بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 1

[الجزء الرابع‌]

الحاكم‌

قد عرفت فيما سبق ما الحكم وأقسامه وأحكامه، بقي الكلام في بيان الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به وشرائط الحكم فنقول اما الحاكم فالحق انه هو الله تعالى وعليه الأشاعرة وذهب بعضهم إلى انه هو العقل وان الشرع كاشف عنه باعتبار ان العقل يحكم باعتبار الجهات المحسنة والمقبحة بالأحكام التكليفية والوضعية والشرع تابع له وقد نسب ذلك إلى العدلية حيث انهم قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين قال الآمدي: (إعلم انه لاحاكم سوى الله تعالى ولا حكم إلا ما حكم به، ويتفرع عليه ان العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم وأنه لا حكم قبل ورود الشرع)- انتهى. وقال شارح التنقيح فيما حكي عنه عند قول الماتن: (ثم عند المعتزلة العقل حاكم بالحسن والقبح موجب للعلم بهما وعندنا الحاكم بهما هو الله تعالى والعقل آلة للعلم بهما فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً) مالفظه، لما أثبتنا الحسن والقبح العقليين وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين المعتزلة أردنا ان نذكر الخلاف بيننا وبينهم وذلك في أمرين أحدهما ان العقل عندهم حاكم مطلق بالحسن والقبح على الله وعلى العباد اما على الله فلان الأصلح واجب على الله بالعقل‌


صفحه 2

فيكون تركه حراماً على الله وأما على العباد فلان العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم ويبيحها ويحرمها من غير ان يحكم الله تعالى فيها بشي‌ء من ذلك وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى وهو متعال عن ان يحكم عليه غيره وعن ان يجب عليه شي‌ء وهو خالق أفعال العباد جاعل بعضها حسناً وبعضها قبيحاً وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معين وقضاء مبين وإحاطة بظواهرها وبواطنها وقد وضع فيها من خير أو شر من نفع أو ضرر من حسن أو قبح- انتهى. ولا يخفيعليك انه لا مجال لإنكار حكومة العقل بالوجوب والتحريم والإباحة والكراهة والاستحباب بمعنى استقلاله بحسن الفعل أو قبحه بحيث يلزم العقل بإتيانه ويحكم باستحقاق فاعله المدح من حيث انه فاعل له أو يرجح العقل الفعل أو يلزم بترك الفعل أو يرجح ترك الفعل أو يجوز الفعل والترك على حد سواء كما تقدم وهذا لا ينافي كون الشارع أيضاً يحكم بذلك غاية الأمر هو التوافق بين الشرع والعقل في الأحكام والحاصل ان الفعل الاختياري في حد ذاته مع قطع النظر عن المدرِك والحاكم والمكلف اما حسن فيسوّغ العقل فعله أو قبيح فيحرم العقل فعله فهذا حكم ثابت للأفعال الاختيارية في الواقع ونفس الأمر. ثم ان العقل إذا اطلع على الواقع حتى جزم والشارع لابد وان يطلع عليه فعند ذا يدرك كل من الشرع والعقل حسن ذلك الفعل أو قبحه الواقعي ثم إذا اطلعا أحبا أو كرها


صفحه 3

ثم إذا أحبا أو كرها حكماً في أنفسها بلزوم الفعل أو المنع منه ثم يقف الفعل في هذه المرتبة وأما الشارع يبث جنده ويبعث رسله ووعد وأوعد وأرشد وهدد وصنع صنع السلطان القاهر والطبيب الشفيق الماهر فليت شعري في أي مرتبة أنكرنا حكومة الشرع وعزلنا الشارع عن الحكم ولعل منشأ التوهم هو قولنا الحسن والقبح عقليان في مقابل قول الأشاعرة انهما شرعيان وما درى المتوهم ان مرادنا بذلك ان العقل مما يدركهما رداً على الأشاعرة حيث زعموا ان لا مدرِك لهما ولاحاكم بهما إلا الشرع ثم ان قوله: (ان الله متعال عن ان يحكم عليه غيره وعن ان يجب عليه شي‌ء) مما يظهر انه لم يفهم معنى الوجوب عليه تعالى فإنه مرادهم لو تركه لاستحق عليه الذم وصدق الشرطية لا يستدعي وجود المتقدم ألا ترى انه يصح ان يقال وقت الليل كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً فهي نظير قوله تعالى: [لَوْ كانَ فِيهِما آلِهةٌ إلا الله لَفَسَدَتا]. وقد فسر اللاهجي وجوب الفعل الذي نسبه العدلية لله تعالى بان الفعل لو أخل به غير الله إستحق الذم والعقاب وقد يفسر: (الوجوب) بلا بدية الصدور منه تعالى ولا يهمنا تحقيق ذلك فإنها معاني متقاربة والمقصود منها واحد فلنعد إلى ما نحن فيه قال صاحب الفصول (ره) ما حاصله: ان قول بعضهم ان العدلية والمعتزلة ينكرون كون الشارع حاكماً ويجعلون أوامر الشرع ونواهيه كاشفة عن الأحكام العقلية وهمٌ لأن‌


