مقام الإمتنان عليه ومقتضى الإمتنان عليه هو رفع الشارع كل تكليف عنه فهو ليس بمكلف بها. وفيه ان حديث الرفع إنما يدل على رفع ما بيد الشارع وضعه ورفعه ووجوب المعارف على الصبي العاقل المميز ليس بيد الشارع رفعه ووضعه لما عرفت ان وجوبها بحكم العقل ان قلت ان حديث رفع القلم عن الصبي يقتضي عدم إسلامه وعدم الإعتداد به؟ قلنا مقتضى انه وارد في مقام الإمتنان ان يقبل إسلامه لأنه خلاف المنه عدم قبول إسلامه وعدم الإعتداد به. على ان ظاهر حديث الرفع هو رفع التكاليف الإلزامية عنه لا رفع الموضوعات الخارجية ككونه كافراً أو مسلماً أو مجنباً أو سارقاً أو غاصباً أو متنجساً بالبول أو نحو ذلك فثبت آثارها الشرعية له عند إتصافه بها ولا ترتفع عنه آثارها إلا بدليل خاص غير دليل الرفع. والحاصل ان دليل الرفع إنما يرفع التكليف عنه ولا يرفع تكليف غيره بالنسبة إليه إذا تحقق موضوع ذلك التكليف فيه كما هو الشان في سائر الحيوانات فان التكليف ليس بثابت عليها ولكن قد يثبت للغير تكليف بالنسبة إليها كوجوب إحراقها كما لو وطئت أو كذبحها كما لو نذر أو نجاستها كما لو كانت جلالة ونحو ذلك. ان قلت ان وجوب المعارف الإلهية إنما كان ثابتاً من جهة إحتمال الضرر بتركها وإحتمال الضرر مرفوع الحديث رفع القلم، كما ان إحتمال الضرر بتركه الواجبات البدنية مرفوع عنه بالحديث المذكور. ودعوى انه لا مجال للتمسك
بالحديث المذكور ولا بغيره لرفع ذلك عنه لان التمسك به إنما يكون بعد ثبوت العقيدة الإسلامية له إذ لولاها لم يكن حجة عليه فاسدة، لأنه يتمسك به على تقدير مطابقة الإحتمال للواقع فيرتفع إحتمال الضرر بان يقول على تقدير وجود الله تعالى وبعثة رسوله فهذا الحديث ثابت يمنع من تحقق الضرر لو لم أتدين بذلك ولا يلزم عليٌ شكره بمعرفته على تقدير وجوده. قلنا ان الحديث إنما يدل على رفع الإلزام فهو إنما يدل على رفع الإلزام بالعقائد الإلهية والتكليف بها وليس له دلالة على رفع صحة الإسلام وعدم تحققه في الصبي، نعم هذا يتم في الصبي الملتفت لهذا الحديث والثابت عنده حجته على تقدير ثبوت العقيدة الدينية.
ثالثها:ان لازم عقاب الصبي المميز لو لم يعتقد بالمعارف الإلهية حتى أولاد المسلمين لفرض الخصم تكليفه بها وهو خلاف الإجماع بل خلاف الضرورة. وفيه أنا لا نسلم الإجماع ولا الضرورة على عدم إستحقاق عقاب الصبي المميز إذا إلتفت إلى وجوبها شان البالغ العاقل بل ان عقله حاكم بإستحقاقه العقاب لو إلتفت إلى ذلك كما هو الشان في البالغ العاقل بالنسبة لسائر التكاليف الشرعية.
