لأن الدلالة الألتزامية إنما كانت من جهة دلالة دليل البدل على حصول المصلحة التامة بالدبل فإذا زالت هذه الدلالة فالإكتفاء به عن الواقع لا يكون لازماً كمدلوله وقد استفدنا هذا من كلام بعض أساتذتنا (رحمهم الله).
قلت إن دليل البدل له الحكومة على دليل المبدل، فهو في الدلالة مقدم عليه، مضافاً إلى أن دلالة دليل البدل على الاكتفاء بالدبل عن الواقع إنما كانت بواسطة دلالته على البدلية فإن العرف يرى كل شيء صار بدلًا عن شيء فقد اكتفي به عن ذلك. وهذا المعنى لا ينافيه دليل المبدل منه أصلًا وإذا اكتفى بالبدل عن المبدل منه فقد سقط وجوبه، وعوده يكون من قبيل إعادة المعدوم وهو محال. وحدوث أمراً آخر جديد مثله ينفيه أصل البراءة.
إن قلت إن ظاهر دليل البدل أنه أقل مادة ومصلحة من المبدل فهو ظاهر في عدم الاجزاء، بل إن ظاهر دليل المبدل أن المصلحة التامة متقومة به بنحو لو كان دليل البدل يدل على حصولها في البدل لكان معارضاً لدليل المبدل.
قلت إن ذلك لا ينافي الظهور في إكتفاء المولى بالبدل ما هو شأن كل بدل عن شيء آخر مضافاً إلى أنا لا نسلم ظهور دليل المبدل في ذلك.
إن قلت إن المولى إذا لم يكن في مقام البيان عند ذكر البدل فنرجع لإطلاق أو عموم المبدل منه.
قلنا لا يكون للمبدل منه عموم أو إطلاق بالنسبة إلى البدل لأن العموم والإطلاق فرع كون الشيء قابلًا للوجود في مرتبة القيد والخاص حتى يمكن تقييده أو تخصيصه به لأنه هو تضيق لدائرته وتحديد لوجوده وإلّا لزم إنقلاب المتقدم إلى المتأخر أو بالعكس، ولذا لا يمكن تقييد دليل الأمر والنهي بالعصيان والإطاعة لأنهما في مرتبة متأخرة عنه ولا إطلاقه وعومه بالنسبة إليهما، ولا يمكن تقييد العلة بالمعلول ولا إطلاقها وعمومها بالنسبة إليه، ولا يمكن تقييد دليل الواقعيات بالعلم و الجهل ولا الإطلاق والعموم بالنسبة إليهما لأن الإطلاق والعموم فرع إمكان التقييد والتخصيص.
إن قلت إن المولى إذا لم يكن في مقام البيان لا للمبدل ولا للبدل، فنحن نعلم إجمالًا باشتغال الذمة بالصلاة مثلًا وتوجه الأمر بها للمكلف وسقوط الأمر بها بإتيان الفرد الاختياري، قطعاً، وكذا سقوط الأمر بها بإتيان كلا الفردين الاضطراري الاختياري وأما الاكتفاء بالاضطراري فلم يعلم سقوط أمر الصلاة به واشتغال الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني وهو إنما يكون بالفرد الاتياري أو بهما معاً.
قلنا إنه ليس تكليف واحد جامع بين البدل والمبدل منه بل كان منهما تكليف غير الآخر إذ هما بعنوان غير عنوان الآخر نظير عنوان المسافر
والحاضر، ولا أقل من كون كل منهما شرط الوجوب فيه غير شرط وجوب الآخر وهو يقتضي المغايرة بينهما كيف وهما مختلفان في المرتبة فليس قدر جامع بينهما، مضافاً إلى ما عرفت من أن دلالة دليل البدل على الاكتفاء به عن تكليف المبدل إلتزامية فهي موجودة وإن لم يكن المولى في مقام البيان، مضافاً إلى أنه لو كان التكليف واحد متعلق بالقدر الجامع وأن المأمور به الأضطراري فرد منه فلابد من أن يسقط التكليف به ضرورة سقوط التكليف بإتيان أحد أفراده، ومقتضى القاعدة عدم وجوب الإتيان به مرة أخرى بفرد آخر لاستحالة عود الأمر للزوم إعادة المعدوم. وأصل البراءة ينفي حدوث أمر مثله.
إن قلت إن المولى إذا لم يكن في مقام البيان لا للمبدل ولا للبدل، فنحن نعلم إجمالًا بوجود مصلحة في البدل والمبدل منه ولكن نقطع حصولها بتمامها بالمبدل ونشك في حصولها بتمامها في البدل فيكون المقام دائراً بين التعيين للمبدل منه لاحتمال إنه هو الوافي بتمام المصلحة فقط دون البدل وبين التخيير بين البدل والمبدل منه لاحتمال أن كل واحد منهما يفي بتمام المصلحة، وحيث تردد التكليف بين التعيين والتخيير تعين الأخذ بالمعين لقاعدة الاشتغال، ولا وجه للرجوع لأصل البراءة عن التعيين لأنه تريد بين التعيين والتخيير العقلي لا التخيير الشرعي، لأن التخيير بين لأفراد الواجب عقلي لا شرعي.
قلت إن وقوع الشك بهذا النحو، يقتضي فرض زوال العذر والاضطرار إذ مع عدم زوال العذر لا يحتمل التخيير لعدم وجوب المبدل منه، وفي فرض زوال العذر لو كان البدل غير وافي بالمصلحة لما