صفحه 4

إٍيجابه تعالى لبعض الأفعال وتحريمه لبعضها وكذلك تشريعه لبقية الأحكام من ضروريات الشريعة المصرح بها في الكتاب والسنة فكيف يتأتى من أحد إنكارها مع ان أوامره تعالى ونواهيه على الوهم المذكور تكون إرشادية محضة مجردة عن معنى الطلب وهو خلاف ما أجمعوا عليه وما صاروا إليه كلهم أو جلهم من حملها على مولويتها عند فقد القرائن وكان منشأ هذا الوهم ان العدلية لما التزموا بالملازمة جعلوا أوامره تعالى ونواهيه كاشفة عن جهات محسنة ومقبحة عقلًا فتوهم انهم يجعلون تلك الأوامر والنواهي بمجرد الكشف عن تلك الجهات كأوامر الطبيب ونواهيه مع ان مقصودهم إنما هو الكشف بطريق الالتزام للحكم الشرعي وكذا ما سبق إلى بعض الأوهام (من ان حكم الشرع تابع لحكم العقل) فان فساد هذا الكلام غني عن البيان لمخالفته لما هو معلوم بالضرورة والوجدان من جميع المذاهب والأديان لاتفاق الكل على علمه تعالى بجميع الأشياء أزلًا وأبداً وحكمته الموجبين لغنائه من مراعاة الجهات الداعية إلى تشريع الأحكام عن متابعة العقل وغيره من المخلوقات كيف والعقل إنما وصل إلى تلك الجهات وحكم بمقتضاها بإفاضته تعالى عليه الصور العلمية بعد خلقه إياه حكيماً مراعياً للجهات فكيف يكون تابعاً له- انتهى. والتحقيق كما تقدم ان العقل حاكم كما ان الشرع حاكم كما هو واضح فيكون الحكم متعدداً والحاكم متعدداً هذا لو خصصنا


صفحه 5

العقل بالعقل الإنساني البشري اما لو أردنا به مطلق العقل أعني مطلق القوة المدبرة المدركة العالمة بالمصالح والمفاسد فيكون الحاكم هو العقل لان الشرع إنما يحكم بواسطة حكم هذه القوة عنده فالحكم يكون لها حتى حكم الشارع وقد يقال ان الحاكم هو النبي (ص) لما روي ان الله تعالى أدب نبيه وفوض إليه الأحكام وان النبي (ص) إذا أوجب شيئاً أو حرمه أقره تعالى ورضي به ولا يخفى عليك ما فيه فإن الرواية لو سلمت وسلمت فان المراد بها تفويض بيانها إليه والمراد بالإقرار والرضا هو بيان أصابته (ص) في بيان الأحكام لا تفويض أمرها إليه فهي نظير قوله تعالى: [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهوى إنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى‌].

خلاصة الأمر ونتيجة البحث:

ان علماء الإسلام متفقون على ان الله عز وجل هو الحاكم والمشرع للأحكام الشرعية وهو يثيب ويعاقب عليها وبعث الرسل وأنزل الكتب لتعريفها للعباد ولكن وقع النزاع بينهم في انه هل للعقل ان يعرف الحكم الإلهي الشرعي بنفسه بحيث يثاب عليه أو يعاقب من قبل الله تعالى من غير تبليغ الرسل والكتاب المنزل؟ فالمعتزلة والعدلية ذهبوا إلى إمكان ذلك فقالوا انه يمكن للعقل ان يستقل بإدراك حكم الله في الواقعة بحيث لله ان يثيب على فعلها أو يعاقب‌


