يحكم به الشرع، وإنما يحكم به الشرع عند قيام دليل شرعي على أن المعصوم قد قال بذلك أو فعله أو قرره.
الأمر الرابع:قد تقدم أن محل الكلام في المقام هو حكم العقل من باب الحسن والقبح. وليس محل نزاعهم في هذا المقام هو حكم العقل مطلقاً، فإنالأشعريوالإخباري الذي ينكر هذه القاعدة لا يمنع من الأحكام العقلية التي يحكم بها الشرع من باب الاستلزامات كوجوب المقدمة أو حرمة الضد أو من باب الدلالة كدلالة الاقتضاء ومفهوم الأولوية ونحو ذلك. نعم لو كان البحث فيها من جهة حكم العقل بالحسن والقبح، بأن استفيد الحكم الشرعي فيها من حكم العقل بحسن المقدمة واستفيد حرمة الضد من حكم العقل بقبح الضد، واستفيد من حكم العقل بقبح ضرب الأب بعد تحريم الشارع لقول (أفٍّ) له حرمة الضرب كان النزاع المذكور يجري ههنا أيضا من هذه الناحية.
الأمر الخامس:أن النزاع يجري في حكم العقل المستند إلى الحسن والقبح سواء كان حكمه مستقلًا واستفادته مستقلة بأن كان المستفاد وهو حكم العقل واستفادته كل منهما استقلاليين غير تبعيين لخطاب الشارع بشيء آخر كحكم العقل بوجوب شكر المنعم ورد الوديعة وحفظ ابن المولى من الغرق من جهة حسنها، فإن حكم العقل بوجوبها واستحقاق الثواب عليها من جهة إدراكه لحسنها في نفسها من دون ملاحظة لخطاب الشارع بشيء أبداً وسواء كان حكمه من جهة الحسن والقبح واستفادته كل منهما تبعي لخطاب الشارع بشيء كما لو فرض حكم العقل بوجوب المقدمة من جهة حسنها، وحكم العقل بحرمة الضد
من جهة قبحه، فإن الحكم كان تبعي لخطاب الشارع بذي المقدمة فإنه لو زال لم يحكم العقل بوجوبها لعدم حسنها حينئذ وهكذا استفادة هذا الحكم العقلي كانت تبعية لأن العقل إنما استفاد حسن هذه المقدمة لهذا الفعل وقبح هذا الضد لهذا العمل من خطاب الشارع بذي المقدمة وبذلك العمل، فقد كان المستفاد وهو الحكم العقلي والاستفادة كلاهما بملاحظة الخطاب الشرعي بغير متعلقه. وسواء كان حكم العقل من جهة الحسن والقبح مستقلًا واستفادته كانت تبعية لخطاب الشرع بشيء آخر فيكون المستفاد مستقلا والاستفادة تبعية كحكم العقل بكون أقل الحمل ستة أشهر، فإنه بعد ملاحظة العقل لخطاب الشارع بقوله تعالى [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ] وخطابه بقوله تعالى [وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا] فإن العقل بعد ملاحظة هذين الخطابين يرى قبح أن يكون أقل الحمل أكثر من ستة أشهر، وهو حكم مستقل ليس بتبعي لحكم آخر ولكن استفادته إنما كانت بملاحظة خطابي الشارع المذكورين. والأولى التمثيل لذلك بحكم عقلي بعدم كون دية قطع أربعة من أصابع المرأة أقل من دية قطع ثلاثة أصابع منها. ففي روايةأبانأنه قال: (قلت لأبي عبد الله (ع) ما تقول في رجل قطع أصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال (ع):عشرة من الإبل. قلت قطع اثنين. قال (ع):عشرون قلت: قطع ثلاثة. قال (ع):ثلاثون قلت: قطع أربعا. قال (ع):عشرون. قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، أن هذا كان يبلغنا ونحن في العراق فنقول ان الذي جاء به شيطان. فقال (ع):مهلًا يا أبان هذا حكم رسول الله
(ص) أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين). فإن حكم العقل بعدم أقلية دية أربعة الأصابع عن دية ثلاثتها من جهة قبح ذلك، وهو حكم مستقل غير تابع لحكم آخر، ولكن استفادة هذا الحكم عقلًا إنما كان بملاحظة خطاب الشارع بالدية لأصابع المرأة بالنحو المذكور. ونظير ذلك أيضاً حكم العقل بقبح النظر لصورة الأجنبية في المرأة بملاحظة حكم الشرع بالنهي للنظر لها في الخارج وأما إذا كانت الاستفادة استقلالية والمستفاد وهو الحكم العقلي تبعيا فلم نستحضر له مثالًا.
