انه لم يقل به أحد مضافاً إلى ان في الخبر المتقدم عليه، والذي يحتمل قوياً انه نفسه لا غيره كما لا يخفى على من قايس وقارن بينهما، كان فيه أخذ الصبي بين سبع سنين وست سنين في الصلاة ولم يقل أحد بوجوب الأخذ فلابد ان يكون المراد بالأخذ على سبيل التمرين والإستحباب مضافاً إلى ان الأخذ بالصوم والصلاة في الأخبار مما يعبر به عن التمرين مضافاً لما ذكره عمنا الأعلى الشيخ حسن في أنوار الفقاهه من ان المراد (بما بينه) هو ما بين صباه وتميزه ومن المعلوم ان ما بين تميزه وبين الأربعة عشر يكون صيامه مندوباً فلذا يراد بما بينه وبين الخمس عشر بقرينة السياق. ولان ظاهر (يؤخذ) ان الفاعل فيه غيره في الدنيا لاانه يؤاخذ عليه في الآخرة فيكون المراد ان الولي يحمله على الصوم مابين ذلك ومقتضى ذلك ان يكون البلوغ بأحدهما ويمتنع ان يكون هو الأقل وإلا لم يكن الزمان المتوسط بينه وبين الأكثر تمريناً واللازم من الترديد كونه تمريناً فيتعين كونه بالأكثر، ولعل النكتة في الترديد التنبيه على الفرق بين المتوسط بينهما والمتقدم عليهما في التضييق وعدمه بالنسبة إلى التمرين فان الصبي يضيق عليه فيما بين الأربع عشرة والخمس عشرة بخلاف ما تقدم من الزمان فإنه لا يضيق عليه لبعده عن البلوغ والحاصل ان ظاهر الرواية عدم إلزام الصبي بالصوم قبل الخمسة عشر لأنها لو كانت دالة على الوجوب فلابد ان يكون الوجوب فيها تخييراً وإلا فلا معنى للوجوب ما بين
الرابعة عشر والخامسة عشر والوجوب التخييري بين ذلك لم يقل به أحد مضافاً إلى إباء سياقها على حمل الأخذ على الوجوب لشهادة صدر نظيرها المتقدم عليها على ان المراد بالأخذ هو الإستحباب والتمرين إذ لم يحتمل أحد بان الصبي يجب عليه الصلاة في ذلك الوقت وإذا دلت الرواية على ان المذكور فيها إنما هو لبيان وقت التمرين للصبي على عباداته فلابد ان يكون ما فوق أكثر العددين بلوغاً وإلا لذكر في الرواية للتمرين على ان الأكثر من ذلك لا يقول أحد بأنه ليس ببلوغ بل عليه ضرورة المذهب فتعين كون إكمال الخامسة عشر بلوغاً. وما عن الصدوق في الخصال بأسناده عن العباس بن عامر عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) قال: يؤدب الصبي على الصوم فيما بين الخمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة ووجه الدلالة ظاهر حيث انه قد حدد فيها التأديب تمريناً إلى الست عشرة سنة ولابد ان يكون المراد إلى أولها لإجماعنا على تحقق البلوغ بعد إكمال الخمس عشرة سنة وضعف الرواية بأرسالها والجهالة منجبر بالشهرة العظيمة. ومرسل المقنع روي ان الغلام يؤخذ بالصيام ما بين أربع عشرة سنة إلى ست عشرة سنة إلا ان يقوى قبل ذلك وحكي عن الجواهر انه قال: وأرسالهما غير قادح بعد الإنجيار بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة وهما صريحان في المطلوب إذ المراد من الخمس عشرة نصاً وفتوى ما هو المنساق منهما من إكمال
العدد لا الدخول فيه وبذلك يتضح دلالة المرسلتين. وأورد على الاستدلال بهما بأنهما لا ينفعان المستدل من كون حد البلوغ إكمال خمس عشرة لأنه ستة عشر المجعولة غاية أُريد بها إكمالها ولازم ذلك ان تكون هي حداً للبلوغ فلابد لمن أراد إنطباقهما على سائر الأخبار الدالة على خمس عشرة من الإلتزام بان المراد فيهما إنتهاء التمرين والتأديب إلى أول ست عشرة وان المراد بالخمس عشرة في المرسلة الأولى أولها وكذا المراد بالأربع عشرة في الثانية أولها لئلا يلزم التفكيك فيها بين الأربع عشرة والست عشرة بإرادة الآخر من الأولى والأول من الثانية. ولايخفى عليك ما فيه فان الظاهر من الروايتين هو إنتهاء التأديب إلى أول الدخول بالسادس عشر ولازمه انه به يتحقق البلوغ وهو مطلوب المستدل فان الذي هو بصدده إكمال الخامسة عشر وهو يكون بدخول السادسة عشر فتدبر.
