العقل باستحقاقهم العقاب عليه فهل تجد من نفسك أن تقول أنهم غير مستحقين للعقاب لعموم قول المولى؟
الوجه الثالث:بأنها معارضة مع الآية الشريفة الأخرى وهي قوله تعالى [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] حيث اشتملت على التعليل بالهلاك عن بينة والحياة عن بينة. ولا ريب أن منصوص العلة حجة ومقتضى ذلك الأخذ بحكم العقل لكونه مبينا لقبح الشيء وترتب العقاب على فعله أو تركه، والتعارض بين هذه الآية والآية السابقة من قبيل تعارض العامين من وجه إذ يجتمعان ويتعارضان فيما يستقل به العقل كقبح الظلم قبل البعث، فالآية الأولى تدل على نفي التعذيب على الظلم قبل البعث، والثانية تدل على تعذيب الظالم وهلاكه قبل البعث لأن العقل بيّن قبحه وترتب العقاب، عليه وأما مادتا الافتراق فافتراق الأولى من الثانية فيما لا يستقل به العقل قبل البعث، كالجمع بين الأختين قبل البعث حيث تدل الأولى على نفي التعذيب عليه ولا تثبته الثانية، وافتراق الثانية من الأولى حكم الرسول بحرمة ما لا يستقل العقل به بعد بعثته حيث تدل الثانية على العقاب على تركه ولا تنفيه الأولى، وحيث قد عرفت تعارضها في مادة اجتماعهما فلا بد من الرجوع للمرجحات وهي مع الأخيرة لكون دلالتها على محل التعارض أقوى. ولو سلمنا عدم الأقوائية والتساقط، ولا تبقى الآية الأولى حجة في المدعى.
الوجه الرابع:ما أشرنا إليه فيما سبق من أن الآية ظاهرة في المدعى وأدلة الملازمة بين حكم العقل والشرع قاطعة بل هي براهين ساطعة فلا يقابل الظاهر القاطع.
ودعوى أن حكم العقل تعليقي حيث أنه معلق على عدم ورود الشرع فحجيّته معلقة على عدم ورود الدليل الشرعي وقد فرض وروده مدفوعة بأن حكم العقل في الكبرى وهو أنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع تنجيزي لا يخالفه حكم الحكيم.
نعم في الصغريات وهي إدراك أن هذا الفعل حسن يلزم فعله أو قبيح يلزم تركه قد يحصل للعقل الخطأ وهو خارج عن محل البحث، وقد يقرب الاستدلال بالآية الشريفة على نفي الملازمة بأن نفي التعذيب إباحة للعمل فلا وجوب ولا حرمة شرعيين.
وجوابه يعلم مما سبق من أنه في المستقلات العقلية لم ينفَ استحقاق التعذيب بل هو ثابت عقلا ولازمه ثبوت الحرمة والوجوب شرعاً.
الدليل الثاني:للخصم على عدم الملازمة المذكورة بل عدم حجية حكم العقل هو تضافر الأخبار الدالة على (أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه أمر أو نهي). فإنا نقول إن هذا الشيء الذي استقل بوجوبه أو حرمته العقل مما لم يرد فيه نهي أو أمر، وكل شيء لم يرد فيه نهي أو أمر فهو مطلق أي مرخص فيه، أما الصغرى فبالفرض، وأما الكبرى للخبر المتقدم.
ودعوى أن الصغرى ممنوعة لورود الأمر العقلي أو النهي العقلي فيما يستقل به العقل فاسدة، إذ إن المتبادر من الأمر والنهي في الروايات
الأمر والنهي اللفظيان الشرعيان ولا سيما وفي بعضها قوله (حتى يرد فيه النص). وعلى هذا فلا تكليف في شيء قبل ورود الأمر والنهي اللفظيين وإن استقل العقل فقبحه فحكم العقل بحرمة الظلم مثلا قبل ورود النهي اللفظي من الشارع عنه لا عبرة به بل الظلم بمقتضى تلك الروايات حينئذ مباح شرعاً مع أنه حرام عقلًا فلا ملازمة كلية بين حكم العقل وحكم الشرع.
إن قلت إن الصغرى ممنوعة من جهة أخرى وذلك لأن المراد بالورود في الرواية وهو الورود النفسي الأمري ومن أين يمكن إثبات ذلك إذ لعله ورد في الواقع أمر أو نهي بهذا الشيء الذي استقل به العقل وأنت لم تطلع عليه.
