وأورد عليه انها إنما تشمل من كان يصح خطابه وتكليفه كسائر التكاليف الإلزامية من الوجوبية والتحريمية والصبي والمراهق لايصح توجه الخطاب إليه وجوابه ان الكثير من الأدلة الدالة على إسلام من نطق بالشهادتين ليست بنحو الخطابات الإنشائية بل بنحو القضايا العامة مثل قوله (ص): (من قال أشهد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله حقن دمه فقد أسلم) بل لو سلمنا انها من قبيل الخطابات الإنشائية فلا نسلم عدم صحة توجهها إلى الصبي المميز البصير بأمره فان العقلاء لا يزالون يوجهون الخطابات إليه.
الدليل الرابع لهم: انهقد ثبت مشروعية عبادات الصبي فبالطريق الأولى يكون الإسلام مشروعاً في حقه ومستحباً منه إذا قلنا بعدم وجوبه عليه عقلياً.
إرتداد الأولاد
المطلب الخامس:قد عرفت ان عنوان الإسلام والكفر يتحققان في الولد المميز فالإرتداد أيضاً يتحقق فيه لو خرج من الإسلام إلى الكفر سواء كان من أولاد المسلمين أو من أولاد غيرهم ممن أسلموا ثم ارتدوا فيثبت له جميع أحكام الإرتداد. ان قلت حديث رفع القلم يوجب عدم الحكم عليه بقتله وتقسيم أمواله وبينونة زوجته ونجاسته؟ قلنا انه وارد في مقام المنه وليس المرتد الكافر
ولو كان طفلًا مميزاً يستحق المنة فلا يشمله الحديث بخلاف الصبي المسلم العاصي فإنه يستحق المنه لصباه. وهكذا لو تمسك بقوله (ص): (عمد الصبي وخطأه سواء) فإنه أيضاً وارد في مقام المنه وهو لا يستحقها. نعم يمكن ان يستدل على عدم ترتب الأثر على إرتداده برواية ابن سنان: (أنه إذا بلغ كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات) ويجبر ضعفها بموافقتها للمشهور من فتوى الأصحاب بذلك بل الإجماع فإني لم أطلع على مخالف في عدم ترتيب آثار الارتداد على ولد المسلم إذا ارتد. ويدل على ذلك أيضاً رواية حمزة بن حمران التي عمل بها الأصحاب سألت أبا جعفر (ع) قلت متى يجب على الغلام ان يأخذ بالحدود التامة ويؤخذ بها؟ فقال: إذا خرج عنه اليتم أو أدرك قلت فلذلك حد يعرف؟ قال: إذا إحتلم أو بلغ خمس عشر سنة أو أنبت.
تبعية أ ولاد المسلمين لأشرف الأبوين وتبعية أولاد الكفار لآبائهم في الأحكام
المطلب السادس:قد عرفت ان المميز من الأولاد إذا إعتنق الكفر أو الإسلام فهو متصف بما إعتنقه ولا ينافي كونه غير مكلف لان الإسلام والكفر من الموضوعات الخارجية التي تتحقق في الإنسان الذي له شأنية وقابلية الإعتناق لهما فيرتب أحكام ما إعتنقه
منهما عليه. نعم غير المميز والمميز غير المعتنق قد حكم الأصحاب بتبعيتهم لأشرف الأبوين ان وجد، وإلا فلآبائهم في الأحكام الشرعية على غيرهم بالنسبة للمسلمين أو الكفار كالطهارة والنجاسة والإسترقاق ووجوب التغسيل والتكفين والنكاح والتوارث ونحو ذلك حتى انه لو أسلم الأب يتبعه أولاده في أحكام الإسلام، نعم لو تولد الولد من المسلمين أو من المسلم حال الإسلام ثم إرتد أبواه فالولد باقِ على أحكام الإسلام للإجماع المدعى في المقام. اما التبعية لأبويه إذا كانا مسلمين في أحكام الإسلام فقد قام عليه إجماع المسلمين وسيرتهم بل ضرورة الدين وأما التبعية لأشرف الأبوين بمعنى انه ان كان أحد أبويه مسلماً كان يرتب عليه أحكام الإسلام فاللإجماع وهو نعم الدليل ولا دليل لنا في المقام غيره. وقد يستدل على ذلك بان الذمية الحاملة من مسلم تدفن إذا ماتت في مقابر المسلمين مستدبرة للقبلة رعاية لإستقبال حملها ولولا التبعية لما دفنت كذلك. وأما التبعية الأبوية إذا كانا كافرين في أحكام الكفر فقد إستدلوا عليها بوجوه:
أحدها:الإجماع المدعى في أكثر كتب الفقه. وفيه انه لعله مستند إلى ما يذكرونه من الأدلة على ذلك مضافاً إلى ما حكي عن النهاية من وجود نوع خلاف فيه وحكي الأشكال في التبعية عن صاحب المدارك.
