بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 62

والسنة إذا قيست محق الدين‌) ولو كان المراد هو الأول أعني المنع من الصغرى لكان المناسب أن يقول المعصوم (ع): (مهلا يا أبان أنك قد أخطأت في هذا الحكم‌) لا أنه يقول (ع) له: (قد أخذتني بالقياس‌). فاذن ليس مقصوده (ع) إلّا نفي ملازمة حكم الشرع لحكم العقل القطعي المستفاد بطريق الأولوية والقياس.

ولا يقال إن غاية ما يستفاد من الرواية أن الملازمة غير ثابتة بعد الإطلاع على المخالفة للواقع. والعقل ليس بحجة بعد الإطلاع على كون الفرع على خلاف حكمه كما هو الحال في سائر الأدلة. وقوله (ع) لأبان (أخذتني بالقياس‌) بيان إلى أن وحشة أبان من ذلك ليس لها وجه إلّا الأخذ بالقياس لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بقوله (ع): (والسنة إذا قيست محق الدين‌) ضرورة أن إطلاقه حاكم بأن السنة إذا قيست أضمحل الدين سواء أحصل الاطلاع على خلافه أم لم يحصل.

والحاصل أن الرواية ظاهرة في عدم الملازمة وعدم حجية حكم العقل.

والجواب عن هذا الاستدلال بالرواية:

أولا:أن حكم العقل على قسمين عقل قطعي وعقل ظني، والأخير خارج عن محل النزاع والأول أمّا لا معارض له أصلًا، وأما له معارض وعلى الأخير إما معارضة الشرع القطعي كما لو سمع من الإمام صريحا ما ينافي العقل القاطع أو الشرع الظني، والرواية المذكورة لاتنفي إلا الملازمة وحجية العقل الظني والقطعي الذي له المعارض الشرعي القطعي إما الملازمة وحجية العقل القطعي الخالي عن المعارض الشرعي‌


صفحه 63

القطعي فالرواية لا تنفيها والخصم لا يدّعي غير ذلك فالرواية لا تضر الخصم.

وثانياً:أن الرواية من الآحاد ودلالتها ظنية فهي لا تقاوم الأدلة القطعية، فلا بد من تأويلها ولو بدعوى أنها لنفي الملازمة بين حكم العقل الظني وبين حكم الشرع ولنفي حجية العقل الظني فإن الأولويات لا تستدعي القطع غير القابل للتشكيك فتأمل فإن المناقشة مستحكمة.

الدليل الرابع:للخصم على عدم حجية العقل هو ما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة في الولاية عن الأمام الباقر (ع) حيث (قال‌(ع):بني الإسلام على خمسة أشياء إلى أن قال: أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وجمع جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان‌). وجه الاستدلال ظاهر إذ نفى ترتب الثواب على العمل الذي لا يكون بدلالة ولي الله وإن كان ذلك العمل ما يستقل به العقل ضرورة أن التصدق بجميع المال في سبيل الله مما يستقل العقل بحسنه فقد كان الأمر العقلي ثابت مع عدم الأمر الشرعي، فقد دلت الرواية على عدم التلازم بين العقل والشرع، وعدم حجية حكم العقل.

لا يقال تخصص الرواية بغير ما يستقل به العقل لأنا نقول:

أولا:أن الأصل عدم التخصيص.

وثانيا:التخصيص به يوجب جواز التخصيص في المورد مع أنه باطل، وأمّا كونه موجبا لذلك لأن المورد التصدق بجميع ماله مع كون‌


صفحه 64

العقل مستقلا بحسنه فلو خصصنا عدم الحجية بما يستقل به العقل لزم التخصيص بالمورد.

