وجوب اللطف فيما نحن فيه تعليقي وإنه مثل اظهار الحجة بل لعله تنجيزي مثل بعث الرسول كما هو مقتضي الأصل أي أصالة عدم تعليقه على شيء فاسدة لأن الاحتمال كاف في المقام.
ثالثا:بأن وجوب اللطف على وجه التنجيز نسلمه من الخصم لكن غاية ذلك أنه كاشف عن بيان الشارع، لكن بيان الشارع لا يلازم عثور المكلف عليه دائما في جميع الأزمان وبالنسبة إلى جميع الأشخاص إذ يمكن أن لا يعثر المكلف على بيان الشارع ولو بعد الفحص التام كالقاصر الذي لا يتمكن من تحصيل الحكم الشرعي، ففي حقه يثمر حجية العقل وعدمها إذ على الأول لو خالف المستقلات العقلية استحق العقاب وعلى الثاني لا عقاب عليه.
رابعا:بأن الدليل المذكور الدال على نفي الثمرة في حجية العقل عقلي لا يقول المستدل بحجيته.
اللهم إلّا أن يكون غرض المستدل الإلزام فيكون دليلًا إلزامياً أو يسلم حجيته في العقائد، والدليل المذكور من العقائد التي يقول الخصم بحجية العقل فيها ويكون كلامه في حجيته في الفروع كالمفصل السابق، أو يدعي ورود الشرع على طبق ما ذكره في نفي الثمرة فهو يستند إلى الدليل الشرعي على ما ذكره، والدليل الشرعي على ذلك هو الأخبار الواردة في (أن لله تعالى في كل واقعة حكماً وله الحجة البالغة وأن عند الأئمة (ع) علم ما كان وما يكون).
المقام الثالث
في: ملازمة حكم العقل لحكم الشرع و قاعدة كلما حكم به الشرع حكم به العقل
المقام الثالث الذي تعرض له الفقهاء والأصوليون في مبحث التحسين والتقبيح العقليين هو مبحث ملازمة حكم العقل لحكم الشرع. أعني قاعدة كلما حكم به الشرع حكم به العقل التي قال بهاالعدليةوخالفهم فيهاالاشاعرة. وبعضهم عبّر عنها بأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وبعضهم يعبر عنها بأن الأحكام الشرعية معللة بالأغراض. والبحث فيها تارة في معناها، وأخرى في دليلها. أما معناها فيحتمل فيه وجوه:
الوجه الأول:أن يكون المراد منها أن كل حكم حكم به الشرع من إيجاب أو تحريم أو غيرهما فهو بحيث لو اطلع العقل فيه على صفات العمل وأحاط بجميع جهاته من المصالح والمفاسد لحكم العقل في ذلك العمل بما يوافق الشرع من الوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام العقلية الخمسة حكما تفصيليا.
الوجه الثاني:أنه كلما يصح أن يجعله الشارع للعمل من الأحكام وإن لم يجعله حكم به العقل حكماً تفصيلياً بعد الإطلاع على الصفات الموجودة فيه المحسنة أو المقبحة، وعلى هذين المعنيين يكون المراد بحكم الشرع هو الحكم الفعلي والمراد بحكم العقل هو الحكم التقديري المعلق على الإطلاع والاحاطة بالمحسنات والمقبحات للعمل.
الوجه الثالث:أن كلما حكم به الشرع لو إطلع عليه العقل حكم به العقل على سبيل الإجمال بأن يحكم العقل بأن ما يصدر من الشارع من الأحكام فهي صحيحة وتقتضيها صفات الأفعال القائمة بها الموجبة لحسنها أو قبحها على سبيل الإجمال، بمعنى أن العقل إذا أطلع بأن الشارع قد جعل حكم الصلاة الوجوب يحكم اجمالًا بأن في الصلاة حسناً لا يجوز تركه، وكذا لو أطلع على تحريمه الخمر يحكم بأن فيه قبحاً لا يجوز فعله أو على جعل التهجد مندوباً فيحكم بأن فيه حسن بحيث يجوز تركه أو على جعله أكل الجنب وشربه قبل الوضوء مثلا مكروهاً فيحكم بأن فيه قبحاً بحيث يجوز فعله أو على جعله حركت اليد وشرب التبغ مثلًا مباحاً فيحكم بعدم الحسن والقبح في شيء من الفعل والترك. فالمراد بحكم العقل التفصيلي هو حكمه بالحسن والقبح لإدراكه المحسنات للعمل والمقبحات له على سبيل التفصيل كحكمه بقبح أكل مال اليتيم من جهة أنه ظلم.
والمراد بحكم العقل الإجمالي هو حكمه بالحسن والقبح دون إدراكه المحسنات والمقبحات على سبيل التفصيل كحكمه بقبح صوم العيدين بواسطة أن الشارع قد حرمّه من دون إدراك وجه القبح له. والمراد هنا بالعقل هو القوة التي تدرك بها النفس المعارف النظرية من الضروريات وما يصلح حالها ويدير شؤونها وليس المراد به ما ذكره الحكماء من الصادر الأول من ذات الواجب.