ثانيها:السيرة المستمرة على ترتيب آثار الكفر عليهم من معاملتهم معاملة آبائهم في الأسر والتملك لهم. وقد ناقش بعضهم في ذلك بان السيرة إنما جرت على تملكهم وأسرهم ولا نسلم بثبوتها في نجاستهم وطهارتهم بحيث ان من بني على نجاسة الكفار وعلى خصوص المشركين منهم يعاملون أبنائهم معاملتهم في التنجيس منهم.
ثالثها:بأنه حيوان متولد عن حيوانين فيثبت له حكمها شان المتولد من حيوانين نجسين كالكلب والخنزير فان المرتكز عند أهل الشرع هو إلحاق المتولد من أبوين بهما في أحكامه وفيه ان المقتضي لثبوت الحكم في المتولد من النجسين هو صدق أسم الحيوان النجس عليه لا لمجرد التولد بحيث لو لم يصدق عليه ذلك لم يحكم بنجاسته.
رابعها: الصحيح الذي رواه الصدوق في الفقيه عن علي بن جعفر بن بشير: (وطريقه إليه في المشيخة صحيح) عن عبد الله بن سنان قال: سئلت الصادق (ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث[1]قال: كفار والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. ولاريب انه لا يراد بكونهم كفاراً إلا تبعيتهم لآبائهم وهو المراد من دخولهم مداخل آبائهم وإلا فالحكم بكونهم كفاراً حقيقة وبدخولهم مداخل آبائهم في النار يخالف مذهب العدلية
[1]() الذنب والأثم.
لقبح تعذيب الإنسان قبل وضع التكليف عليه. وما رواه الصدوق أيضاً عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: أولاد المشركين مع آبائهم في النار وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة. وفيه ان هذا مخالف لقواعد العدلية لقبح تعذيب الطفل خصوصاً غير المميز مع عدم صدور المعصية منه وقبل ثبوت الحجة عليه. ودعوى علم الله تعالى بأنه لو بلغ يعصي لا تصحح عقابه فإنه من قبيل القصاص قبل الجناية، وللزم ان يخلد بالنار من المسلمين من كان لو بقي لعصى الله تعالى عصياناً يوجب ذلك ولو كان هذا يصحح العقاب لكان أولاد المسلمين من يعلم الله انه يعصيه يدخله النار ولايختص بأولاد الكفار فلابد من تأويلها ولو كانت صحيحة. والأخبار الدالة على ان أولاد الكفار يؤجج لهم النار فيؤمرون بدخولها فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً وكان من أهل الجنة ومن إمتنع كان في النار فان تأجيج النار لهم يدل على انهم مستحقون للعذاب كآبائهم فهم تابعون لهم. وأجيب عنها انها لبيان حالهم في الآخرة لا لبيان أحكامهم في الدنيا وأنهم يدخلون النار. مع انها مخالفة لقواعد العدل إذ لا وجه لإدخالهم النار مع عدم تكليفهم بشيء والله عدل حكيم لا يفعل بعباده إلا ما يقتضيه عدله وحكمته.
خامسها:الإستصحاب حال كونهم أجنة في بطون إمهاتهم قبل ولوج الروح فيهم فإنهم كانوا تابعين لأمهاتهم لأنهم في تلك الحال أجزاء من أمهاتهم ويتبعونها في السبي والتملك. وجوابه عدم
بقاء الموضوع بعد الولادة وعدم تسليم كونهم أجزاء من أمهاتهم فلا نسلم ثبوت أحكام أمهاتهم لهم في تلك الحالة حتى تستصحب.