صفحه 6

على تركها من دون تبليغ منه بواسطة رسله أو كتبه كحرمة الظلم ووجوب رد الوديعة وحرمة قتل النفس المحرمة ونحو ذلك نعم إذا عجز العقل عن الإدراك كشف له الشارع حكمه في الواقعة بأمره أو نهيه كما في الصلاة وأكل الربا ومصدر حكم العقل عندهم هو حكم العقل بالتحسين والتقبيح لما في الفعل من مصلحة ومفسدة ومنفعة ومضرة وان الله يحكم حسب حكم العقل لان الله لا يريد إلا مصلحة العباد وسعادتهم وذهب الأشاعرة إلى ان العقل لا يستطيع معرفة حكم الله تعالى إلا بواسطة الرسل المرسلة والكتب المنزلة وان الحاكم بالتحسين والتقبيح هو الله لا العقل فما أمر الله تعالى به فهو حسن وما نهى عنه فهو قبيح فلا تكليف إلا من الشرع وذهب الماتريدية إلى ان العقل قد يدرك الحسن والقبح إلا انه لا يدرك ان الله قد حكم على طبق حكم العقل فلا ثواب ولا عقاب إلا الحكم الذي بلغه الرسول أو جاء به الكتاب المنزل من قبل الله تعالى وقد تقدم البحث منا في ذلك مفصلًا.

المحكوم عليه والمكلف‌

المحكوم عليه هو من ثبت الحكم الشرعي في حقه ولا ريب في ذلك إنما الكلام في المكلف بلفظ أسم المفعول فإنه هو البالغ العاقل عند الفقهاء والأصوليين لان ببلوغه هذه المرتبة قد وضع الشارع‌


صفحه 7

التكليف عليه وألزمه بما فيه الكلفة من واجبات ومحرمات ولم يعتبروا القدرة في المكلف وان كانت شرطاً في التكاليف ولذا الشيخ الإنصاري (ره) في أول كتابه الرسائل عبر بالبالغ العاقل دون ان يذكر القادر وهكذا باقي الفقهاء والأصوليين ويمكن ان الداعي لذلك وجوه:

أحدها:ان القدرة شرط لتنجز التكليف عليه لا لتوجه الخطاب له فان الخطابات الشرعية بإطلاقها تشمل القادر وغير القادر ولكن العقل يحكم بأنه لا يجب امتثالها وإطاعتها على غير القادر فهي شرط لامتثال التكاليف نظير العلم بالتكليف وبعبارة أخرى شرطية القدرة من جهة حكم العقل فيؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو شرطيتها للإمتثال كالعلم إلا إذا قام الدليل الشرعي على شرطيتها للتكليف كما في الحج بخلاف العقل والبلوغ فإنها شرط لتوجه التكليف لوجود الأدلة على تخصيص الأحكام التكليفية بهما فهما شرطان للتكليف لا لإمتثاله ان قلت ان آية: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلّا وُسْعَها] تقيد التكاليف بالقدرة عليها لأنها دالة على إنتفاء الطبيعة عند عدم الوسع لاأنها دال على إنشاء التنجز، قلنا نستكشف من وجوب القضاء للواجبات التي لم يتمكن من فعلها ان التمكن إنما كان شرطاً للتنجز لا لأصل الخطاب لأنه لو كان شرطاً لأصل‌


صفحه 8

التكليف لما وجب عليه القضاء لان القضاء مأخوذ فيه انه تدارك لما فات.

ثانيها: ان الإنسان بمجرد ان يكون بالغاً عاقلًا ولو لم يكن قادراً يتحقق في حقه التكليف ولو ببعض الأصول الإعتقادية بعقله وإدراكه فيكون متصفاً بثبوت الكلفة عليه ويتحقق ثبوت جنس التكليف في حقه فيكون مكلفاً لأنه بمجرد ذلك يتمكن من امتثالها وفرض عدم تمكنه في هذه الحالة فرض محال بخلاف ما إذا لم يكن عاقلًا فان العقل والأدلة الشرعية تنفي ثبوت كل إلزام بشي‌ء فعلًا عليه وهكذا إذا لم يكن بالغاً للأدلة الشرعية على عدم ثبوت أي تكليف عليه اللهم إلا ان يقال ان فرض عدم تمكنه مع هذا الحال ليس فرضاً محالًا فيشترط فيه التمكن إذ مع عدمه لا يصح التكليف ولكنه فرض نادر لا يصح بناء القواعد عليه.

ثالثها: ان المحرمات لا يشترط في التكليف بها القدرة على الترك لان كل شخص بمجرد بلوغه وعقله تتوجه عليه المحرمات اللهم إلا ان يقال انه أيضاً لابد وان يكون تركها مقدوراً له وإلا فلا تحرم عليه ولكنه فرض نادر لا يصح بناء القواعد عليه ان قلت ان الصبي مكلف بالحكم التكليفي لأنه يستحب له فعل العبادات كالصلاة والصوم غاية الأمر انه ليس على سبيل الوجوب ومكلف بالحكم الوضعي وهو تعلق الزكاة بماله وضمان ما أتلف ونحو ذلك‌