فأجابوا (ع) بأنه بينه وهو عند أهله وأنتم ضيعتم الأهل فلو عرفتموه وسألتموه لعلمتم الأحكام كلها.
ويدل على ذلك أن أكثر هذه الأخبار إنما ورد في مقام الرد على العامة وذم القياس بل المراجع إلى تلك الأحاديث يقطع بأن المقصود ما ذكرنا.
ويؤيد ذلك أيضاً أن أحداً من أصحابهم مع كثرتهم وكثرة سؤالهم لم يسأل عن شيء إلا وقد أجابوا عنه، ولم يقولوا لأحد إن هذا يجب أختزانه ولا يصلح إظهاره. فالمراد بكون الأحكام مخزونة عند أهلها أن لها أهلًا هم يعلمونها ويجب الأخذ عنهم لا العمل بالقياس وأمثاله، وقد أخذها أصحابنا وأوصلوها إلينا، ولهذا قال جمع من أصحابنا (إن عدم المدرك فيما يعم به البلوى مدرك العدم)، وعلى هذا فما كان على الأوصاف التي ذكرنا يعلم أنه لم يصدر حكم للشارع فيه وأن الحكم الشرعي هو ما حكم به العقل كذا ذكره المرحومالنراقي.
الأمر الثامن:قد يتوهم من كلام بعضهم أن متابعة هذا الحكم العقلي وإثبات التكليف به لا يجوز إلّا بعد الفحص عن الأدلة الشرعية لإمكان العثور على معارض مساوي وأقوى يوجب زوال الجزم العقلي، وهذا ضعيف جداً، لأن الفحص عن المعارض إنما يكون بعد احتمال وجوده، وأما بدونه فيعد ذلك الفحص سفها لجزم العقل بالحكم.
فإن قيل يمكن أن يكون العقل يجزم بشيء ولم يجوز وجود معارض له ومع ذلك يرتفع الجزم الأول بعد العثور عليه وحينئذ فكيف يحصل الجزم الأول. قلنا:
أولًا:أنه لو صح هذا لجرى في كل بديهي مجزوم به فيلزم ارتفاع الجزم رأساً مع إنا نقطع بالجزم في بعض الأمور.
ثانياً:أن الجازم بشيء متى كان جازماً به لا يجوز أن يحصل له أمر يكون سبباً لأرتفاع جزمه بالشيء وإلا لم يحصل له الجزم به كما يحكم به الوجدان كذا ذكرهالنراقي.
الأمر التاسع:قال صحابالوافيةأنه لا يكاد يوجد شيء يندرج في هذه القاعدة إلا وهو منصوص من الشرع ووصل النص إلينا فتكون الفائدة في هذا الخطاب نادرة واستطرفه السيد الشارح واستحسنه واستجوده، وقالالنراقي(ره) هو كذلك. وما قيل من أن العمل بظن المجتهد من أعظم ثمرات هذا الأصل وأي فائدة أعظم منه ولا ريب أن الدليل المعتمد فيه ليس غير دليل العقل.
مردود بأنه إن اريد بظن المجتهد مطلق ظنّه فلا دليل عليه من العقل، وما أعتمدوا عليه من دليل الأنسداد ونحوه غير صالح للإعتماد بل الدليل القطعي على عدم حجيته من العقل موجود، إذ ظاهر غاية الظهور ان هذا الأمر العظيم العام البلوى الذي للناس إليه أحتياج شديد بل هو مبنى تمام الأحكام عليه فلو كان حجة لبيّنه الشارع مع تواتر العمومات الكتابية والخبرية على النهي عنه ومع شدة اختلاف العقول في فهمه حتى أن المعظم بل غير واحد صرح بعدم حجيته. وسيأتي تمام الكلام فيه في موضعه، وإن أريد ظنون خاصة فقد وجد عليه الدليل الشرعي القطعي كما سيأتي في مواضعه.
ولكن لا يخفى أن كثيراً من العموميات أو المطلقات تخصص بحكم العقل. وقد حدث في هذه الأيام أن وقع الكلام في نقل عضو ميت لحي فاستدلنا لهم بحكم العقل بجواز ذلك لأن العضو بدل أن يكون فريسة للدود والتراب يجعل في محل يحيى به مع المحافظة عليه من التلف. وهكذا لنا كلام في تصرف الولي في شؤون الصغير ومن راجع كتبنا في الفقه يرى أهمية حكم العقل من باب التحسين والتقبيح.