سادسها:قوله تعالى: [ولا يَلِدُوا إّلا فاجِراً كَفّاراً]. ولا يخفى عليك ما فيه فان المراد به هو انهم لا يلدوا إلا من هو يكفر ويفجر عند بلوغه لان المراد بالكفار من يرتكب الكفر والمراد بالفاجر من يرتكب الفجور ولا ريب ان إرتكاب ذلك إنما يكون بعد البلوغ ويرشد إلى إرادة هذا المعنى قوله (ص): (كل مولود يولد على الفطرة حتى يهودانه أبواه أو ينصرانه) فإنه يدل على ان المولود لا يكون فاجراً ولا كافراً بل يدل على عدم التبعية لجعله (ع) اليهودية والنصرانية عارضة عليه بفعل أبواه ودعوتهم لإعتناق ذلك.
سابعها:المرسل المروي في الكافي (فأما أطفال المؤمنين فإنهم يلحقون بآبائهم وأولاد المشركين يلحقون بآبائهم وهو قوله تعالى: [بِايمانِ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ]) وهو ضعيف لإرساله لكن قد يقال يجبر ضعفه بفتوى المشهور على طبقه. ونظيره ما عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله في قوله تعالى: [والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بأيمان ألحقنا بهم ذريتهم] قال (ع): قصرت الأبناء عن عمل الآباء فألحق الله تعالى الأبناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم. وهو ان قيل عنه بأنه مجهول بالحضرمي إلا انه ربما يجبر ضعفه بفتوى المشهور على طبقه.
ثامنها:خبر حفص بن غياث سألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك فقال (ع): إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار وولده ومتاعه ورفيقه له فأما الولد الكبار منهم فيء للمسلمين إلا ان يكونوا أسلموا قبل ذلك. ونوقش خبر حفص بأنه مختص بالإسلام ولعل ذلك من جهة شرف الإسلام فلا يتعدى منه للكفر.
تاسعها:ان الكفر هو عدم الإسلام في محل قابل له وأولاد الكفار فيهم القابلية للإسلام مع عدم صدور الإسلام منهم. وفيه ان هذا لا يتم إلا في أولادهم المميزين دون غيرهم كالرضع لأنهم ليس فيهم القابلية مضافاً إلى ما تقدم منا من ان الكفر ليس عدم الإسلام بل هو الجحود والإنكار للشهادتين فإذا لم يظهر من أولادهم ذلك لم يحكم بكفرهم ولا بإسلامهم. هذا ولكن الإنصاف ان الصحيحة المتقدمة في الدليل الرابع وما ذكر من الخبرين في الدليل السابع مع تأييد الإجماع والسيرة يحصل الوثوق بصدور الحكم بالتبعية من الشارع فتقوى دلالة الصحيحة ويوثق بصدور الخبرين.
ينبغي التنبيه في هذا المطلب على أمور:
التنبيه الأول:
انه لا فرق في التبعية بين ولد الحلال وولد الزنا وفاقاً لما هو المحكي عن جدنا كاشف الغطاء (قدس سره) وذلك لان الأدلة المتقدمة للتبعية قد أخذ في موضوعها الولد والطفل وهو كما يصدق حقيقة على الولد من الحلال كذلك يصدق على الولد من الزنا حقيقة وعرفاً لأنه من منيه. ان قلت انه وإن كان كذلك لكنه قد نفاه في الشرع عن الزاني ونفيه شرعاً يقتضي نفي الآثار الشرعية المرتبة على الولد والتبعية من الآثار الشرعية فيقتضي نفيها عنه؟ قلنا ان الأبوة والبنوة والولدية والوالدية من الموضوعات العرفية وليس للشارع إصطلاح فيها فكل حكم ثبت للولد والوالد يشمل ولد الزنا والأب من الزنا، نعم إنما ثبت شرعاً نفي التوارث بينهما وهو لا يقتضي نفي الولديه عنه فإنه لا ملازمة بين نفي التوارث وبين نفي الولديه كما في صورة الإرتداد وصورة قتل الولد والده أو كون الولد كافراً والأب مسلماً، وأما ما روي عنه (ص) من: (ان الولد للفراش وللعاهر الحجر) فهو لبيان أمارية الفراش. على ان الولد المولود يكون ولداً لصاحب الفراش عند الشك في كونه ولداً للزاني أو لصاحب الفراش ولو سلمنا عموم أدلة نفي ولدية ابن الزنا للزاني ولكن