من ابتداء الأمر. ضرورة أن الخطأ في واقعية ما حكم به لا يكون إلا من جهة الخلل في المقدمات وهو لا يوجب الحكم بكون ما أدركه العقل حكماً ظاهرياً.
الدليل الثاني:على هذه القاعدة آيات منها هو قوله تعالى من سورة النحل [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ].
وذلك لأن كل ما حكم به العقل بقبحه هو من الفحشاء والمنكر لأن الفحشاء هو ما يستقبح عقلًا والمنكر هو ما يستنكر عقلًا كما فسّره بذلك أهل اللغة. وليس المراد بهما ما يستقبح شرعاً ويستنكر شرعاً وإلّا لزم في الآية تحريم المحرم وهو من تحصيل الحاصل إذ ظاهر هذه الآية الإنشاء وإن كان لسانها لسان الإخبار، فتكون مفاد الآية هو تحريم ما حرمه العقل واستنكره. كما أنها تدل على أمره تعالى بما حكم العقل بكونه إحساناً، وهذا هو الملازمة التي ادعاها القوم من أنه كلما حكم به العقل من كونه حسن فعله أو قبيحاً فعله حكم به الشرع. هذا وقد قرر الاستدلال بهذه الآية جملة من المتأخرين بغير هذا النحو بأن قالوا: إن المراد بالعدل هو المستقيم لأن عدل الأفعال عبارة عن مستقيمها ووسطها فتدل الآية على كون كل مستقيم عقلًا مأمور به شرعاً، وكذا المراد بالفحشاء والمنكر هو القبيح فتدل الفقرة الثانية على كون كل قبيح عقلًا منهياً عنه من جانب الشارع. وأورد عليه صاحبالفصولبوجوه:
أحدها:منع كون المراد بالعدل ما يقابل القبيح بل المراد به ما يقابل الظلم تنزيلًا للفظ على معناه المتبادر منه. وفيه أن العدل معناه اللغوي
هو الاعتدال والاستقامة فحمله على غيره يحتاج إلى قرينة، ولو سلم فمقابلته بالفحشاء والمنكر الظاهران في القبيح هو إرادة ما يقابل القبيح من العدل، ولو سلم فدلالة الآية على النهي عن الفحشاء تقتضي الأمر بالحسن لأن ترك الحسن من الفاحشة فيكون منهيا عنه شرعا وفعل الحسن مأمور به شرعا لما ثبت من أن النهي عن ترك الشيء عين الأمر بالشيء وهو مطلوب.
ثانيها:أنه لا عموم في العدل فإنه مفرد معرف وهو ظاهر في الجنس فلا يفيد كون كل عدلٍ مأمور به إذ يكفي في تحقق الجنس تحقق فرد منه.
وفيه ما لا يخفى فإنه بدلالة الإقتضاء يفيد العموم إذ لا معنى ولا فائدة في الأمر بعدلٍ واحد غير معين، كما لا فائدة في النهي عن منكر واحد غير معين. مضافا إلى ما عرفته من أن ترك الحسن من الفواحش فيكون منهيا عنه وفعله مأموراً به لما ثبت في محله من أن النهي عن ترك الشيء، عين الأمر بالشيء وهو عبارة عنه.
ثالثها:بما يرجع إليه ومحصل كلامه من أن الظاهر من الأمر هو الوجوب والظاهر من النهي هو التحريم ولا ريب أن العدل بالمعنى المذكور أعني بمعنى الحسن يشمل الواجب والمندوب. والمنكر بمعنى القبيح يشمل المحرم والمكروه، فلو كان العدل يراد منه المعنى المذكور لزم دلالة الآية على وجوب المستحب العقلي وعلى حرمة المكروه العقلي فلا يطابق الشرع للعقل
وفيه إنا لا نسلم ظهور الأمر في خصوص الوجوب والنهي في خصوص التحريم، ولو سلم فبقرينة مناسبة الحكم للموضوع يحمل الأمر على ما هو الأعم من الوجوب والاستحباب، والنهي على ما هو الأعم من التحريم والكراهة.
ومنها قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ] بتقريب أن المراد بالفواحش القبائح فتدل الآية على أن الشارع قد حرم كل قبيح عقلي وبضميمة عدم الفصل بين القبيح والحسن بمعنى أنه كل من قال بأن الملازمة ثابتة في القبيح يقول بثبوتها في الحسن يتم المطلوب. أو بتعميم الفواحش إلى ترك الحسن فتدل الآية على تحريم الشارع لترك الحسن العقلي وهو عبارة عن أمر الشارع بفعل الحسن العقلي.
ومنها قوله تعالى [يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] وتقريب الاستدلال بهذه الآية واضح، فإن ما حسن فعله من المعروف وما قبح فعله من المنكر. والآية الشريفة تقتضي الأمر بما حسنه العقل والنهي عما قبّحه العقل. وهكذا الفقرة الثانية فإن ما حسن فعله من الطيبات وما قبح فعله من الخبائث. والمراد بالحل أعم من الوجوب بقرينة مقابلته بالحرام.
