العنوان القبيح مقصوداً لم يكن العمل قبيحاً وإن وقع قبيحاً وكذا عنوان الحسن. فقطع يد اليتيم إذا استقل العقل بقبحها حكم بلزوم تركه. واحتمال أن فيه شفاءه من المرض غير كاف وإن كان في الواقع يشفي القطع ليده من المرض، بل لا حاجة إلى إعمال أصالة عدم وجود عنوان مانع عن حكم العقل، فإنه بمجرد إدراكه لجهات العمل الموجبة لاتصافه بالحسن أو القبح يحكم على طبقها ولا يزلزل حكمه الشك في وجود معارض لها، لأن الشك في وجود المعارض هو كافٍ في الحكم بعدم هذا العنوان المعارض مثل الشك في حجية الإمارة كافٍ في عدم حجيتها، لأن الاتصاف بالحسن والقبح تابع للقصد لأن الفعل لا عن قصد فعل اضطراري لا يتصف بحسن ولا قبح ولذا لو اعتقد حرمة واجب فتجرّى بفعله لا يمدح على فعله ولو اعتقد وجوب حرام فتجرّى بتركه لا يذم على تركه.
ولا يخفى ما فيه فإن الحسن والقبح عناوين واقعية فالعمل حسن في الواقع أو قبيح في الواقع وليس الحسن والقبح كعنوان التعظيم والتحقير
من كونهما عناوين قصدية فضرب اليتيم قبيح في الواقع سواء أقصد به عنوان القبح أم لم يقصد غاية الأمر مع الجهل يكون معذوراً لا إنه يزول القبح عنه في الواقع. وعليه فالحق أنه عند الشك في عروض جهة تمنع من الحسن والقبح لا يحكم العقل إذ لا رافع لهذا الاحتمال لا شرعاً ولا عقلًا ويبقى متردداً.
ثمرة النزاع في المقام
وتظهر ثمرة النزاع في القاعدة المذكورة بل في حجية العقل في مواضع عديدة:
الموضع الأول:أنه لو كان ما يستقل العقل به حجة والملازمة المذكورة ثابتة لزم تكليف الكافر حتى القاصر الذي لم ينل سمعه صيت الإسلام وإن لم يكن مقصراً بالفرع الذي يستقل به العقل، فيكون مكلفاً بترك الظلم ورد الوديعة بخلاف ما لو لم يكن العقل حجة فإنه حينئذ لا يكون الكافر القاصر مكلف بترك الظلم ورد الوديعة، وإن قلنا بأن الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالأصول لأن مرادهم ثمة هم المقصرون.
الموضع الثاني:أنه على القول بحجية العقل وبالقاعدة المذكورة كما أن الكافر القاصر مكلف بالفرع الذي يستقل عقله به كذا المسلم القاصر الذي لا تنال يده الشرع ولا يتمكن من تحصيل حكم الشرع كالمرأة المسلمة لو سلبت في البر فبقيت عريانة فدار أمرها بين استقبالها للأجنبي واستدبارها وحكم عقلها بأن الاستدبار أقل محذوراً من الاستقبال قاطعة بذلك، ولم تتمكن من سؤال حكم هذه المسألة من مجتهدها فهي
حينئذ مكلفة بوجوب الاستدبار وحرمة الاستقبال، وكذا إذا وجدت ساتراً لأن يستتر به وجهها أو فرجها فالعقل مستقل بلزوم ستر الفرج لأن كشف الوجه أقل محذوراً من كشف الفرج، فهي مكلفة بوجوب ستر الفرج فلو عكست فسترت وجهها به لكانت معاقبة، بخلاف ما إذا لم يكن العقل حجة ولم نقل بالقاعدة المذكورة فإنها حينئذ في الأول غير مكلفة بشيء لأنها لا تتمكن من تحصيل حكم الشرع في حقها وفي الأخير مكلفة بستر بعض أعضائها إذا لم تعلم حكم الشرع بلزوم ستر عضو مخصوص منها والمفروض أن العقل معزول.
الموضع الثالث:من موارد ظهور الثمرة هو مورد تعارض الخبر المعتبر مع العقل فعلى القول بالحجية وبالقاعدة المذكورة يقدم العقل لكونه قاطعاً فيؤول الخبر وإلّا فيطرح، وعلى القول بعدم حجية العقل يقدم الخبر لأنه دليل معتبر ثابت الدليلية سليم عن المعارض المعتبر كما يصنعه الإخباري.
الموضع الرابع:تظهر الثمرة في إثبات حجية مطلق الظن من باب الدليل العقلي المسمى بالدليل الرابع المعروف بالدليل الانسدادي، فعلى القول بحجية العقل يمكن إثبات حجية مطلق الظن بالدليل المذكور، وأما على القول بعدم الحجية فلا يمكن ذلك لأنه مركب من مقدمات أربع ثابتة بالعقل وبعد عدم حجية العقل لا ينفع الاستدلال به. وهذه الثمرة مردودة لأنه يمكن إثبات حجية مطلق الظن بالدليل المذكور على كلا القولين. أما على القول بحجية العقل فظاهر، وأما على القول بعدم الحجية فيمكن إثبات مقدماته بالشرع أيضاً. فنقول:
أما المقدمة الأولى:وهي بقاء التكليف فهي ثابتة بالضرورة من الدين. ولا ريب أن ضرورة الدين والمذهب من الأدلة الشرعية.