قلنا نفرض إنا قطعنا بعدم الورود في مورد، ففي هذا المورد لم تثبت قاعدة الملازمة وهو كافي لنفي كليتها على أنه لو احتملنا ورودهما من الشارع في الواقع لكن لم نجدهما فشككنا في ذلك فندفع احتمال ورودهما منه بالأصل فأن الأصل عدم ورود النص من الشارع في تلك الواقعة أو نقول لا نحتاج في دفعه إلى الأصل بل ندفعه بأن المتبادر من قوله (ع): (حتى يرد) هو حتى يصل وليس المراد به حتى يصدر فإنه قد ثبت بالأدلة صدور جميع الأحكام وكونها مخزونة عند أهلها حتى أرش الخدش.
وعليه فيكون الشيء الذي لم يعلم بورود الأمر والنهي فيه مشمولًا للرواية فيكون مطلقا ومرخصا فيه، والجواب عن هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول:انصراف عموم قوله (كل شيء) عن المستقلات العقلية لكونها فردا نادرا بناء على عدم حجية العام في أفراده النادرة كما مرّ في ما مثلنا لك.
الوجه الثاني:بأنها ظاهرة مع أن أدلة كلية الملازمة قاطعة فلا بد من طرح الظاهر أو تأويله، والتأويل ممكن فتحمل الرواية على الأعم من الأمر العقلي والنهي العقلي، وعليه فيكون ما يستقل به العقل ليس بمطلق لورود الأمر والنهي العقليين فيه أو نقول أن عموم الرواية مخصص بغير ما يستقل به العقل فلا يكون ما يستقل به العقل قبل ورود الأمر والنهي مطلقا كما خصصناه بما قام الإجماع أو فعل المعصوم (ع) أو تقريره على الأمر والنهي.
الدليل الثالث:للخصم على عدم كلية الملازمة بل، وعلى عدم حجية العقل ما رواهأبانفي أصابع المرأة حيث قال: (لأبي عبد الله(ع):ما تقول في رجل قطع أصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت قطع أثنين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً، قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون، إن هذا يبلغنا ونحن في العراق فنبرء ممن قاله، ونقول الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان هذا حكم رسول الله (ص) أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان أنك أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين). والرواية صحيحة السند صريحة الدلالة حيث صرح الإمام (ع) بعدم الملازمة بين حكم العقل بعدم
قلة دية قطع أربعة أصابع عن دية قطع ثلاثة أصابع مع أن الشرع قد حكم بذلك، بل هذه الرواية تدل على عدم حجية العقل وعدم جواز اتباع حكم العقل.
لايقال إن الأولوية الموجودة في الرواية عقلية ظنية والإمام (ع) حكم بعدم حجية ذلك، والخصم يقول بعدم حجية العقل الظني، وأما حجية العقل القطعي التي يدعيه الخصم لا تنفيه الرواية فما تنفيه لا يثبته الخصم. لأنا نقول لا ريب في أن الأولوية العقلية المذكورة في الرواية كانت قطعية كما يشهد بذلك قوله أبان (سبحان الله) بعد بيان الإمام (ع) حكم دية الأربعة من الأصابع. كيف والعقل قاطع بأن دية قطع الأربع من الأصابع لا تنقص من قطع ثلاث منها ومع ذلك منع المعصوم عن حجيتها.
لا يقال إن دعوى الخصم حجية العقل فيما كان الاستفادة والمستفاد كلاهما مستقلين والرواية تنفي حجية العقل فيما إذا كان المستفاد مستقلًا والاستفادة تبعية فإن حكم العقل بعد ملاحظة أن دية قطع ثلاث منها ثلاثون من الإبل يقطع بأن دية الأربع لا ينقص عن ثلاثين إبلًا فلا تكون الرواية نافية لحجية العقل فيما إذا كان كل من الاستفادة والمستفاد أصليين فلا يضر الخصم، لأنا نقول:
أولا: أنك قد عرفت في تحرير محل النزاع أن النزاع أعم مما كان كل من الاستفادة والمستفاد مستقلين ومما كانا تبعيين أو مختلفين.
وثانيا:بعدما ثبت عدم الملازمة وعدم حجية العقل في ما كانا مختلفين نثبت عدم الملازمة والحجية في المستقلين والتبعيين بالإجماع المركب لأن كل من قال بعدم حجيته في المختلفين قال بالعدم في المستقلين.
وثالثاً:بتنقيح المناط فلو كان العقل حجة لكان حجة في المقامين وإلا فلا. لا يقال أن ههنا مقامان: أحدهما في الصغرى وهي أن ذلك حكم العقل والآخر في الكبرى وهو أن كما حكم به العقل حكم به الشرع وكان حجة فيحتمل أن يكون حكم الإمام (ع) بعدم جواز اتباع حكم العقل في مورد الرواية لأجل تخطئة الإمام (ع) لأبان في تشخيص الصغرى بأن كان (ع) قد خطئه في أن ذلك هو مما يحكم به العقل لا أن الإمام (ع) تعلق منعه بالكبرى وهي الملازمة وحجية العقل بعد تحقيق حكمه في المقام.