أدلة المثبتين للقاعدة
إذا عرفت ذلك فقد استدلوا على هذه القاعدة بأدلة:
الدليل الأول:أن العقل إذا رأى حسن شيء أو قبحه فهو يرى أن الشارع المقدس يكون عنده ذلك الشيء كذلك، لأنه إذا حكم العقل برجحان العمل أو بعدم رجحانه على سبيل القطع، فهو يرى أنه في نفس الأمر يكون كذلك، وإذا كان العمل في نفس الأمر كذلك فلا ريب أنه يكون عند الشارع تعالى هو كذلك ضرورة علمه تعالى بالأشياء على ما هي عليها في نفس الأمر، وبعد علمه بذلك يقبح منه أن يحكم بما يخالف الأمر نفسه، بل هو خلاف الحكمة والعدل وهو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين. فالعقل بعد هذه المقدمات يقطع بأن الشارع تعالى حكمه في هذا العمل هو عين حكم العقل والقطع حجة فتكون الحجة قائمة على حكم العمل عند الشارع بذلك.
إن قلت يحتمل أن يكون حكم العقل بحسن العمل أو قبحه وقطعه بالمدح عليه والثواب عليه أو قطعه بالذم عليه والعقاب عليه جهلًا مركباً، وأنه في الأمر نفسه ليس كذلك.
قلنا إن هذا الاحتمال لا يتصور من الشخص القاطع والعقل الحاكم مادام قاطعاً وعقله حاكماً وبعد زوال قطعه وزوال حكم عقله يخرج عن محل البحث.
إن قلت إنه لو سلّم أن العمل حسن أو قبيح وإنما هو بحسب نظرنا ولا نسلم أنه كذلك في نظر الشارع حتى يكون حكمه تعالى على طبق حكم العقل.
قلنا هذا الاحتمال لا يحتمله القاطع والحاكم عقله بحسن العمل أو قبحه لأنه يرى أن الواقع كذلك، والشارع يعلم بالواقع فيكون قاطعا بأن الشارع قد علم بالواقع كذلك ولذا كان الحكم العقلي واقعيته عين ظاهريته، لأن واقعية الحسن والقبح بفعليتهما وإدراك العقل لهما فعلًا، وقضية ذلك أنه متى استقل العقل بالحكم وأدركه بواسطة الحسن والقبح يحكم بأنه حكم واقعي حكماً جزمياً لما يراه من أنه عين الواقع ومتنه ولا يتعقل وحينئذ معنى لظاهريته فكانت فعليته عين واقعيته. وهذا بخلاف المصالح والمفاسد فإنها قد توجد في الواقع وليست موجودة لدينا في الظاهر لعدم إدراكنا لها. وعليه فلو فرض انكشاف غلبة المفاسد الواقعية على الحسن الموجود أو العكس في بعض فيرفع اليد عن حكمه حين الانكشاف لا أنه ينكشف عن كون حكمه مبنياً على الظاهر
من ابتداء الأمر. ضرورة أن الخطأ في واقعية ما حكم به لا يكون إلا من جهة الخلل في المقدمات وهو لا يوجب الحكم بكون ما أدركه العقل حكماً ظاهرياً.
الدليل الثاني:على هذه القاعدة آيات منها هو قوله تعالى من سورة النحل [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ].
وذلك لأن كل ما حكم به العقل بقبحه هو من الفحشاء والمنكر لأن الفحشاء هو ما يستقبح عقلًا والمنكر هو ما يستنكر عقلًا كما فسّره بذلك أهل اللغة. وليس المراد بهما ما يستقبح شرعاً ويستنكر شرعاً وإلّا لزم في الآية تحريم المحرم وهو من تحصيل الحاصل إذ ظاهر هذه الآية الإنشاء وإن كان لسانها لسان الإخبار، فتكون مفاد الآية هو تحريم ما حرمه العقل واستنكره. كما أنها تدل على أمره تعالى بما حكم العقل بكونه إحساناً، وهذا هو الملازمة التي ادعاها القوم من أنه كلما حكم به العقل من كونه حسن فعله أو قبيحاً فعله حكم به الشرع. هذا وقد قرر الاستدلال بهذه الآية جملة من المتأخرين بغير هذا النحو بأن قالوا: إن المراد بالعدل هو المستقيم لأن عدل الأفعال عبارة عن مستقيمها ووسطها فتدل الآية على كون كل مستقيم عقلًا مأمور به شرعاً، وكذا المراد بالفحشاء والمنكر هو القبيح فتدل الفقرة الثانية على كون كل قبيح عقلًا منهياً عنه من جانب الشارع. وأورد عليه صاحبالفصولبوجوه:
أحدها:منع كون المراد بالعدل ما يقابل القبيح بل المراد به ما يقابل الظلم تنزيلًا للفظ على معناه المتبادر منه. وفيه أن العدل معناه اللغوي
هو الاعتدال والاستقامة فحمله على غيره يحتاج إلى قرينة، ولو سلم فمقابلته بالفحشاء والمنكر الظاهران في القبيح هو إرادة ما يقابل القبيح من العدل، ولو سلم فدلالة الآية على النهي عن الفحشاء تقتضي الأمر بالحسن لأن ترك الحسن من الفاحشة فيكون منهيا عنه شرعا وفعل الحسن مأمور به شرعا لما ثبت من أن النهي عن ترك الشيء عين الأمر بالشيء وهو مطلوب.