حجة القول الثاني بأربعة عشر سنة وجوه:
أولها: ما حكي التمسك به في المختلف لابن الجنيد (ره) وهو ما رواه أبو حمزة الثمالي عن الباقر (ع) في التهذيب قال: قلت له جعلت فداك في كم تجري الأحكام على الصبيان قال: في ثلاث عشرة سنة وأربع عشرة سنة قلت فإنه لم يحتلم فيها قال: وان لم يحتلم فإن الأحكام تجري عليه. والجواب: ان في السند عبد الله بن جبلة وهو وان كان ثقة إلا انه واقفي وفي الطريق أيضاً سندي بن
الربيع ويحيى بن المبارك وهما مجهولان قال العلامة: ولا أعرف حالهما ولو سلمنا ذلك فهي لاتقاوم الأخبار الدالة على القول المشهور من جهة كثرتها واعتضادها بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة الموثوق بها مضافاً إلى منع دلالتها على المطلوب لإشتمالها على الثلاثة عشرة وهولم يفت به ابن جنيد، مضافاً إلى ان الرواية ظاهرة في الترديد وهو ينافي مقام الإمام (ع) وإرادة التخيير منها لم يقل به أحد فان كل من قال بسن قال به مطلقاً فالأولى إبقاء العطف على ظاهره وحمل الرواية على التمرين القابل للترديد والتخيير من حيث إستحبابه فإن الاستحباب قابل للدرجات بخلاف الإيجاب وقد تقدم الكلام في رواية معاوية بن وهب الأولى والثانية المذكوران في حجة الدليل الأول ما ينفعك هنا فراجعه.
ثانيها: ما أشار إليه في مجمع الفائدة من عموم أدلة التكليف وصحة الخطاب إلى المميزين عقلًا لوجود شرطيه اللذين هما العلم والقدرة خرج من كان عمره دون الأربع عشرة بالنص والإجماع فيبقى ذو الأربع عشرة. وأجيب عنه بان البلوغ شرط للتكليف مغاير للعلم والقدرة وحصوله بالأربع عشرة مشكوك فيه فيشك حينئذ في التكليف المشروط به ويصح نفيه بالأصل مضافاً إلى إنا لو سلمنا عموم أدلة التكليف فهي مخصصة بأدلة القول الأول.
ثالثها: ان نصوص الخمس عشرة محتملة الدخول في سنة الخامسة عشر ولإكمال الخامسة عشر والبناء على الأول هو الموافق للإحتياط في العبادة وان كان مخالفاً له بالنسبة إلى ما يتعلق بالولي. وأجيب عنه بعدم الإجمال في نصوص الخمس عشرة لأنها بين ما هو نص في الإكمال وبين ماهو ظاهر فيه.
رابعها: انه سبحانه قد بين في كتابه العزيز ان البلوغ يحصل بالإحتلام وقد تقدم قيام الإجماع عليه وقد نطق الأثر عن المعصوم (ع) بان وقت الإحتلام هو الأربع عشر ألا ترى إلى رواية عيسى بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع): (ينتظر الصبي لسبع سنين ويؤمر بالصلوة لتسع سنين ويفرق بينهم في المضاجع لعشر ويحتلم الأربع عشر وينتهي طوله لأحدى وعشرين سنة وينتهي عقله لثمانية وعشرين إلا التجارب). والجواب ان الرواية لا عموم فيها وإنما المراد بها غلبة الإحتلام في الأربع عشرة ضرورة انه قد يتقدم عليها وقد يتأخر عنها ولو في بعض الموارد.