رابعها:ان ما ورد من ان عمد الصبي خطأكصحيحة محمد بن مسلمعن أبي عبد الله (ع) انه قال: (عمد الصبي وخطأه
واحد) فإنها تدل على عدم قبول إسلامه إذ يكون عمده في التدين بالإسلام مثل خطأه في عدم التدين به. وفيه: (أولًا) ظهوره في الأفعال والأعمال الخارجية فان العمد لا ينسب للعقيدة عند العرف. (ثانياً) ان غاية ما يدل عليه هو إلغاء الآثار للعمد التي هي مجعولة للشارع ووجوب المعارف على الصبي المميز من الأمور العقلية كما قد عرفت ليست من المجهولات الشرعية فهو مساقه مساق رفع القلم فما أجبنا به عنه يكون جواباً عنه. مضافاً إلى انه وارد في مقام الإمتنان وليس من المنه عدم قبول إسلامه. (خامسها) رواية ابن سنان: (أنه إذا بلغ كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات) وهي تدل على ان مع عدم البلوغ ليس عليه الإسلام وإلا لكتبت له حسناته وليس مؤاخذ بالكفر وإلا لكتب عليه سيئاته. ويمكن ان يقال ان الرواية ناظرة للطفل المسلم بالنسبة لفروع الدين وليست بناظرة للإتصاف بالإسلام والكفر، وكيف يمكن ان تكون ناظرة لذلك، ولازمه ان تكون أطفال المسلمين مع انهم تكتب لهم الحسنات وقد تقدم مشروعية عبادات الصبي. (سادسها) ان إقرار الصبي غير مقبول. لأنه مسلوب العبادة فإقراره بالشهادتين يكون غير مقبول وفيه ان ما دل على عدم قبول إقراره إنما هو مختص بجناية أو مال لا انه عام لكل قرار منه كما سيجيء إنشاء الله ولو سلمنا عمومه فهو لا يشمل ما نحن فيه لأنه إنما شرع في مقام الامتنان عليه ولا منة في عدم قبول الإسلام منه. (سابعها) ان تبعية أولاد الكفار لآبائهم في الكفر
وتبعية أولاد المسلمين لآبائهم في الإسلام التي هي من المسلمات بين الفقهاء وادعى عليها الإجماع غير واحد من الأعلام وقامت السيرة المستمرة عليها بين المسلمين واقتضتها جملة من الأخبار والروايات التي سيجيء ان شاء الله نقلها عند الكلام في التبعية فإنها تقتضي ان يكون ولد الكافر تابعاً لأبويه في الكفر وان أسلم وان يكون ولد المسلم تابعاً لأبويه وان كفر. قلنا هذه الأدلة أخص من أدلة التبعية فهي تخصصها والقدر المتيقن في السيرة والإجماع هم خصوص الأولاد غير المميزين والغافلين عن حقيقة الحال.
الدليل الثاني لهم: ان الإسلام والكفر من الموضوعات الخارجية التي تتحقق في الإنسان الذي له شأنية وقابلية الإعتناق فيكون المعتنق لأحدهما متصف بصفته ويرتب عليه أحكام ما إعتنقه من إسلام وكفر، ولا ينافي ذلك حديث رفع القلم فإنه سواء قلنا بأنه يقضي رفع المؤاخذة أو رفع التكليف فهو بالنسبة إلى الصبي لابالنسبة لمعاملة غيره له ولذا يرتب غيره عليه النجاسة لو كان ابن كافر غير مميز، والسبي ونحو ذلك. وان شئت فاستوضح ذلك بالقياس والمقارنة فان الكلب والخنزير مرفوع عنهما القلم مع انه لا ينافي ذلك ترتيب غيرهما آثار النجاسة ونحوها عليهما.
الدليل الثالث لهم:العمومات الدالة على ان الإسلام يتحقق بالشهادتين فإنها تشمل الصبي والمراهقين نظير ما قيل من شمول أدلة الأحكام الوضعية كأدلة الضمان والجنابة والتنجس بالنجاسات لهم.
وأورد عليه انها إنما تشمل من كان يصح خطابه وتكليفه كسائر التكاليف الإلزامية من الوجوبية والتحريمية والصبي والمراهق لايصح توجه الخطاب إليه وجوابه ان الكثير من الأدلة الدالة على إسلام من نطق بالشهادتين ليست بنحو الخطابات الإنشائية بل بنحو القضايا العامة مثل قوله (ص): (من قال أشهد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله حقن دمه فقد أسلم) بل لو سلمنا انها من قبيل الخطابات الإنشائية فلا نسلم عدم صحة توجهها إلى الصبي المميز البصير بأمره فان العقلاء لا يزالون يوجهون الخطابات إليه.
الدليل الرابع لهم: انهقد ثبت مشروعية عبادات الصبي فبالطريق الأولى يكون الإسلام مشروعاً في حقه ومستحباً منه إذا قلنا بعدم وجوبه عليه عقلياً.
