يحكم العقل بوجوبها بدون قصد القربة فقد حكم العقل بدون الشرع لعدم سقوط التكليف الشرعي بها بدون التقرب فيكون التكليف الشرعي باقياً، وأمّا أن لا يحكم العقل بها فيلزم أن يكون حسنها بعد التكليف الشرعي بها فقد كان التكليف الشرعي موجوداً في ظرفه بدون الحكم العقلي.
وجوابه أن هذه الأفعال تكون حسنة ويحكم بها العقل لو انكشف له الواقع بشرط التقرب بها وبدون التقرب بها لا يحكم العقل بذلك، نظير سائر الأفعال التي يلزم العقل بها إذا حصلت لها بعض الشروط لتوقف حصول الفائدة منها على حصول تلك الشروط. وأما أمر الشارع بها بذاتها فهو ليس إلا من باب أنه لا يمكن التوصل لبيان مطلوبه إلّا بهذا النحو من دون قصد وطلب لذاتها بدون التقرب كما أن التقرب يحصل بقصد الأمر أو قصد المحبوبية أو نحو ذلك.
والحاصل أن الواقع لو انكشف لظهر أن الفائدة قائمة بتلك الأعمال إذا حصلت بنحو القربة، والشارع إنما يريدها بهذا النحو وبهذا اللون ولكنه لا يمكن بيان مقصوده إلّا بالأمر بها بذاتها.
ثم أنصاحب الفصول(ره) استدل على أن التكليف إذا حسن وجب صدوره عنه تعالى بأن علمه وحكمته وقدرته تنافي وقوع خلاف ذلك منه تعالى. ونحن نتفق معصاحب الفصول(ره) في كل شيء حسنه العقل بنحو الإلزام بنحو يقبح عدم صدوره منه تعالى ويجب وقوعه منه تعالى لعدم صدور القبيح منه تعالى. واستدل (ره) على الملازمة الظاهرية بين حكم العقل وبين حكم الشرع بأن العقل إذا أدرك
جهات الفعل فلا بد من أن يحكم في الظاهر بثبوت التكليف الشرعي على طبق إدراكه لعموم الآيات كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] وما في معناها من الأخبار. لأن جهات الفعل تقتضي وقوع التكليف الشرعي على طبقها إن لم يعارضها مانع، ولا يكفي احتمال المانع إذ المحتمل لا يصلح في نظر العقل لمعارضة المقطوع. ثم قال (): (وقريب منه ما لو أدرك العقل بعض جهات الفعل المقتضية لحسنه أو قبحه، وشك في وجود جهة فيه تعارض تلك الجهة فإنه يحكم بثبوت التكليف على حسبها ولا يعتد باحتمال الجهة المعارضة أما لأصالة عدمها أو لحكم العقل بقبح الفعل أو الترك). والحال هذه حكماً واقعاً وإن كان مبناه على الظاهر وقد أورد عليه بأن الملازمة لو كانت ثابتة فهي واقعية، والآيات لو تمت دلالتها دلت على الملازمة الواقعية دون الملازمة الظاهرية إذ لا محصّل لها.
وفيه ما لا يخفى فإن غرضه بالملازمة الواقعية هو حكم العقل بنفس الملازمة ولما أقام الدليل على وقوع الانفكاك بين حكم الشرع والعقل في الأوامر الامتحانية والتقية وغيرها كما تقدم فلم يبق عنده مجال لحكم العقل بالملازمة في الواقع. ولما كانت الأدلة الظنية المعتبرة من الكتاب والسنة وأصالة عدم المانع في نظره تثبتها كانت ثابتة في الظاهر إلّا في تلك الموارد من أوامر التقية ونحوها.
ولذا قد تقدم منه كون الحكم واقعياً ولكنه ثابت في الظاهر كما هو الشأن في سائر الإمارات المعتبرة فإن الحكم فيها واقعي ولكنه ثابت في الظاهر بواسطة الإمارة.