والحاصل أن الحكم العقلي المذكور بهذه الأقسام هو محل الكلام، والنزاع في القاعدة المذكورة بمعنى أن المراد من القاعدة المذكورة هو مطلق الحكم العقلي من جهة الحسن والقبح سواء أكان استقلالياً أم تبعياً وسواء أكانت استفادته استقلالية أم تبعية، فإنه كلما تحقق يتحقق معه على طبقه الحكم الشرعي.
أما دخول القسم الأول منه وهو ما كان الحكم العقلي استقلالياً واستفادته استقلالية في محل النزاع وإرادته من القاعدة فهو القدر المتيقن من عناوين النزاع في هذا المقام بل ظاهر كلماتهم انحصار النزاع فيه.
وأما دخول القسم الثاني وهو ما كان الحكم العقلي تبعيا واستفادته تبعية في محل النزاع هو ما حكي عنالسيد الصدرفي بحث الإجماع من أن اتفاق المحدثين والإخباريين حجة معتبرة كاشفة عن وجود دليل معتبر على المتفق عليه لأنهم لا يقولون بالإستلزامات العقلية، وأما اتفاق
غيرهم من المجتهدين فلا لأنهم يقولون بحجية الاستلزامات العقلية غير المعتبرة فيكون إجماعهم غير كاشف على سبيل القطع عن رأي المعصوم فلا يكون حجة.
وأما دخول القسم الثالث وهو ما كان الحكم العقلي استقلالياً واستفادته تبعية في محل النزاع فيشهد له تمسك الإخباريين بخبرأبانفإنه لوتمّ يدل على عدم تمامية القاعدة المذكورة فيما إذا كانت الاستفادة تبعية والمستفاد استقلالياً. هذا ولكن الظاهر من كلمات القوم هو النزاع في القسم الأول وهو ما كان الحكم العقلي المستفاد استقلالياً والاستفادة استقلالية، وأما القسم الثاني والثالث فالظاهر أنهما يدخلان في حريم النزاع فيقول بالملازمة فيهما من قال بها هنا وينكرها من أنكرها هنا إذا كانت الملازمة المدعاة من باب التحسين والتقبيح العقليين، وأما إذا كانت من باب الدلالة اللفظية كمن يدعي دلالة الأمر على النهي عن الضد أو الدلالة العقلية كمن يدعي دلالة الأمر على وجوب المقدمة فلا مجال للنزاع في ذلك، ولذا نجد الكثير ممن أنكر الملازمة المذكورة يقول بالقسم الثاني والثالث ولكن لا من باب الملازمة من جهة التحسين والتقبيح العقليين.
الأمر السادس:اشتهر بين الأصحابكالفاضلين والشهيدينوغيرهم إثبات الأحكام بقاعدة الحسن والقبح العقليين بناء على هذه الملازمة أعني كلما حكم به العقل حكم به الشرع، واعترضهم جملة من المتأخرين بعد تسليمهم التحسين والتقبيح العقليين فمنعوا تلك الملازمة. وقد اختلف القوم بين قائلين بثبوتها مطلقاً وبين قائلين بعدمها مطلقاً
وبين قائلين بثبوتها في أصول الدين ومنكرين لها فيما عداها وبين قائلين بها في ضروريات الدين دون نظرياته وبين قائلين بالملازمة في الظاهر دون الواقع.