الوجه الرابع:أن كلما حكم به الشرع قد صدقه العقل في تلك الواقعة واعتقد صدوره من الله تعالى ووقوعه في موضعه، وبهذا المعنى
فالقاعدة من الضروريات غير القابلة للإنكار إلا من الكافر والملحد وليست بمحل كلام للقوم في هذا المقام. وكيف كان فالظاهر من كلمات القوم أن المراد هو المعنى الأول بمعنى أنه لو أطلع العقل على الواقع وما فيه من الصفات والفوائد لحكم على طبق الشرع كما هو مقتضى تعرضهم لهذه القاعدة في مبحث التحسين والتقبيح العقليين ولم يكونوا في بيان كاشفية الشرع عن حكم العقل وإنما في بيان صرف الملازمة بينهما، كما أن الظاهر أن هذه المعاني المذكورة متلازمة في الثبوت أنه لو ثبت واحد منها ثبتت المعاني الأخرى كما هو واضح. إذا عرفت ذلك فالقاعدة المذكورة بالمعنى الأول لا غبار عليها وفاقاً لجمهورالعدليةمنالأمامية والمعتزلة، وما قاله بعض المعاصرين من أن في الإخباريين من أنكره فغير معلوم. نعم الثابت مخالفته في ذلك هم الأشاعرة من العامة إذ ينفون تبعية الأحكام للصفات القائمة في الأفعال فلا يقولون بأن ما حكم به الشرع حكم به العقل، والمحكي عنجمال الدين الخونساريمن أصحابنا أنه ينكر الملازمة المذكورة ولكن ظاهر المحكي عنه أنه لم يقل بذلك فقد حكي عنه أنه قال: (إنالحسن والقبح في بعض الأشياء مسلم لكن يمكن أن لا يكون في بعض الأشياء جهة حسن ولا جهة قبح ومع ذلك أمر الشارع به أو نهى عنه ليعلم المطيع من العاصي) ثم رده بإمكان الاستكشاف من الأخبار والآثار والآيات عدم تعلق الأمر والنهي إلا بكل حسن وقبيح، ثم أن الظاهر أن النزاع لا يختص بالأحكام الفرعية بل يعمها والأصول الاعتقادية كما يظهر من كلماتهم، كما أنه يعم الأحكام الواقعية والظاهرية والاستقلالية كوجوب الصلاة والتبعية
والأصلية والغيرية، فإنه عند الأمامية ومن وافقهم كلما حكم به الشرع لا بد من أن يحكم به العقل لو اطلع على الواقع.
والدليل على ذلكأولًا:هو ما عرفت من تبعية أحكام الشارع الاقتضائية كالوجوب والحرمة للمصالح الموجبة للحسن أو المفاسد الموجبة للقبح وإلا لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح لا يصدر من العدل الحكيم الذي لا يفعل القبيح، وتبعية أحكامه اللا إقتضائية كالإباحة لفقد أرجحية المصلحة أو المفسدة على الأخرى وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح، وحيث كان العقل أحكامه تابعة أيضا للمصالح والمفاسد فصار عندنا قضيتان، صغرى وهي كلما حكم به الشرع فهو على طبق مقتضية من المصلحة أو المفسدة، وكبرى وهي كلما تقتضيه المصلحة أو المفسدة يحكم به العقل ينتج من الشكل الأول الشرطي (كلما حكم به الشرع يحكم به العقل).
إن قلت إنه قد لا يكون في الفعل رجحان لكن الشارع يأمر به امتحاناً للعبد مثل أمر إبراهيم (ع) بذبح ولده إسماعيل فلا يكون ما حكم به الشرع يحكم به العقل، ولا ريب أن هذا أمر يحتمله العقل في كل حكم شرعي.
قلنا لا يحتمل ذلك العقل في كل أمر لأنه لو كان أمراً امتحانياً لنبه الشارع عليه قبل تحقق العمل به إذا ظهر حال العبد بامتثاله أول مرة أو ثانيها أو ثالثها إذ لو لم ينبه لأوقع العبد في المفسدة وهو قبيح من الله تعالى لا يصدر منه. وحيث أنه تعالى لم ينبه في أوامره على ذلك علم أنها غير إمتحانية. على أنه لو كانت امتحانية أيضاً يحكم العقل على
طبقها لو انكشفت له الواقع لأن الامتحان في حد ذاته لا بد من أن يكون لمصلحة هناك وإلا لكان لغواً لا يصدر منه تعالى، فالامتحان والاختبار مصلحة في الفعل مرجحة للأمر به.
والحاصل أنه لا بد من أن يكون في الفعل مصلحة مخصوصة بحيث لو أطلع عليها العقل كما أطلع عليها الشارع لحكم بالأمر الامتحاني كما حكم به الشارع. فظهر أن كلما حكم به الشرع من حكم جدي أو امتحاني أو مقدمي أو وضعي يحكم على طبقه العقل لو أطلع على الواقع. إن قلت أن الشارع لعله يحكم لعلة موجودة غير الحسن والقبح ولا يلزم الترجيح بلا مرجح.