وأما المقدمة الثانية:وهي انسداد باب العلم بالمعنى الأعم فهي ثابتة بصريح الوجدان والقطع والعيان فثبوت هاتين المقدمتين لا يتوقف على حجية العقل في شيء.
وأما المقدمة الثالثة:وهي أنه بعد إثبات الانسداد وبقاء التكليف، فأمًا يجب تحصيل العلم أو الاقتصار على المعلومات أو العمل بالمظنونات أو بالمشكوكات أو بالموهومات أو التخيير أو التبعيض. فنقول وإن كان قد نبطل جميع الاحتمالات عدا العمل بالمظنونات بالدليل العقلي لكن يمكن أن نبطلها بالدليل الشرعي فنقول: بعد إثبات الانسداد في أغلب الأحكام فالإجماع قائم على وجوب العمل بالظن حتى منالسيد المرتضى(ره) فيكون سائر الإحتمالات مدفوعة بالإجماع مع أن التكليف بما لا يطاق منفي بالكتاب والإحتياط منفي بالأخبار. والعسر والحرج منفي بالآيات وترجيح المرجوح منفي بالإجماع لاستلزامه هدم الشريعة والهدم منفي بالإجماع، فما هو مستلزم له منفي بالإجماع فتثبت حجية الظن من باب الدليل الرابع مع إثبات مقدماته بالشرع، اللهم إلّا أن يقال أن تلك المقدمات الثلاتة التي أثبتها بالشرع لا تدل إلا على حجية الظن في الجملة فتحتاج إلى ضم مقدمة رابعة تقتضي تعميم الحجية بالنسبة إلى جميع أسباب الظن. وقد ذكروا في المقدمة الرابعة معممات خمسة وهي عدم الكفاية ولزوم ترجيح المرجوح أو الترجيح بلا مرجح أو التسوية بين الراجح والمرجوح أو أصالة الاشتغال فكل من
المذكورات ثابتة بالعقل، وقاعدة الاشتغال وإن كان لها مدركاً من الشرع وهي أخبار الاحتياط إلّا أنها لا تدل على حسن الاحتياط في هذا المقام. ثم يمكن أن يجعل حجية الظن في الانسداد الجزئي ثمرة للنزاع فيقال الظن حجة، وإلّا لزم ترجيح المرجوح وبطلان اللازم حينئذ غير مستند للشرع لأن ترجيح المرجوح في الانسداد الجزئي في مسألة واحدة أو أزيد لا يستلزم هدم الشريعة. نعم سائر المسائل أو أغلبها يكون مستلزماً لهدم الشريعة فيكون منفياً بالإجماع وأما الانسداد الجزئي في مسألة واحدة أو أكثر، فترجيح المرجوح فيها لا يستلزم هدم الشريعة فلا يمكن نفيه بالدليل الشرعي وانحصر نفيه بالدليل العقلي، فلو قلنا بحجية العقل يكون الظن حجة في الانسداد الجزئي لأنه لولاه لزم الترجيح بلا مرجح وهو باطل عقلًا، وأمّا لو قلنا بعدم حجية العقل فلا يكون الظن حجة في الإنسداد الجزئي إذ لا دليل من الشرع على بطلان ترجيح المرجوح الذي لا يستلزم هدم الشريعة وقد قررنا هذا المطلب جرياً على سنة القوم وإلا قلنا فيه الكلام الكثير.
الموضع الخامس:تظهر الثمرة في جعل الظن غير المعتبر مرجحا في المجمل العرضي المرادي كما لو تعارض الخبران الصحيحان وكان مع واحد منها خبر ضعيف آخر أو ظن غير معتبر كالظن القياسي، فعلى القول بحجية العقل يتعين الأخذ بما هو مؤيد بالخبر الضعيف أو الظن القياسي، لأن أخذ الطرف المقابل مستلزم لترجيح المرجوح والتخيير بينهما مستلزم للتسوية بين الراجح والمرجوح وكل منهما باطل عند العقل، وعلى القول بعدم حجية العقل بتعين الحكم بالتخير لعدم بطلان
التسوية بين الراجح والمرجوح شرعاً والعقل معزول بالفرض. وكذا الحكم في المجمل العرضي المصداقي كما في دوران القبلة بين الجهات الأربعة مثلًا ولا يتمكن المكلف إلا من الصلاة إلى إحداها لضيق الوقت ونحوه، فعلى القول بحجية العقل لا بد حينئذ من العمل بالظن ولو كان غير معتبر كالظن من الرمل والجفر والصلاة إلى الجهة المظنونة كونها قبلة للعقل القاطع، وذلك لأنه أما مكلف حينئذ بالصلاة إلى الجهات الأربع أو هو مخير بين الصلاة إلى أحديها أو إلى الجهة المظنونة، ولا سبيل إلى الأول للزوم التكليف بما لا يطاق فيدور الأمر بين الأخريين، فلو صلى إلى الجهة المظنونة تحصل البراءة اليقينية لأنه في الواقع أما مكلف بالصلاة إلى الجهة المظنونة بخصوصها أو مخير وعلى كل من التقديرين يحصل له البراءة اليقينية، فالعقل حاكم بلزوم الصلاة إلى الجهة المظنونة وهو حجة. وأما على القول بعدم الحجية يتعين عليه التخير فيجوز له الصلاة إلى إحدى الجهات وإن كانت موهومة.