الأمر السابع:ربما يقال بل قد قيل لو تمت هذه القاعدة فإنما يستفاد منها الحكم الشرعي بضم أمور إليها لا بمعنى أن بعد جزم العقل بالحسن والقبح يشترط العلم بالحكم الشرعي بتلك الأمور بل المراد أنه لا يحصل الجزم للعقل بالحسن والقبح عند فقدها لو إلتفت إليها أو إلى عدم حصولها وإن أمكن حصول الجزم بدونها عند عدم الالتفات إليها وهي امور ثلاثة:
أحدها:أن يكون العمل من البديهيات حُسْنَه أو قُبْحَه لا من الأمور التي اختلف فيها الخواص والعقلاء في حسنها أو قبحها كذبح الحيوان.
وثانيها:أن لا يكون ذلك الفعل مما يعم به البلوى ولا سيّما إذا كان الاحتياج إليه شديداً ويفتقر إليه عامة الناس في الأكثر.
وثالثها:أن عدم احتمال أن يكون في الشرعيات ما يدل على خلافه خصوصا أو عموما غير قابل للتخصيص أو إطلاقا غير قابل للتقييد إذ لو كان شيء مما يختلف فيه العقول وكان مما يحتاج الناس إليه ولم يصل فيه من الشارع نص أو دليل فلا يمكن حصول الجزم لأحد بعدم رضا الله سبحانه وتعالى بفعله أو تركه والتكليف فيه سيّما إذا دل بعض الظواهر على خلافه إذ يحكم العقل الصرّيح والوجدان الصحيح بأنه لو كان فيه تكليف من الشارع على طبق العقل لأخبر به ولم يحوله إلى بعض العقول مع اختلافها فيه وشدة احتياج عامة الناس إليه مع وجود
عموم شرعي أو خصوص على خلافه، فإن الله سبحانه لا يتكل في تخصيصه أو طرحه على بعض العقول وهذا أمر ظاهر جداً.
ويدل عليه ما روي عن سيد الساجدين (ع) (أن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة). فإن مع اختلاف العقول يكون بعضها ناقصة لا محالة.
فإن قيل إن العلم بالحسن والقبح يوجب العلم بالحكم الشرعي إذا حصلت تلك الأمور الثلاثة لو لم نقل بأن الشارع بيّن جميع الأحكام. وأما إذا قلنا به وأنها مخزونة عند أهلها كما ورد في الروايات فلا يصح لأنه لا يحكم حينئذ بأن الشارع حوّل ذلك الحكم إلى بعض العقول بل بينّه لرسوله (ص) وهو خزنه عند خلفائه. غاية الأمر أنه لم يصل إلينا لبعض الموانع، ولم يظهروه لمصلحة هم أعلم بها.
قلنا هذا غفلة عن معنى قولهم (الأحكام مخزونة عند أهلها) بيان ذلك أن العقل الصريح حاكم بأنه إذا حلل الشارع أموراً أو حرم أموراً لمصالح عباده ولردعهم عن المفاسد وبينه لنبيه فلا وجه لكتمانه وإخزانه إلّا إذا كان النقص من جانب المكلفين والنقص الذي يتصور من جانبهم هو التقية أو عدم احتمال عقولهم، ونرى أن شيئا منهما لا يصلح لذلك،أما الأول:فلأنا نرى أنهم (ع) أظهروا أولى الأحكام بالتقية من لعن خلفاء الجور ووجوب عداوتهم والنصوص على إمامة الأئمة الاثنى عشر، وكذا أظهروا ما أجمعت العامة على خلافه وشددوا عليه من جواز المتعتين وعدم جواز المسح على الخفين وبطلان العول والتعصيب إلى غير ذلك مع أنه لا يتصور التقية في الإظهار مع خواص الأصحاب.