إرتداد الأولاد
المطلب الخامس:قد عرفت ان عنوان الإسلام والكفر يتحققان في الولد المميز فالإرتداد أيضاً يتحقق فيه لو خرج من الإسلام إلى الكفر سواء كان من أولاد المسلمين أو من أولاد غيرهم ممن أسلموا ثم ارتدوا فيثبت له جميع أحكام الإرتداد. ان قلت حديث رفع القلم يوجب عدم الحكم عليه بقتله وتقسيم أمواله وبينونة زوجته ونجاسته؟ قلنا انه وارد في مقام المنه وليس المرتد الكافر
ولو كان طفلًا مميزاً يستحق المنة فلا يشمله الحديث بخلاف الصبي المسلم العاصي فإنه يستحق المنه لصباه. وهكذا لو تمسك بقوله (ص): (عمد الصبي وخطأه سواء) فإنه أيضاً وارد في مقام المنه وهو لا يستحقها. نعم يمكن ان يستدل على عدم ترتب الأثر على إرتداده برواية ابن سنان: (أنه إذا بلغ كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات) ويجبر ضعفها بموافقتها للمشهور من فتوى الأصحاب بذلك بل الإجماع فإني لم أطلع على مخالف في عدم ترتيب آثار الارتداد على ولد المسلم إذا ارتد. ويدل على ذلك أيضاً رواية حمزة بن حمران التي عمل بها الأصحاب سألت أبا جعفر (ع) قلت متى يجب على الغلام ان يأخذ بالحدود التامة ويؤخذ بها؟ فقال: إذا خرج عنه اليتم أو أدرك قلت فلذلك حد يعرف؟ قال: إذا إحتلم أو بلغ خمس عشر سنة أو أنبت.
تبعية أ ولاد المسلمين لأشرف الأبوين وتبعية أولاد الكفار لآبائهم في الأحكام
المطلب السادس:قد عرفت ان المميز من الأولاد إذا إعتنق الكفر أو الإسلام فهو متصف بما إعتنقه ولا ينافي كونه غير مكلف لان الإسلام والكفر من الموضوعات الخارجية التي تتحقق في الإنسان الذي له شأنية وقابلية الإعتناق لهما فيرتب أحكام ما إعتنقه
منهما عليه. نعم غير المميز والمميز غير المعتنق قد حكم الأصحاب بتبعيتهم لأشرف الأبوين ان وجد، وإلا فلآبائهم في الأحكام الشرعية على غيرهم بالنسبة للمسلمين أو الكفار كالطهارة والنجاسة والإسترقاق ووجوب التغسيل والتكفين والنكاح والتوارث ونحو ذلك حتى انه لو أسلم الأب يتبعه أولاده في أحكام الإسلام، نعم لو تولد الولد من المسلمين أو من المسلم حال الإسلام ثم إرتد أبواه فالولد باقِ على أحكام الإسلام للإجماع المدعى في المقام. اما التبعية لأبويه إذا كانا مسلمين في أحكام الإسلام فقد قام عليه إجماع المسلمين وسيرتهم بل ضرورة الدين وأما التبعية لأشرف الأبوين بمعنى انه ان كان أحد أبويه مسلماً كان يرتب عليه أحكام الإسلام فاللإجماع وهو نعم الدليل ولا دليل لنا في المقام غيره. وقد يستدل على ذلك بان الذمية الحاملة من مسلم تدفن إذا ماتت في مقابر المسلمين مستدبرة للقبلة رعاية لإستقبال حملها ولولا التبعية لما دفنت كذلك. وأما التبعية الأبوية إذا كانا كافرين في أحكام الكفر فقد إستدلوا عليها بوجوه:
أحدها:الإجماع المدعى في أكثر كتب الفقه. وفيه انه لعله مستند إلى ما يذكرونه من الأدلة على ذلك مضافاً إلى ما حكي عن النهاية من وجود نوع خلاف فيه وحكي الأشكال في التبعية عن صاحب المدارك.
ثانيها:السيرة المستمرة على ترتيب آثار الكفر عليهم من معاملتهم معاملة آبائهم في الأسر والتملك لهم. وقد ناقش بعضهم في ذلك بان السيرة إنما جرت على تملكهم وأسرهم ولا نسلم بثبوتها في نجاستهم وطهارتهم بحيث ان من بني على نجاسة الكفار وعلى خصوص المشركين منهم يعاملون أبنائهم معاملتهم في التنجيس منهم.
ثالثها:بأنه حيوان متولد عن حيوانين فيثبت له حكمها شان المتولد من حيوانين نجسين كالكلب والخنزير فان المرتكز عند أهل الشرع هو إلحاق المتولد من أبوين بهما في أحكامه وفيه ان المقتضي لثبوت الحكم في المتولد من النجسين هو صدق أسم الحيوان النجس عليه لا لمجرد التولد بحيث لو لم يصدق عليه ذلك لم يحكم بنجاسته.
رابعها: الصحيح الذي رواه الصدوق في الفقيه عن علي بن جعفر بن بشير: (وطريقه إليه في المشيخة صحيح) عن عبد الله بن سنان قال: سئلت الصادق (ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث[1]قال: كفار والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. ولاريب انه لا يراد بكونهم كفاراً إلا تبعيتهم لآبائهم وهو المراد من دخولهم مداخل آبائهم وإلا فالحكم بكونهم كفاراً حقيقة وبدخولهم مداخل آبائهم في النار يخالف مذهب العدلية
[1]() الذنب والأثم.