حجة القول الثالث وهو ان العلم بالبلوغ يكون بإكمال الثلاثة عشر سنة: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحسن بن علي بن زيد الوشاء عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا بلغ أشده ثلاث عشر سنة ودخل في الأربع عشر
وجب عليه ما وجب على المحتلمين إحتلم أو لم يحتلم وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كل شيء إلا ان يكون ضعيفاً أو سفيهاً. قال المحقق الأردبيلي (ره): والظاهر ان هذه صحيحة إذ ليس فيها من لم يصرح بتوثيقه إلا الحسن بن علي الوشاء والظاهر انه ثقة عندهم لان الخبر الذي هو فيه يسمى بالصحة كثيراً، لكن المحكي عن التهذيب في آخر كتاب الزكوة الحسن بن علي بن زياد هو الوشاء الخزاز وهو ابن بنت الياس وكان وقف ثم رجع. والمحكي عن الكفاية انه جعل الرواية من قبيل الحسن بالوشاء. والمحكي عن المصابيح ان الحسن بن الوشاء ظاهر الأكثر عد حديثه من الحسن دون الصحيح بناءاً على ان الذي قيل في مدحه انه من وجوه هذه الطائفة وعيونها وهو لا يبلغ حد التوثيق وهو الذي إختاره الشهيد الثاني ثم حكي عنه التصريح بإنه توصيف بعض الأصحاب روايته بالصحة محمول على الصحة الأضافية دون الحقيقية. وما رواه عبد الله بن سنان أيضاً عن أبي عبد الله (ع) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: [حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّه] قال: الإحتلام، قال: فقال: يحتلم في ست عشرة سنة وسبع عشرة سنة ونحوها فقال: لا إذا أتيت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات وجاز أمره إلا ان يكون سفيهاً أو ضعيفاً فقال: وما السفيه فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه قال: وما الضعيف قال: الأبله.
وقد وصف هذه الرواية في الكفاية بالموثقية. وما رواه الكليني والصدوق عن عبد الله بن سنان أيضاً عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا بلغ ثلاثة عشر سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وكذلك انها تحيض لتسع سنين وقد وصف صاحب الكفاية والرياض والمصابيح هذه الرواية بالموثقية وما رواه الشيخ (ره) عن عمار في الموثق عن الصادق (ع) عن غلام متى تجب عليه الصلوة قال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلوة وجرى عليه القلم والجارية مثل ذلك ان أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك وجب عليها الصلوة وجرى عليها القلم. والمناقشة فيها بأنها مشتملة على ما لا يقول به أحد من بلوغ الأنثى بالثلاثة عشر فان ذلك موهن لها لأنه يوجب عدم الوثوق بصدورها فاسدة، لأنه إنما يوجب عدم الوثوق بخصوص هذه الفقرة من الرواية لا ما عداها من باقي الفقرات. وقد أجيب على ذلك بان الأخبار المذكورة وان كانت معتبرة من جهة الوثاقة إلا انها لا تكافىء تلك الأخبار الناطقة بالخمس عشرة لكون هذه مما لم يقل به أحد إلى زمان المحقق الأردبيلي (ره) عدا قائل غير معروف حكى الفتوى بمضمونها صاحب المدارك عنه مع عدم التصريح بإسمه فتكون تلك الأخبار مؤيدة بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة الموثوق بها ومعمول بها
وهي أكثر عدداً ومعتضدة بالأصل وعمومات الكتاب بخلاف هذه الروايات لا سيما وان ثلاثة منها ترجع لراوِ واحد وهو عبد الله بن سنان فهي في قوة رواية واحدة وان تعددت الطرق إليه مع ان أخبار القول الأول فيها ما هو صحيح السند دون هذه الأخبار على ان صحيح بن وهب صريح في نفي الثلاثة عشر.
هذا وقد أورد في المقام سؤال وهو انه يمكن ترجيح هذه الأخبار بكونها مخالفة لجميع مذاهب العامة بخلاف نصوص الخمس عشرة فإنها موافقة لمذهب الأوزاعي والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل فيمكن حمل أخبار القول الأول على التقية دون هذه الأخبار؟ وأجيب بان مرجحات أخبار القول الأول أكثر لأنها أشهر ورواتها أعدل وبان أكثر النصوص الخمس عشر مروية عن الباقر والصادق عليهم السلام وزمان الباقر (ع) متقدم على زمان القائلين بالخمس عشرة من أهل الخلاف وزمان الصادق (ع) متقدم على زمان ممن عدى الأوزاعي من المذكورين. وأما إحتمال صدور رواية الخمس عشرة عن الصادق (ع) من جهة تقيته (ع) من الأوزاعي لأنه كان في عصره فقد قيل في دفعه انه كان من أهل الشام وكانت التقية من الصادق والكاظم بل من الباقر عليهم السلام من فقهاء الحجاز والعراق دون فقهاء الشام. مضافاً إلى ان الأوزاعي لم يكن له من الشان ما يوجب التقية منه. هذا مضافاً إلى ان في نصوص الخمس عشرة قرينة دالة