وأورد عليه بأن أصالة عدم المانع في المقام لا دليل عليها. وفيه ما لا يخفى فإن غرضه (ره) أنه بعدما يحكم العقل بحسن الفعل أو قبحه ويلزم بإتيانه يحكم الشرع به ويكلف به واحتمال وجود مانع من التكليف الشرعي على طبقه لا يعتنى به، وذلك لثبوت الملازمة الظاهرية التي دلت عليها الأدلة الظنية وهذا غير ما يستفاد من آخر كلامه من وجود الملازمة الظاهرية فيما لو أدرك العقل بعض جهات الفعل واحتمل وجود مانع يمنع من حسنه أو قبحه كما إذا أدرك حسن العدل وقبح الظلم ولكنه احتمل مثلًا في الظلم وجود عنوان آخر طرأ عليه كإنقاذ النبي أوجب حسنه، فإن العقل لا يعتد بهذا الاحتمال لأصالة عدم الجهة المعارضة أو لحكم العقل نفسه بعدم الاعتناء بهذا الاحتمال ووجه المغايرة إن صدر كلامه (ره) في احتمال المانع من التكليف الشرعي على طبق الحكم العقلي بعد تمامية الحكم العقلي وثبوته وهذا كلامه الأخير في نفس الحكم العقلي وأنه هل يوجد الحكم العقلي مع احتمال وجود ما يمنع منه أم لا؟ فالكلام الأول يكون في الكبرى. والثاني يكون في الصغرى وتشخيص الموضوع. هذا والحق أن احتمال المانع عن الحكم الشرعي بعد وجود الحكم العقلي ملغى إما لما قلناه من الملازمة العقلية أو لما قاله من الملازمة الظاهرية. وأما احتمال المانع من حكم العقل فقد يقال: بأن الحق ما ذهب إليهصاحب الفصول(ره) من عدم الاعتداد به لأن العقل بعدما أحرز عنوان الحسن أو عنوان القبح لا يجري في الحكم بخلاف مقتضاه احتمال طريان عنوان آخر يقتضي الخلاف لأن الحسن والقبح من العناوين المقصودة فإذا لم يكن
العنوان القبيح مقصوداً لم يكن العمل قبيحاً وإن وقع قبيحاً وكذا عنوان الحسن. فقطع يد اليتيم إذا استقل العقل بقبحها حكم بلزوم تركه. واحتمال أن فيه شفاءه من المرض غير كاف وإن كان في الواقع يشفي القطع ليده من المرض، بل لا حاجة إلى إعمال أصالة عدم وجود عنوان مانع عن حكم العقل، فإنه بمجرد إدراكه لجهات العمل الموجبة لاتصافه بالحسن أو القبح يحكم على طبقها ولا يزلزل حكمه الشك في وجود معارض لها، لأن الشك في وجود المعارض هو كافٍ في الحكم بعدم هذا العنوان المعارض مثل الشك في حجية الإمارة كافٍ في عدم حجيتها، لأن الاتصاف بالحسن والقبح تابع للقصد لأن الفعل لا عن قصد فعل اضطراري لا يتصف بحسن ولا قبح ولذا لو اعتقد حرمة واجب فتجرّى بفعله لا يمدح على فعله ولو اعتقد وجوب حرام فتجرّى بتركه لا يذم على تركه.
ولا يخفى ما فيه فإن الحسن والقبح عناوين واقعية فالعمل حسن في الواقع أو قبيح في الواقع وليس الحسن والقبح كعنوان التعظيم والتحقير
من كونهما عناوين قصدية فضرب اليتيم قبيح في الواقع سواء أقصد به عنوان القبح أم لم يقصد غاية الأمر مع الجهل يكون معذوراً لا إنه يزول القبح عنه في الواقع. وعليه فالحق أنه عند الشك في عروض جهة تمنع من الحسن والقبح لا يحكم العقل إذ لا رافع لهذا الاحتمال لا شرعاً ولا عقلًا ويبقى متردداً.