لا يقال أن مراتب الأجر على العمل على ثلاثة أقسام، إعطاء الثواب، ورفع العذاب، وتخفيف العقاب. والخصم يدعي ترتب الأجر في الجملة وبأي مرتبة حصل، والرواية تنفي ترتب الأجر بمعنى إعطاء الثواب دون الأخيرتين فلا يضر الخصم لأنا نقول لفظ (الحق) نكرة في الرواية، والنكرة إذا وقعت في النفي تفيد العموم فيكون الأجر بمعاينة الثلاثة منفي، اللهم إلّا أن يقول إنه وأن كانت نكرة إلا أنه مقيد بقوله (ثوابه) والثواب ظاهر في الأول خاصة. لا يقال إن غاية ما يستفاد من الرواية هو نفي الثواب الفعلي عما لا يكون بدلالة الولي لا أنها تدل على نفي استحقاق الثواب على العمل الذي لم يكن بدلالة الولي بل بدلالة العقل، والمطلوب هو الأخير دون الأول. لأنا نقول:

أولا:أن المتبادر بل صريح الرواية هو نفي الاستحقاق كما هو معلوم من قوله (ليس له على الله تعالى حق).

ثانياً:سلمنا عدم تصريح الرواية بنفي الاستحقاق لكن نقول عدم إعطاء الثواب يدل على عدم الاستحقاق وإلّا لو كان مستحقا لذلك الثواب ولم يعطه الله تعالى الثواب لزم الظلم عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وليس ذاك من قبيل نفي العذاب لأن عدم العذاب لا يدل على عدم الاستحقاق فيمكن مع استحقاق العذاب ترك تعذيبه تفضلا، ولا يلزم منه الظلم.


صفحه 65

والجواب عن هذا الدليل مضافاً إلى أنه ظني لا يعارض القطعي. وأن حجية العقل والملازمة مأخوذة من ولي الله تعالى ومن كتاب الله تعالى كما تقدم. هو أن تلك الرواية إما لا تدل على المدعى أصلًا، وأما مستلزمة لخلاف الإجماع، ولما لا يلتزم به الخصم وذلك لأن (الواو) في قوله (ويكون جميع أعماله بدلالته إليه) إما أن يكون باقياً على معناه الحقيقي وهو مطلق الجمع فحينئذ لا دلالة لها على مدعاه لأن قوله (ع): (ويكون جميع أعماله بدلالته إليه‌) معطوفا على قوله (ع): (ولم يعرف ولاية ولي الله‌) فيكون جميع المعطوف والمعطوف عليه شرطا في ترتب الجزاء، فيكون معناه: أن المكلف إذا لم يعرف ولاية الولي ولم يكن جميع أعماله بدلالته إليه لم يكن له على الله تعالى حق، ولا هو من أهل الإيمان. فترتب الجزاء يتوقف على تحقق شطري جملة الشرطية، فلو تحقق أحدهما دون الأخر لا يترتب عليه الجزاء كقوله: إذا جاءك زيد وسلم عليك وقبّل يديك فاعطه درهما. فوجوب الإعطاء يتوقف على تحقق الأمور الثلاثة بحيث لو أخل بواحد منها لم يجب الإعطاء فلو لم يجئه لم يجب الإعطاء وإن سلم عليه وقبل يده في السوق، وكذا لو جاءه ولم يسلم عليه أو سلم عليه ولم يقبل يديه. وكذا فيما نحن فيه، إذا عرف ولاية الولي ولكن لم يكن جميع أعماله بدلالته لا يترتب جواب الشرطية وجزائها، كما لو لم يعرف ولايته ولم يعتقد بولايته لكن كان جميع أعماله بدلالته من حيث أنه عالم من علماء الإسلام لا يلزم ترتب جواب الشرطية وجزائها فيمكن في كل من‌


صفحه 66

الصورتين إعطاء الثواب ولا تنافيه هذه الرواية، فلا تكون الرواية دالة على عدم التلازم بين العقل والشرع، ولا على عدم حجية العقل.

فإن قلت أنا نرى بالوفاق إن من لم يكن عارفاً بولاية الولي لم يترتب على أعماله ثواب ولا هو من أهل الإيمان وإن كان جميع أعماله بدلالته إليه وهذا كاشف عن استقلال كل من شطري الجملة الشرطية في ترتب الجواب عليه، وإذا كان كل واحد من شطري الشرط مستقلا في ترتب الجزاء تم مدعى الخصم وهو عدم التلازم وعدم حجية العقل، فإن معناها حينئذ أن من لم يكن جميع أعماله بدلالة الولي إليه ليس له على الله حق وكذا من لم يعرف الولي ليس له حق. قلت:

أولًا: أن ما يترأى من ترتب الجزاء إذا لم يعرف ولاية الولي وإن كان جميع أعماله بدلالته فهو ثابت من دليل خارج وإلّا فالحكم من حيث القاعدة هو عدم ترتب الجزاء لعدم تحقق أحد شطري الشرط كما حققنا ذلك في نظيره من الاستدلال على حجية الإجماع بقوله تعالى [وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى‌] حيث قلنا إنه لا دلالة للآية الشريفة على حجية الإجماع.

وثانياً:سلمنا ذلك لكن نقول إنك حينئذ تريد أن تجعل (الواو) بمعنى (أو) فلا تحملها على معناه الحقيقي وهو مطلق الجمع بقرينة صارفة، وهي أن من لم يعرف ولاية الولي وإن كان جميع أعماله بدلالته لم يكن له حق ولا هو من أهل الإيمان فتكون (الواو) بمعنى (أو) وبناء عليه يتم الاستدلال. لكن هذا المعنى للرواية فاسد لكونه مستلزما لخلاف الإجماع ولمخالفته ما هو محقق عند الخصم والمخالف وهو إن من‌


صفحه 67

عرف الولي وأخذ جما غفيرا من مسائله منه (ع) لكن عمل في مسألة واحدة بما دل عليه عقله ولم يأخذ حكمه من الولي لم يكن له على الله تعالى حق ولا هو من أهل الإيمان لأنه حينئذ يصدق عليه أنه لم يأخذ جميع أعماله من الولي ويصدق عليه أن جميع أعماله ليس بدلالته لأن الكلي ينتفي بانتفاء أحد أجزائه. والمفروض أن تحقق ذلك كاف في ترتب الجزاء لكونه أحد شرطي الشرطية فلا يكون له على الله تعالى حق ولا هو من أهل الإيمان وذلك باطل حتى عند المستدل لأن ذلك الشخص مثاب عند الله تعالى وهو من المؤمنين قطعاً، فظهر أنه لو حملنا كلمة (الواو) على معناه الحقيقي سقطت الرواية عن الدلالة وإن حملناها على المعنى المجازي وجعلناه بمعنى (أو) لكان مخالفاً للإجماع. فلا بد من الأخذ بظاهرها ولا ضير فيه، وترتب الجزاء على من لم يعرف ولاية الولي وإن كان جميع أعماله بدلالته إليه إنما هو من دليل خارج. مع أن المتبادر من تلك الرواية ونظائرها أن معرفة الولي شرط في صحة الأعمال وترتب الثواب فكل عمل كان مقرونا بمعرفة الولي يثاب عليه وما لم يكن مقروناً به لا ثواب لفاعله فتارك الظلم وفاعل الإحسان لا يثاب إلّا إذا كان عارفاً وذلك لا ينافي ثبوت الملازمة وحجية العقل كما لا ينافي حجية الإجماع والخبر المتواتر. هذا مضافا إلى إمكان أن يقال أن ليس قوله (ع): (وتكون أعماله بدلالته‌) على العموم بحيث تكون جميع أعماله حتى مقادير حركاته وسكناته بل هو كناية عن ملازمته والاقتداء به فيما يحتاج إلى السؤال والإعراض عن غيره من أئمة الضلال ومثل هذا التعبير شائع في مثل هذا المعنى كما يقال: أنا أقتدي‌


صفحه 68

بفلان في جميع أعمالي وأرجع إليه في جميع أموري، فإنه لا يراد منه إلا الأعمال المشتبهة والأمور المشكلة.

الدليل الخامس:على عدم التلازم بين العقل والشرع وعدم حجية العقل الأخبار المستفيضة، بل أدّعي فيها التواتر الدالة على أن لا تكليف قبل البعث أي بعث الرسل ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وهكذا الأخبار الدالة على كون أهل الفترة معذورين ويكون تكليفهم يوم الحشر.

ووجه الاستدلال أنه لو كان التلازم بين العقل والشرع ثابت لكان العباد مكلفين قبل بعث الرسل لحكم العقل في مستقلاته في ذلك الوقت، واللازم منفي لتلك الأخبار إذ قال (ع): (لا تكليف قبل البعث‌) فالملزوم مثله والملازمة واضحة، وهكذا الكلام في بيان وجه الاستدلال بأخبار أهل الفترة. والجواب عنه:

أولًا:بأن تلك الأخبار دليل لنا لا للخصم بيانه أن عموم العلة المنصوصة دال على حجية العقل لأنها تدل على أن الهالك لا بد أن يكون له بينة وهو قد خالفها، والناجي له بينة وقد اتبعها فمن يكون له بينة وخالفها هالك ومن له بينة واتبعها ناج، ومن حكم عقله بقبح فعل وترتب العقاب عليه أو بحسن شي‌ء وترتب الثواب عليه فهو صاحب البينة، فإن خالف البينة فهو هالك وإن اتبع البينة فهو ناج والنسبة بين منطوق المعلول ومنطوق العلة عموم من وجه، وذلك لاجتماعهما فيما يستقل به العقل قبل بعث الرسل فمنطوق المعلول يدل على عدم التكليف ومنطوق العلة يدل على وجود التكليف لكونه صاحب البينة


صفحه 69

واقتراف منطوق المعلول فيما لا يستقل به العقل قبل بعث الرسل، فالمعلول ينفي التكليف حينئذ ولا يثبته عموم العلة وافتراق منطوق العلة فيما بينه الرسول (ص) بعد البعث حيث لا ينفي المعلول التكليف حينئذ ويثبته عموم العلة، ومقتضى القاعدة في صورة التعارض عموم المعلول مع عموم العلة هو ترجيح عموم العلة لبناء العرف على ذلك كما لو قيل الخمر حرام، لأنه مسكر حيث يتعارضان في قطرة من الخمر التي ليس من شأنها الإسكار فإطلاق قوله (الخمر حرام) يقتضي حرمتها وعموم العلة وهو كل مسكر حرام يدل على عدم حرمته، وكما لو قال الطبيب لمريضه لا تأكل الرمان لكونه حامض فحصل للمريض رمانا حلوا فتعارض المعلول مع العلة حيث أن إطلاق قوله: (لا تأكل الرمّان) يقتضي إضراره وعموم العلة تقتضي عدم إضراره ومع تعارضهما بناء العرف على تقديم عموم العلة لكن لا يخفى أن هذا يتم بناء على شمول إطلاق البينة إلى البينة العقلية.

وثانياً:سلمنا عدم ظهورها في البينة العقلية لكن لا أقل من الاحتمال ومعه يحدث الإجمال فيسقط بها الاستدلال فلا يكون دليلا لنا ولا علينا.

ثالثاً:سلمنا اختصاص البينة بالرسول وأن البينة العقلية لا تشملها العمومات لكن لا بد من تخصيص تلك العمومات بغير ما يستقل به العقل للأدلة القطعية المتقدمة فيكون معنى الأخبار أن الأعمال التي لا يستقل العقل بها لا تكليف بها قبل البعث دون ما استقل بها العقل فإن بها يوجد التكليف، وقد تقدم في آية [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ‌] ما ينفعك في المقام.