قلنا قد تقدم أنه لا بد من أن يكون السبب في حكمه هو التحسين والتقبيح العقليين.
الدليل الثاني:ما ذكره صاحبالقوامعوهو أنه لو كذب (كلما حكم به الشرع حكم به العقل) للزم كذب عكسه وهو قولنا (بعض ما حكم به العقل حكم به الشرع) ولازم كذب هذا العكس أن يصدق نقيض هذا العكس وهو قولنا: لا شيء مما حكم به العقل حكم به الشرع مع أنه قد تقدم أن كلما حكم به العقل حكم به الشرع، والقول بأن العقل يمكن أن لا يكون له حكم في مورد حكم الشرع مدفوع بأن الكلام بعد الإطلاع على الواقع فلا يعقل عدم الحكم بعد إنحصار الأحكام بالحصر العقلي في الخمسة.
ولا يخفى ما فيه فإن كذب الأصل لا يلزم منه كذب عكسه فإنه يكذب قولنا: كل حيوان إنسان ولا يكذب عكسه وهو بعض الإنسان
حيوان، فإن العكس لازم أعم لا أنه لازم مساوي، كما أن عكس (كلما حكم به الشرع حكم به العقل) موجبة جزئية شرطية لا حملية كما ذكره المستدل وهو قولنا: (قد يكون إذا حكم العقل بشيء حكم به الشرع).
الدليل الثالث:ما مرّ من الآيات والروايات الدالة على حصر أمر الشارع ونهيه بما فيه المصلحة أو المفسدة، فإن ذلك يقتضي أن كل ما أمر به الشارع أو نهى عنه فهو يحكم العقل به كقوله تعالى [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ] وقوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ] ومثل ما روي من أن أمير المؤمنين (ع) أوصى الحسن (ع) بأنه (لم يأمرك ربك إلا بالحسن ولا ينهيك إلا عن قبيح).
المقام الرابع
في: حجية العقل
المقام الرابع الذي تعرض له الفقهاء والأصوليون في مباحث التحسين والتقبيح العقليين هو حجية العقل. والمراد به حجية دليل العقل من قبل إطلاق السبب وإرادة المسبب.
والمراد بالدليل العقلي أو دليل العقل هو حكم العقل الذي يمكن التوصل به بصحيح النظر إلى حكم شرعي. وقد اختلفوا في حجية هذا الدليل وأنه هل يثبت به الحكم الشرعي أم لا؟ وكان القوم على قولين فأثبت الحجية الإمامية في جميع الأحكام الشرعية إلّا الإخباريين منهم. وأما العامة فهو حجة عندهم حتى إذا أفاد الظن حيث يعملون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة في جميع الأحكام الشرعية. نعم ما قام عليه الدليل العقلي من الأحكام الشرعية من باب الحسن والقبح
العقليين ليس بحجة عندالأشاعرةحتىالزركشيالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين. كما أن من قال بأنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع، يلزمه حجية دليل العقل ويلزمه إتباع أحكامه.
والحاصل أن من الدليل العقلي ما يرجع إلى قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ومؤداه قد يكون حكماً واقعياً كدليل العقل على وجوب رد الوديعة عند الشارع، وقد يكون حكماً ظاهراً كأصالة الإباحة العقلية. وقد عرفت أن الأشاعرة قد أنكروا حجيته لإنكارهم قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، كما أن بعضهم بعد التنزل وتسليم القاعدة أنكر دليليته وحجيته ووافقهم على ذلك من أصحابنا الإخبارية. وأمّا ما كان من الدليل العقلي ما لا يرجع إلى قاعدة التحسين والتقبيح العقليين كأن يرجع للاستلزامات العقلية كمطلوبية مقدمة الواجب أو امتناع اجتماع الأمر والنهي أو الانتفاء عند الانتفاء عند التعليق بنحو الشرطية أو نحو ذلك فالظاهر أنه حجة عند الجميع لو حصل منه القطع وإنما نزاعهم في هذه الموارد في حصول نفس القطع به.
ثم أن الدليل العقلي لما كان تارة تكون مقدماته عقلية ليس فيها شرعية، وتارة تكون مقدماته مختلطة من العقلية والشرعية، كان ينقسم عندهم إلى ما كانت الاستفادة للحكم العقلي الدال عل الحكم الشرعي والمستفاد منه أصليين لا يتوقف شيء منهما على ملاحظة خطاب الشارع كحكم العقل بحرمة الظلم وبمطلوبة العدل للشارع، فإن هذا الحكم العقلي إنما استفيد من إدراك العقل لقبح الظلم وحسن الإحسان. فاستفادته لم تكن بتابعة لخطاب شرعي، كما أن نفس المستفاد وهو