ثمرة النزاع في المقام
وتظهر ثمرة النزاع في القاعدة المذكورة بل في حجية العقل في مواضع عديدة:
الموضع الأول:أنه لو كان ما يستقل العقل به حجة والملازمة المذكورة ثابتة لزم تكليف الكافر حتى القاصر الذي لم ينل سمعه صيت الإسلام وإن لم يكن مقصراً بالفرع الذي يستقل به العقل، فيكون مكلفاً بترك الظلم ورد الوديعة بخلاف ما لو لم يكن العقل حجة فإنه حينئذ لا يكون الكافر القاصر مكلف بترك الظلم ورد الوديعة، وإن قلنا بأن الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالأصول لأن مرادهم ثمة هم المقصرون.
الموضع الثاني:أنه على القول بحجية العقل وبالقاعدة المذكورة كما أن الكافر القاصر مكلف بالفرع الذي يستقل عقله به كذا المسلم القاصر الذي لا تنال يده الشرع ولا يتمكن من تحصيل حكم الشرع كالمرأة المسلمة لو سلبت في البر فبقيت عريانة فدار أمرها بين استقبالها للأجنبي واستدبارها وحكم عقلها بأن الاستدبار أقل محذوراً من الاستقبال قاطعة بذلك، ولم تتمكن من سؤال حكم هذه المسألة من مجتهدها فهي
حينئذ مكلفة بوجوب الاستدبار وحرمة الاستقبال، وكذا إذا وجدت ساتراً لأن يستتر به وجهها أو فرجها فالعقل مستقل بلزوم ستر الفرج لأن كشف الوجه أقل محذوراً من كشف الفرج، فهي مكلفة بوجوب ستر الفرج فلو عكست فسترت وجهها به لكانت معاقبة، بخلاف ما إذا لم يكن العقل حجة ولم نقل بالقاعدة المذكورة فإنها حينئذ في الأول غير مكلفة بشيء لأنها لا تتمكن من تحصيل حكم الشرع في حقها وفي الأخير مكلفة بستر بعض أعضائها إذا لم تعلم حكم الشرع بلزوم ستر عضو مخصوص منها والمفروض أن العقل معزول.
الموضع الثالث:من موارد ظهور الثمرة هو مورد تعارض الخبر المعتبر مع العقل فعلى القول بالحجية وبالقاعدة المذكورة يقدم العقل لكونه قاطعاً فيؤول الخبر وإلّا فيطرح، وعلى القول بعدم حجية العقل يقدم الخبر لأنه دليل معتبر ثابت الدليلية سليم عن المعارض المعتبر كما يصنعه الإخباري.
الموضع الرابع:تظهر الثمرة في إثبات حجية مطلق الظن من باب الدليل العقلي المسمى بالدليل الرابع المعروف بالدليل الانسدادي، فعلى القول بحجية العقل يمكن إثبات حجية مطلق الظن بالدليل المذكور، وأما على القول بعدم الحجية فلا يمكن ذلك لأنه مركب من مقدمات أربع ثابتة بالعقل وبعد عدم حجية العقل لا ينفع الاستدلال به. وهذه الثمرة مردودة لأنه يمكن إثبات حجية مطلق الظن بالدليل المذكور على كلا القولين. أما على القول بحجية العقل فظاهر، وأما على القول بعدم الحجية فيمكن إثبات مقدماته بالشرع أيضاً. فنقول:
أما المقدمة الأولى:وهي بقاء التكليف فهي ثابتة بالضرورة من الدين. ولا ريب أن ضرورة الدين والمذهب من الأدلة الشرعية.
وأما المقدمة الثانية:وهي انسداد باب العلم بالمعنى الأعم فهي ثابتة بصريح الوجدان والقطع والعيان فثبوت هاتين المقدمتين لا يتوقف على حجية العقل في شيء.