الموضع السادس:تظهر الثمرة في إثبات التخيير إذا دار الأمر بين المحذورين المتساويين ولا دليل شرعي على تعيين أحد الطرفين بخصوصه، ولا على كونه مخيراً، فعلى القول بحجية العقل يكون حينئذ مخيراً للعقل القاطع، وعلى القول بعدم الحجية، فالعقل معزول ولا دليل من الشرع فلا بد من التوقف.
الموضع السابع:تظهر الثمرة في إثبات جواز التسامح في السنن إذا لم تعتبر أخباره لقدح في سندها بأنها ضعاف وليست بصحاح، ولا كانت الإجماعات المحققة أو المنقولة عليه قائمة عليه ولم تكن الأخبار متضافرة
بحيث يقطع بصدور بعضها عليه أو كانت معتبرة ولكن لما كانت المسألة أصولية، والخبر وإن كان صحيحا ليس بحجة فيها فعلى القول بحجية العقل يجوز التسامح للدليل العقلي، وعلى القول بعدم الحجية فلا يجوز لفقد الدليل المعتبر عليه.
الموضع الثامن:تظهر الثمرة في إثبات التكليف في أيام الفترة التي لا تصل اليد إلى النبي ولا الوصي في المستقلات العقلية، فعلى القول بحجية العقل يحكم بكون الناس حينئذ مكلفين بما يستقل به عقولهم، وعلى القول بعدم الحجية فلا تكليف عليهم مطلقاً إذ العقل معزول والشرع مفقود، وفيها أن زمان الفترة هو ما بين الزمانيين لا أنه ليس من الله تعالى الحجة على عباده، فإن التحقيق أن الزمان لا يخلو عن حجة وهم مكلفون بالعمل بالشريعة الموجودة لديهم. ومع الشك يستصحب بقاء الشريعة السابقة حتى يثبت نسخها، والمفروض عدم العثور على الناسخ فلا فائدة في حجية العقل.
والحاصل أن زمان لا يخلو من أحد أمرين إما من حجة لله أو من استمرار أحكام الحجة السابقة إلى زمان الحجة اللاحقة.
نعم يمكن أن يقال أن في زمان الفترة لما كانت الشريعة تخفي آثارها وتحتجب شمسها بسحاب الظلم والعدوان فأهل الفترة لم يطلعوا على أغلب الأحكام فلو كان العقل حجة عليهم لوجب عليهم الرجوع له وإلّا فلا.
الموضع التاسع:تظهر الثمرة في إثبات أصل الإباحة في الشبهة التحريمية والبراءة في الشبهة الوجوبية إذا لم نقل باعتبار الأخبار الواردة
في إثبات كل من الأصليين لقدح في السند أو لأجل المنع عن حجية الآحاد في الأصول، فعلى القول بحجية العقل يكون كل من الأصلين حجة للدليل العقلي وهو قبح التكليف بلا بيان، وعلى القول بعدم الحجية فلا لفقد الدليل الشرعي المعتبر على حجية شيء منهما حينئذ. فهذه موارد تسعة لظهور ثمرة النزاع التي يمكن فرضها في المقام قد ذكرناها على مسلك القوم وجرياً على سننهم ولنا في بعضها أو في كلها تحقيق يطلب من مظانًه.
إنكار الخصم لثمرة النزاع
ثم لو قال الخصم لا ثمرة في حجية العقل وعدمها والنزاع في القاعدة المذكورة لأن التكليف فيما يستقل به العقل كالنهي عن الظلم والأمر برد الوديعة والعدل لطف، لأن اللطف هو المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية، ولا ريب أن التكليف فيما يستقل به العقل مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية، وكل لطف واجب كما هو ثابت في علم الكلام فالتكليف فيما يستقل به العقل واجب على الحكيم على الإطلاق وتركه محال منه تعالى، فالشرع قد بين كل الأحكام سواء استقل بها العقل أم لا، وبعد بيان الشارع جميع الأحكام لا ثمرة لحجية العقل وثبوت القاعدة المذكورة والملازمة بين حكم العقل والشرع والبحث عنها وتضييع الأوقات في النقض والإبرام في ذلك.
لأجبنا عنه:
أولًا:بمنع كلية الكبرى فلا نسلم كل لطف واجب بل نقول من الألطاف ما هو واجب، كالتكليف فيما لا يستقل به العقل كالأمر