الدليل الثالث:على هذه القاعدة وهو مبني على مقدمات متى سلمت لزم الاعتراف بالملازمة بين الحكمين.
المقدمة الأولى:أن العقل مما يحسن ويقبح وقد عرفت في المقام الأول أنها ضرورية.
المقدمة الثانية:كلما حسنه العقل أو قبحه فهو عند الشارع حسن أو قبيح لأن تجويز مخالفته له إما التجويز الخطأ عليه أو على العقل وكلاهما محال. أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن اتهام العقل في الضروريات يوجب انقطاعه في النظريات كالعقائد الواجبة حتى إثبات الصانع بطريق أولى.
المقدمة الثالثة:أنه كلما حسنه الشارع أو قبحه فهو يحدّ، وحيثيّة تقتضي أن يأمر به أو ينهى عنه إذ لو لم يكن بهذا الحد وبهذه الحيثية لكان يجيزه الشارع، ولازم ذلك أن يجيز مثل ترك شكر المنعم ورد الوديعة، ويجيز فعل القبيح المحظور كقتل النفوس ونهب الأموال وذلك عليه تعالى محال.
المقدمة الرابعة:أن كلما كان بهذه الحيثية فقد كلف به الشارع فأمر أو نهى لاقتضاء الحكمة في إبداع الإنسان الذي خلق لأجله السماوات والأرض وما فيهما أن يكلفه بما هو حسن وفيه المصلحة له، وينهاه عما هو قبيح وما فيه المفسدة عليه.
المقدمة الخامسة:أن كل فاعل للمأمور به مستحق للثواب، وكل تارك له أو فاعل للمنهي عنه مستحق للعقاب، وهذه المقدمة عقلية إجماعية لا نزاع فيها بين مثبتي قاعدة الحسن. وبعد ثبوت هذه المقدمات يلزم أن كل فاعل لما حسنه العقل أو قبحه فاعل لما أمر به الشارع أو نهى عنه مستحق عليه الثواب أو العقاب فثبت المطلوب وهو التلازم بين الحكمين.
الدليل الرابع:على هذه القاعدة هو أن الواجب العقلي ما كرهه العقلاء ومقتوا تركه، والحرام ما مقتوا فعله، ولا ريب أن جلّ شأنه منهم فإنه سيدهم وخالقهم فيكون ما يكرهه العقلاء يكرهه الله تعالى، وما يمقته العقلاء يمقته الله تعالى. ومعلوم أن كل ما مقته الله تعالى يستحق عليه مرتكبه العقاب وليس الواجب الشرعي إلا ما يستحق تاركه العقاب ولا الحرام إلا ما يستحق فاعله العقاب فكان كل واجب عقلي واجباً شرعياً وكل حرام حراماً، ولا يقدح في تحقيق الاستحقاق عروض السقوط لعارض من مغفرة ونحوها. ودعوى دخول وقوع العقاب في مفهوم الواجب والحرام حتى يكون الواجب الشرعي ما يلزم تاركه العقاب والحرام ما يلزم فاعله العقاب في حيّز المنع كيف ونحن لا نعرف في الإيجاب والتحريم إلا الاستحقاق.
الدليل الخامس:على هذه القاعدة دعوى الضرورة، وتقريره أن من الواضح أن العقل يستقل بالحكم على بعض الأفعال بأنه مما ألزم الله عباده بفعله كرد الوديعة وعلى بعضها مما ألزم الله بتركه كالظلم. ولا يخفى ما فيه فإن محط البحث هو الملازمة بين حكم العقل بالإلزام بالفعل أو بالترك وبين حكم الشرع بذلك، والضرورة المذكورة أجنبية عما نحن فيه.
الدليل السادس:على هذه القاعدة ما فيالقوانينمن إجماع العلماء من الإمامية بل وغيرهم على أن من جملة أدلة أحكام الشرع هو العقل ومع عدم الملازمة لا حجة لحكم العقل. ويؤيد ذلك نقلالشيخ (ره) في العدّةعدم الخلاف على هذه القاعدة، ونقلجمال
الدينفي تعليقاته علىالعضديعدم الخلاف بين العدلية في هذه القاعدة. وجوابه لو سلمنا ذلك فلا نسلم إجماعهم على حجيته من باب التحسين والتقبيح العقليين الذي هو محل البحث بأن تكون معرفته للحكم الشرعي من جهة إدراكه لحسن الفعل أو قبحه بأن يكون إدراكه لحسن الفعل موجباً لإدراكه لمطلوبية الشارع له وإدراكه لقبح الفعل، موجبا لإدراكه لمبغوضية الفعل بل إنما هو حجة عندهم من جهات أخرى كما يستدل به على وجود الباري ووحدانيته من جهة حكم العقل بأن الأثر لا بد له من مؤثر وتعدد السلطان موجب لفساد النظام، وكما يستدل به في المفاهيم والاستلزامات بصون كلام الحكيم عن اللغوية، وكما يستدل به على وجوب المقدمة وحرمة الضد ونحو ذلك.