ثانيها:أنه لا عموم في العدل فإنه مفرد معرف وهو ظاهر في الجنس فلا يفيد كون كل عدلٍ مأمور به إذ يكفي في تحقق الجنس تحقق فرد منه.
وفيه ما لا يخفى فإنه بدلالة الإقتضاء يفيد العموم إذ لا معنى ولا فائدة في الأمر بعدلٍ واحد غير معين، كما لا فائدة في النهي عن منكر واحد غير معين. مضافا إلى ما عرفته من أن ترك الحسن من الفواحش فيكون منهيا عنه وفعله مأموراً به لما ثبت في محله من أن النهي عن ترك الشيء، عين الأمر بالشيء وهو عبارة عنه.
ثالثها:بما يرجع إليه ومحصل كلامه من أن الظاهر من الأمر هو الوجوب والظاهر من النهي هو التحريم ولا ريب أن العدل بالمعنى المذكور أعني بمعنى الحسن يشمل الواجب والمندوب. والمنكر بمعنى القبيح يشمل المحرم والمكروه، فلو كان العدل يراد منه المعنى المذكور لزم دلالة الآية على وجوب المستحب العقلي وعلى حرمة المكروه العقلي فلا يطابق الشرع للعقل
وفيه إنا لا نسلم ظهور الأمر في خصوص الوجوب والنهي في خصوص التحريم، ولو سلم فبقرينة مناسبة الحكم للموضوع يحمل الأمر على ما هو الأعم من الوجوب والاستحباب، والنهي على ما هو الأعم من التحريم والكراهة.
ومنها قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ] بتقريب أن المراد بالفواحش القبائح فتدل الآية على أن الشارع قد حرم كل قبيح عقلي وبضميمة عدم الفصل بين القبيح والحسن بمعنى أنه كل من قال بأن الملازمة ثابتة في القبيح يقول بثبوتها في الحسن يتم المطلوب. أو بتعميم الفواحش إلى ترك الحسن فتدل الآية على تحريم الشارع لترك الحسن العقلي وهو عبارة عن أمر الشارع بفعل الحسن العقلي.
ومنها قوله تعالى [يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] وتقريب الاستدلال بهذه الآية واضح، فإن ما حسن فعله من المعروف وما قبح فعله من المنكر. والآية الشريفة تقتضي الأمر بما حسنه العقل والنهي عما قبّحه العقل. وهكذا الفقرة الثانية فإن ما حسن فعله من الطيبات وما قبح فعله من الخبائث. والمراد بالحل أعم من الوجوب بقرينة مقابلته بالحرام.
الدليل الثالث:على هذه القاعدة وهو مبني على مقدمات متى سلمت لزم الاعتراف بالملازمة بين الحكمين.
المقدمة الأولى:أن العقل مما يحسن ويقبح وقد عرفت في المقام الأول أنها ضرورية.
المقدمة الثانية:كلما حسنه العقل أو قبحه فهو عند الشارع حسن أو قبيح لأن تجويز مخالفته له إما التجويز الخطأ عليه أو على العقل وكلاهما محال. أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن اتهام العقل في الضروريات يوجب انقطاعه في النظريات كالعقائد الواجبة حتى إثبات الصانع بطريق أولى.
المقدمة الثالثة:أنه كلما حسنه الشارع أو قبحه فهو يحدّ، وحيثيّة تقتضي أن يأمر به أو ينهى عنه إذ لو لم يكن بهذا الحد وبهذه الحيثية لكان يجيزه الشارع، ولازم ذلك أن يجيز مثل ترك شكر المنعم ورد الوديعة، ويجيز فعل القبيح المحظور كقتل النفوس ونهب الأموال وذلك عليه تعالى محال.
المقدمة الرابعة:أن كلما كان بهذه الحيثية فقد كلف به الشارع فأمر أو نهى لاقتضاء الحكمة في إبداع الإنسان الذي خلق لأجله السماوات والأرض وما فيهما أن يكلفه بما هو حسن وفيه المصلحة له، وينهاه عما هو قبيح وما فيه المفسدة عليه.
المقدمة الخامسة:أن كل فاعل للمأمور به مستحق للثواب، وكل تارك له أو فاعل للمنهي عنه مستحق للعقاب، وهذه المقدمة عقلية إجماعية لا نزاع فيها بين مثبتي قاعدة الحسن. وبعد ثبوت هذه المقدمات يلزم أن كل فاعل لما حسنه العقل أو قبحه فاعل لما أمر به الشارع أو نهى عنه مستحق عليه الثواب أو العقاب فثبت المطلوب وهو التلازم بين الحكمين.