فالرواية غير نافعة للمستدل، وبعبارة أخرى أن المستفاد من الرواية أن قطع أبان في هذه الواقعة كان خطأ والمعصوم (ع) نبهه على خطئه وهذا لا يستلزم عدم ملازمة حكم الشرع لحكم العقل وعدم حجية حكم العقل. والحاصل أن هنا مقامان:
المقام الأول:أن نقول أإن القطع العقلي الحاصل لأبان كان خطأ.
المقام الثاني:أن القطع العقلي وإن لم يظهر خطأه ليس يلازمه حكم الشرع وليس بحجة، والمستفاد من الرواية الأول دون الثاني.
لأنا نقول ظاهر الرواية بل صريحها تعلق المنع بالكبرى وأن منعه (ع) إنما كان عن الملازمة وعن حجية العقل لا من جهة تخطئته في حكم العقل كما يشهد به قوله (ع): (يا أبان أنك أخذتني بالقياس
والسنة إذا قيست محق الدين) ولو كان المراد هو الأول أعني المنع من الصغرى لكان المناسب أن يقول المعصوم (ع): (مهلا يا أبان أنك قد أخطأت في هذا الحكم) لا أنه يقول (ع) له: (قد أخذتني بالقياس). فاذن ليس مقصوده (ع) إلّا نفي ملازمة حكم الشرع لحكم العقل القطعي المستفاد بطريق الأولوية والقياس.
ولا يقال إن غاية ما يستفاد من الرواية أن الملازمة غير ثابتة بعد الإطلاع على المخالفة للواقع. والعقل ليس بحجة بعد الإطلاع على كون الفرع على خلاف حكمه كما هو الحال في سائر الأدلة. وقوله (ع) لأبان (أخذتني بالقياس) بيان إلى أن وحشة أبان من ذلك ليس لها وجه إلّا الأخذ بالقياس لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بقوله (ع): (والسنة إذا قيست محق الدين) ضرورة أن إطلاقه حاكم بأن السنة إذا قيست أضمحل الدين سواء أحصل الاطلاع على خلافه أم لم يحصل.
والحاصل أن الرواية ظاهرة في عدم الملازمة وعدم حجية حكم العقل.
والجواب عن هذا الاستدلال بالرواية:
أولا:أن حكم العقل على قسمين عقل قطعي وعقل ظني، والأخير خارج عن محل النزاع والأول أمّا لا معارض له أصلًا، وأما له معارض وعلى الأخير إما معارضة الشرع القطعي كما لو سمع من الإمام صريحا ما ينافي العقل القاطع أو الشرع الظني، والرواية المذكورة لاتنفي إلا الملازمة وحجية العقل الظني والقطعي الذي له المعارض الشرعي القطعي إما الملازمة وحجية العقل القطعي الخالي عن المعارض الشرعي
القطعي فالرواية لا تنفيها والخصم لا يدّعي غير ذلك فالرواية لا تضر الخصم.
وثانياً:أن الرواية من الآحاد ودلالتها ظنية فهي لا تقاوم الأدلة القطعية، فلا بد من تأويلها ولو بدعوى أنها لنفي الملازمة بين حكم العقل الظني وبين حكم الشرع ولنفي حجية العقل الظني فإن الأولويات لا تستدعي القطع غير القابل للتشكيك فتأمل فإن المناقشة مستحكمة.
الدليل الرابع:للخصم على عدم حجية العقل هو ما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة في الولاية عن الأمام الباقر (ع) حيث (قال(ع):بني الإسلام على خمسة أشياء إلى أن قال: أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وجمع جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان). وجه الاستدلال ظاهر إذ نفى ترتب الثواب على العمل الذي لا يكون بدلالة ولي الله وإن كان ذلك العمل ما يستقل به العقل ضرورة أن التصدق بجميع المال في سبيل الله مما يستقل العقل بحسنه فقد كان الأمر العقلي ثابت مع عدم الأمر الشرعي، فقد دلت الرواية على عدم التلازم بين العقل والشرع، وعدم حجية حكم العقل.
لا يقال تخصص الرواية بغير ما يستقل به العقل لأنا نقول:
أولا:أن الأصل عدم التخصيص.
وثانيا:التخصيص به يوجب جواز التخصيص في المورد مع أنه باطل، وأمّا كونه موجبا لذلك لأن المورد التصدق بجميع ماله مع كون