وأما الثاني:فلأنهم أظهروا ما لا يدرك العقول وجهه أصلا كضرب الدية على العاقلة وأيضا نرى أن أحاديثنا المروية في كتب أصحابنا كافية في بيان جميع الأحكام عموما أو خصوصا إطلاقاً أو تقييداً صريحاً أو التزاماً بحيث لم يبق شيء إلا وقد بين حكمه فيها حتى أرش الخدش الذي ورد أنه مخزون عند أهله ولو فرض خروج شيء فهو نادر ولا يصلح للكتمان والإخزان، ومع ذلك قد صرحت الأحاديث بخلاف ذلك كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) أن أمير المؤمنين (ع) قال: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للأمة جميع ما يحتاج إليه)، وقال: أمير المؤمنين (ع) في حديث آخر (أم أنزل الله دينا ناقصا فقصّر رسول الله عن تبليغه وأدائه) ويؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنة، وعلى هذا فليس معنى هذا العبارة ما فهموه بل غير ذلك.
وتوضيح ذلك أن المعنى المذكور قد روي في الأحاديث بعبارات مختلفة ففي بعضها (أن الأحكام عند أهلها)، وفي بعضها (أنه في إخزان الجامعة وفيها علم الحلال والحرام) وفي ثالث (أن الله سبحانه ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد)، وفي رابع (أن جميع الأحكام في الكتاب وعلم الكتاب عندنا) وليس المراد من شيء منها أنها مخزونة عندهم (ع) وهم لا يظهرونه، بل هذا إنما وقع في مقام الرد على العامة الذين كانوا حيارى يعملون تارة بالقياس وأخرى بالاستحسان وثالثة بالمصالح وغيرها، فلما منعوا (ع) العامة عن الرجوع إلى ذلك ردوا عليهم العامة بأنه لا مفر من ذلك لأن الله عز جاره لم يبين جميع الأحكام.
فأجابوا (ع) بأنه بينه وهو عند أهله وأنتم ضيعتم الأهل فلو عرفتموه وسألتموه لعلمتم الأحكام كلها.
ويدل على ذلك أن أكثر هذه الأخبار إنما ورد في مقام الرد على العامة وذم القياس بل المراجع إلى تلك الأحاديث يقطع بأن المقصود ما ذكرنا.
ويؤيد ذلك أيضاً أن أحداً من أصحابهم مع كثرتهم وكثرة سؤالهم لم يسأل عن شيء إلا وقد أجابوا عنه، ولم يقولوا لأحد إن هذا يجب أختزانه ولا يصلح إظهاره. فالمراد بكون الأحكام مخزونة عند أهلها أن لها أهلًا هم يعلمونها ويجب الأخذ عنهم لا العمل بالقياس وأمثاله، وقد أخذها أصحابنا وأوصلوها إلينا، ولهذا قال جمع من أصحابنا (إن عدم المدرك فيما يعم به البلوى مدرك العدم)، وعلى هذا فما كان على الأوصاف التي ذكرنا يعلم أنه لم يصدر حكم للشارع فيه وأن الحكم الشرعي هو ما حكم به العقل كذا ذكره المرحومالنراقي.
الأمر الثامن:قد يتوهم من كلام بعضهم أن متابعة هذا الحكم العقلي وإثبات التكليف به لا يجوز إلّا بعد الفحص عن الأدلة الشرعية لإمكان العثور على معارض مساوي وأقوى يوجب زوال الجزم العقلي، وهذا ضعيف جداً، لأن الفحص عن المعارض إنما يكون بعد احتمال وجوده، وأما بدونه فيعد ذلك الفحص سفها لجزم العقل بالحكم.
فإن قيل يمكن أن يكون العقل يجزم بشيء ولم يجوز وجود معارض له ومع ذلك يرتفع الجزم الأول بعد العثور عليه وحينئذ فكيف يحصل الجزم الأول. قلنا: