بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 69

واقتراف منطوق المعلول فيما لا يستقل به العقل قبل بعث الرسل، فالمعلول ينفي التكليف حينئذ ولا يثبته عموم العلة وافتراق منطوق العلة فيما بينه الرسول (ص) بعد البعث حيث لا ينفي المعلول التكليف حينئذ ويثبته عموم العلة، ومقتضى القاعدة في صورة التعارض عموم المعلول مع عموم العلة هو ترجيح عموم العلة لبناء العرف على ذلك كما لو قيل الخمر حرام، لأنه مسكر حيث يتعارضان في قطرة من الخمر التي ليس من شأنها الإسكار فإطلاق قوله (الخمر حرام) يقتضي حرمتها وعموم العلة وهو كل مسكر حرام يدل على عدم حرمته، وكما لو قال الطبيب لمريضه لا تأكل الرمان لكونه حامض فحصل للمريض رمانا حلوا فتعارض المعلول مع العلة حيث أن إطلاق قوله: (لا تأكل الرمّان) يقتضي إضراره وعموم العلة تقتضي عدم إضراره ومع تعارضهما بناء العرف على تقديم عموم العلة لكن لا يخفى أن هذا يتم بناء على شمول إطلاق البينة إلى البينة العقلية.

وثانياً:سلمنا عدم ظهورها في البينة العقلية لكن لا أقل من الاحتمال ومعه يحدث الإجمال فيسقط بها الاستدلال فلا يكون دليلا لنا ولا علينا.

ثالثاً:سلمنا اختصاص البينة بالرسول وأن البينة العقلية لا تشملها العمومات لكن لا بد من تخصيص تلك العمومات بغير ما يستقل به العقل للأدلة القطعية المتقدمة فيكون معنى الأخبار أن الأعمال التي لا يستقل العقل بها لا تكليف بها قبل البعث دون ما استقل بها العقل فإن بها يوجد التكليف، وقد تقدم في آية [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ‌] ما ينفعك في المقام.


صفحه 70

وأما أخبار أهل الفترة فلا بد من تخصيصها بغير ما يستقل به العقل من العقائد لكونه قائلًا بالتلازم وحجية العقل في العقائد التي تستقل بها عقول أهل الفترة. مضافاً إلى أنها معارضة بالأخبار الدالة على أن الزمان لا يخلو من حجة إلا اللهم أن تحمل على الفتور في ظهورها، مضافا إلى أن الظاهر أن المراد بأهل الفترة خصوصا ضعفاء العقول لا أهل البصائر منهم كيف ولو كانوا غير مكلفين بما تستقل به عقولهم لكان أهل الشرك وعبدة الأصنام معذورين ولم يجب عليهم السؤال وبذل الجهد في معرفة الحق ولم يجب عليهم النظر في الإعجاز بعد البعثة.

الدليل السادس:على عدم التلازم المذكور وعدم حجية العقل هي الأخبار الدالة على أنه يجب على الله تعالى بيان مصالح الناس ومفاسدهم، فما ليس فيه بيان من الله تعالى لا تكليف على العباد فيه ولو كان العقل بيانه كاف في الشرع لما كان يجب على الله تعالى بيان جميع ما يصلح العباد من الواجبات والمندوبات وبيان ما يفسد من المحرمات والمكروهات.

والجواب عنه:أولا:بأن البيان قد يكون بالوحي أو بالإلهام كالأنبياء والأوصياء، وقد يكون بلسان الرسول الظاهري والبيان بلسان الرسول الباطني وهو العقل. وعليه فيكون ما يستقل به العقل قد بينه الله تعالى بلسان العقل كما بيّن ما لا يستقل به العقل بلسان الرسول.

ثانيا:سلمنا اختصاصه بالرسول الظاهري لكن المراد من المصالح والمفاسد اللتان لا يستقل العقل فيهما.


صفحه 71

ثالثا:لا أقل من الإجمال المسقط للاستدلال.

الدليل السابع:على عدم ذلك هي الأخبار الدالة على أن الزمان لا يخلو عن حجة ليعرف الناس ما يصلحهم وما يفسدهم. ووجه الاستدلال أن تعريف الحجة فيما يستقل به العقل من المصالح والمفاسد إما واجب عليه أم لا، وعلى الأول يلزم عدم التلازم وعدم حجية العقل وإلا لما وجب عليه التعريف. وعلى الثاني يلزم مخالفة الأخبار المذكورة.

والجواب عنه:أولًا:أنا نختار الأول ونمنع أن يكون مقتضاه عدم التلازم وعدم الحجية حيث أنه لا بأس في تعريف الحجة (ع) ودلالة العقل وحجيته أيضا فيكون تعريف الحجة تأكيدا لبيان العقل بل ضم العقل إلى الشرع حسن غاية الحسن.

وثانيا:يمكن أن يكون تعريفه فيما يستقل به العقل مندوبا له لا واجبا عليه.

ثالثا:أنها منصرفة إلى المصالح والمفاسد التي لا يستقل بها العقل.

الدليل الثامن:هي الأخبار الدالة على أنه تعالى لا يحتج على العباد إلا بعد إرشاد العقل وإرسال الرسل.

ووجه الاستدلال أن احتجاجه تعالى على العباد يتوقف على تحقق أمرين إرشاد العقل وإرسال الرسل بحيث لو انتفى أحد الأمرين لم يتحقق الاحتجاج، فلو كان التلازم ثابتا بين العقل والشرع فيكون العقل حجة، وإذ ذاك كان لله تعالى الحجة على عباده بعد إرشاد العقل خاصة وإن لم يرسل الرسل، واللازم منفى بالأخبار المذكورة فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة.


صفحه 72

والجواب عنه:أولا:بالنقض بالعقائد التي يعترف المستدل بحجية العقل فيها حيث يتحقق الاحتجاج بعد إرشاد العقل خاصة.

ثانيا:بالحل فنقول إن تلك الأخبار دليل لنا لا علينا لكونها ظاهرة في أن تحقق كل واحد من الأمرين كاف في تحقق الاحتجاج بقرينة مقابلة العقل للرسل، فكما أن قول الرسول وحده وإن لم يكن العقل دالًا عليه حجة وبه يحتج تعالى على العباد فكذلك دلالة العقل.

ثالثا:سلمنا عدم ظهورها في استقلال كل منهما لكن لا أقل من الاحتمال فيسقط الاستدلال.

رابعا:أنها ظنية سنداً ودلالة فلا يكافؤ ما مرّ من الأدلة القاطعة.

خامسا:منع وجب نصب الإمام في المستقلات العقلية كما هو المحكي عن‌السيد(ره)والطبرسي‌(ره) وجماعة من الأعلام.

الدليل التاسع:على ذلك هو أن التكليف والبيان والإعلام فيما أريد فيه التعذيب لطف، وكل لطف واجب، فالتكليف والإعلام واجب وإن شئت قلت إن أصحابنا والمعتزلة قالوا بأن الخطاب من الشارع فيما يستقل به العقل لطف وأن العقاب بدون اللطف قبيح، ومقتضى ذلك عدم ترتب العقاب على ما لا خطاب فيه من الشرع وإن استقل به العقل لعدم اللطف. وبعبارة أخرى لو أراد الله تعالى التعذيب على فعل الظلم وترك رد الوديعة اللذين يستقل العقل بحكمهما لوجب عليه البيان والإعلام وعدم بيانه كاشف عن عدم وجوبه، فاللازم منتف فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأن البيان لطف، وكل لطف واجب ويؤكد ما ذكرناه ما اشتهر من أن الواجبات الشرعية الطاف في الواجبات العقلية.


صفحه 73

والجواب عنه بأن اللطف قسمان واجب وهو الذي لا تقوم الحجة إلا به وبقبح العقاب بدونه كإرسال الرسل ولطف مندوب، وهو ما تقوم الحجة بدونه ولا بقبح العقاب مع عدمه كبيان ما يستقل بإدراكه العقل أو الذي بين من قبل فإن تكرار بيانه يحسن، من الله تعالى وكبيان ما يستقل به العقل فإنه يحسن من الله تعالى. كيف ولو كان كل لطف واجبا لما قامت لله على أحد الحجة فإنه سبحانه لو جعل الموتى تتكلم بما يجري عليها وجعل في دار الدنيا تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وعاجل العاصين بأنواع العذاب ونحو ذلك لكان يقربهم للطاعة ويبعدهم عن المعصية إلا أن هذا اللطف ليس بواجب على الله تعالى وإنما هو تفضل منه يتفضل به على من يشاء من عباده.

والحاصل أن دليل وجوب اللطف هو لزوم نقض الغرض كمن أراد أن يتعلم ولده وتعليم ولده يتوقف على إرسال أحد معه لئلا يهرب، فإنه يحكم عقله عليه بوجوب إرسال أحد معه وإلا لكان نقضاً لغرضه. ولا ريب في عدم كون بيان الواجبات من الالطاف الواجبة لكونه لا يلزم منه نقض الغرض لاستقلال العقل بلزوم الإتيان بها كما صرح بذلك المحقق‌الطوسي‌(). هذا مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال إن هذا الدليل لو تمَّ فهو يدل على الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع وأن على الشرع أن يحكم بما يستقل به العقل.

نعم هو يصلح للرد على من يقول بحجية حكم العقل واستفادة حكم الشرع منه بدون بيان من الشرع، ومع هذا يمكن الجواب عنه بأن اللطف قد صدر من الله تعالى بذلك ولكن العبد قد منع من وصوله له‌


صفحه 74

بسوء اختياره كما بسوء اختياره حجب إمام عصره (ع) عنه. وعليه فالعقل إذا استقل بحكم وإن لم يجد خطابا عليه من الشرع فهو يحكم بوجوده وقد حجب بسوء اختياره، هذا مع أن التكليف بما يستقل به العقل كان اللطف متحقق بالنسبة إليه لأن حكم العقل به هو نعم الإعلام والبيان فيكون حكم العقل به هو اللطف نظير بيان الرسول، فإن العقل رسول باطني كما أن النبي رسول ظاهري. وأما ما اشتهر من أن الواجبات السمعية الطاف في الواجبات العقلية فقد أوضحنا المراد منه ولا علاقة له بالمقام.

الدليل العاشر:على ذلك بأن ثبوت التلازم وحجية العقل فرع إدراك العقل الثواب والعقاب وإدراكه الثواب والعقاب فرع إدراكه الحسن والقبح. ولكن إدراك العقل للحسن والقبح محال لكون العباد مجبورون في أفعالهم فلا حسن ولا قبح في شي‌ء من الأفعال.

والجواب عنه أن الأخباري لا يمكنه التمسك بهذا الدليل لأنه قائل بالتحسين والتقبيح العقليين، وأما الأشعري فقد مرّ جوابه من إبطال الجبر وإدراك العقل الحسن والقبح بل الثواب والعقاب أيضا.

الدليل الحادي عشر:على ذلك أنه لو كان اللازم على الله تعالى سبحانه أن يأمر بما أمر به العقل لأنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع، خرج الله تعالى عن كونه مختاراً في إبداع الأحكام مع أن اللازم واضح البطلان ضرورة أنه تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد كما هو صريح الكتاب الكريم فالملزوم مثله.


صفحه 75

والجواب عنه أن بطلان اللازم مسلم لكن الملازمة ممنوعة لأنه تعالى مختار إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لكنه تعالى لا يشاء الأمر إلا بالحسن ولا يشاء النهي إلا عن القبيح كما أن الكتاب الكريم ناطق بذلك في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] وذلك لا ينافي الاختيار.

الدليل الثاني عشر:على ذلك مثل ما في معتبرة أبي حمزة الطيار عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لي أكتب فأملى عليَّ (أن من قولنا أن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرّفهم ثم أرسل إليهم رسولا وأنزل عليه الكتاب فأمر فيه ونهى‌). فإنه يدل على أن الحجة على العباد إنما هو آتاهم وعرّفهم ومقتضى ذلك أن لا حجة قبل التعريف والإيتاء فلا تكليف ولا أمر ولا نهي حتى لو حكم العقل. وأجيب بوجوه:

أحدها:أن هذا الخبر إنما يكون دليلا لنا لا علينا، وذلك لأن ظاهره أن الله لا يحتج على العباد إلا بما آتاهم وعرّفهم أعم من أن يكون بواسطة الكتاب والسنة أو بواسطة العقل ويؤيد العموم كلمة (ثم) بعد قوله (وعرّفهم).

ثانيها:أن الخبر لا يدل على حصر الدليل بالكتاب والسنة، ولعل الوجه في ذكر الكتاب والسنة فيه هو كونهما الفرد الكامل في ذلك.

ثالثها:لو سلمنا دلالة الخبر على الحصر لكن نقول أن الكتاب والسنة هما اللذان دلا على حجية العقل.


صفحه 76

حجة من قال بالملازمة في خصوص المعارف الدينية

احتج من قال بالملازمة في المعارف الدينية دون الأحكام الفرعية كما هو المحكي عن‌صاحب الوافيةحيث حكى عنه أنه يقول بالتفصيل بين أصول الدين وفروعه فسلم الملازمة في الأول دون الثاني محتجاً على الأول بالأخبار الدالة على تعذيب عبدة الأوثان حتى في زمان الفترة، وعلى الثاني بما مرّ من قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ‌].

وجوابه ما عرفته من المناقشة في الآية مضافا إلى أن جملة من الأخبار أيضا تدل على تعذيب أهل القبائح من الكذب والظلم وغيرهما وهي بإطلاقها تتناول زمان الفترة فلا وجه للتخصيص بالعقائد بل بكل ما استقل به العقل، مضافاً إلى أن بين الأخبار المذكورة وآية نفي التعذيب عموم من وجه لافتراق الأول فيما بعث فيه الرسول ولكن صار زمن فترة وافتراق الثاني في غير العقائد.

حجة من فصّل بين الضروريات والنظريات‌

احتج من قال بعدم الملازمة في النظريات بوجهين:

الوجه الأول:الأخبار الدالة على أن دين الله لا يصاب بالعقول، فقد روي عن علي بن الحسين (ع) أنه قال: (دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم فمن سلم لنا سلم‌). وما دل على أن الناس مكلفون بالرجوع إلى الكتاب والسنة فإن ظاهره حصر الحجة في ذلك فلو كانت الملازمة ثابتة لكان دين الله يصاب بالعقول ولكان الناس مكلفون بالرجوع إلى العقول.