الدليل السابع:على هذه القاعدة الأخبار الكثيرة الواردة في العقل والجهل الدالة على (أن العقل به يثاب ويعاقب. وبه يكتسب الجنان ويطاع الرحمن) فإنه لولا الملازمة بين حكم العقل والشرع لما أكتسب به الجنان وما أثيب به ويعاقب به.
وفيه ما لا يخفى فإنه من المحتمل أن يراد منها انه شرط للتكليف كالبلوغ ونحوه، فيكون المراد منها شرط لصحة التكليف ومبيّن ما يصح التكليف به وما لا يصح، ومن يصح تكليفه ومن لا يصح، وأنه المرشد للناس إلى طاعة أوامر الله ونواهيه، والمانع لهم عن عصيانها، وأنه به يعرف وجود الباري وصفاته وبه يعبد الله تعالى وبه يعاقب على ترك معرفته والاعتقاد بأصول الدين.
إن قلت إن بعضها ظاهر في الملازمة كخبر هشام عن أبي الحسن موسى (ع) حيث فيه (يا هشام أن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، أما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول).
قلنا ليس فيه ظهور فإنه من المحتمل أن يكون المراد أن لله حجة على مطلوباته العقلية كالإذاعان بوجوده وصفاته وغير ذلك من الأمور العقلية الاعتقادية كنبوة نبيه فإنها لا تعرف إلا بالعقل، وحجة على مطلوبات السمعية وهي الأنبياء والأئمة. وهذا أجنبي عن دعوى الملازمة. نعم تصلح تلك الأخبار مؤيدات للمطلوب، فقد روي عن الصادق (ع) (أن العقل دليل المؤمن) وقد روي عن النبي (ص) (أن العقل به يسترشد) وفي حديث هشام عن الكاظم (ع) (أنه الحجة الباطنة). وعنه (ع) (أن العقل شرع من داخل والشرع عقل من الخارج). وروي عنالكافي والأمالي والعلل والاختصاصوغيرها بأسانيد عديدة عن الباقر (ع) والصادق (ع) والنبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) (أنه تعالى قال للعقل إياك أأمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة وقد عقد فيالكافيلذلك باباً مستقلًا فإنه قد يستظهر منها المطلوب باعتبار أنه لولا أن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع لما كان العقل بتلك المنزلة.
الدليل الثامن:على هذه القاعدة أن الأمر بالقبيح قبيح عقلا كالنهي عن الحسن فلا يمكن صدور حكم مخالف لما أدركه العقل من الحسن
والقبح لعلمه وحكمته وتعاليه عن الحاجة والنقصان. ودعوى أن هذا لا يثيب الملازمة لجواز خلو الواقعة عن الحكم الشرعي رأساً. مدفوعة بأنه قد ثبت عندنا بالأخبار والآثار من أن الله تعالى في كل واقعة حكما معينا بينه لنبيه (ص) وبينه نبيه (ص) لأوصيائه (ع)، فالأحكام كلها مخزونة عندهم وليس في الواقع واقعة خالية من الحكم المجعول للشارع.
أدلة الخصم
استدل المنكرون للملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع مطلقا بوجوه:
أحدها:ما يظهر منالسيد الصدر القمي (ره)في شرحه علىالوافيةمن أن ما تدركه عقولنا من جهات الحسن والقبح لا نحرز صدق حكمه لجواز غفلته عن معارضته جهة أخرى موجبة للقبح مع رجحان الثانية على الأولى. نعم لو أحاط العقل بالعلة التامة فحكم باعتبارها بالحسن والقبح لقطعنا بصدق حكمه، ولعل القليل من الأحكام تكون كذلك إذ أكثرها مما لا سبيل للعقل إلى الإحاطة بجهاتها المقتضية للحسن أو القبح فعلى هذا يمكن أن يكون شيء حسنا عند عقولنا قبيحا في الواقع وبالعكس. سلمنا إحاطة العقل بالجهات الموجبة للحسن أو القبح لكن الحق أن الحكم الشرعي الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب أو ما شابه العقاب مثل ما يترتب على المكروه هو ليس إلّا طلب الشارع من المكلف فعلًا أو تركاً بحيث تتحقق الطالبية والمطلوبية في الخارج.
وبالجملة أن وجود الإضافة التي يعبر عنها بالخطاب معتبر في تحقق حقيقة الحكم وليس الحكم الشرعي مجرد علم الشارع بان شيئا خاصا مما