وأما المقدمة الثالثة:وهي أنه بعد إثبات الانسداد وبقاء التكليف، فأمًا يجب تحصيل العلم أو الاقتصار على المعلومات أو العمل بالمظنونات أو بالمشكوكات أو بالموهومات أو التخيير أو التبعيض. فنقول وإن كان قد نبطل جميع الاحتمالات عدا العمل بالمظنونات بالدليل العقلي لكن يمكن أن نبطلها بالدليل الشرعي فنقول: بعد إثبات الانسداد في أغلب الأحكام فالإجماع قائم على وجوب العمل بالظن حتى منالسيد المرتضى(ره) فيكون سائر الإحتمالات مدفوعة بالإجماع مع أن التكليف بما لا يطاق منفي بالكتاب والإحتياط منفي بالأخبار. والعسر والحرج منفي بالآيات وترجيح المرجوح منفي بالإجماع لاستلزامه هدم الشريعة والهدم منفي بالإجماع، فما هو مستلزم له منفي بالإجماع فتثبت حجية الظن من باب الدليل الرابع مع إثبات مقدماته بالشرع، اللهم إلّا أن يقال أن تلك المقدمات الثلاتة التي أثبتها بالشرع لا تدل إلا على حجية الظن في الجملة فتحتاج إلى ضم مقدمة رابعة تقتضي تعميم الحجية بالنسبة إلى جميع أسباب الظن. وقد ذكروا في المقدمة الرابعة معممات خمسة وهي عدم الكفاية ولزوم ترجيح المرجوح أو الترجيح بلا مرجح أو التسوية بين الراجح والمرجوح أو أصالة الاشتغال فكل من
المذكورات ثابتة بالعقل، وقاعدة الاشتغال وإن كان لها مدركاً من الشرع وهي أخبار الاحتياط إلّا أنها لا تدل على حسن الاحتياط في هذا المقام. ثم يمكن أن يجعل حجية الظن في الانسداد الجزئي ثمرة للنزاع فيقال الظن حجة، وإلّا لزم ترجيح المرجوح وبطلان اللازم حينئذ غير مستند للشرع لأن ترجيح المرجوح في الانسداد الجزئي في مسألة واحدة أو أزيد لا يستلزم هدم الشريعة. نعم سائر المسائل أو أغلبها يكون مستلزماً لهدم الشريعة فيكون منفياً بالإجماع وأما الانسداد الجزئي في مسألة واحدة أو أكثر، فترجيح المرجوح فيها لا يستلزم هدم الشريعة فلا يمكن نفيه بالدليل الشرعي وانحصر نفيه بالدليل العقلي، فلو قلنا بحجية العقل يكون الظن حجة في الانسداد الجزئي لأنه لولاه لزم الترجيح بلا مرجح وهو باطل عقلًا، وأمّا لو قلنا بعدم حجية العقل فلا يكون الظن حجة في الإنسداد الجزئي إذ لا دليل من الشرع على بطلان ترجيح المرجوح الذي لا يستلزم هدم الشريعة وقد قررنا هذا المطلب جرياً على سنة القوم وإلا قلنا فيه الكلام الكثير.
الموضع الخامس:تظهر الثمرة في جعل الظن غير المعتبر مرجحا في المجمل العرضي المرادي كما لو تعارض الخبران الصحيحان وكان مع واحد منها خبر ضعيف آخر أو ظن غير معتبر كالظن القياسي، فعلى القول بحجية العقل يتعين الأخذ بما هو مؤيد بالخبر الضعيف أو الظن القياسي، لأن أخذ الطرف المقابل مستلزم لترجيح المرجوح والتخيير بينهما مستلزم للتسوية بين الراجح والمرجوح وكل منهما باطل عند العقل، وعلى القول بعدم حجية العقل بتعين الحكم بالتخير لعدم بطلان