ينبغي التنبيه في هذا المطلب على أمور:
التنبيه الأول:
انه لا فرق في التبعية بين ولد الحلال وولد الزنا وفاقاً لما هو المحكي عن جدنا كاشف الغطاء (قدس سره) وذلك لان الأدلة المتقدمة للتبعية قد أخذ في موضوعها الولد والطفل وهو كما يصدق حقيقة على الولد من الحلال كذلك يصدق على الولد من الزنا حقيقة وعرفاً لأنه من منيه. ان قلت انه وإن كان كذلك لكنه قد نفاه في الشرع عن الزاني ونفيه شرعاً يقتضي نفي الآثار الشرعية المرتبة على الولد والتبعية من الآثار الشرعية فيقتضي نفيها عنه؟ قلنا ان الأبوة والبنوة والولدية والوالدية من الموضوعات العرفية وليس للشارع إصطلاح فيها فكل حكم ثبت للولد والوالد يشمل ولد الزنا والأب من الزنا، نعم إنما ثبت شرعاً نفي التوارث بينهما وهو لا يقتضي نفي الولديه عنه فإنه لا ملازمة بين نفي التوارث وبين نفي الولديه كما في صورة الإرتداد وصورة قتل الولد والده أو كون الولد كافراً والأب مسلماً، وأما ما روي عنه (ص) من: (ان الولد للفراش وللعاهر الحجر) فهو لبيان أمارية الفراش. على ان الولد المولود يكون ولداً لصاحب الفراش عند الشك في كونه ولداً للزاني أو لصاحب الفراش ولو سلمنا عموم أدلة نفي ولدية ابن الزنا للزاني ولكن
لانسلم شمولها لولد الزنى من الكافر لوجود القرينة العقلية على ذلك لأنه لو كان ولد الزنا من الكافر لإتبع أبويه في أحكام الكفر لكان أشرف من ولد الكافر من الحلال وهذا لا يقبله العقل وأما ولد الزنا من المسلم فعلى تقدير عموم أدلة نفي الولدية له عن المسلم فنلتزم بعمومها ومقتضى ذلك إرتفاع التبعية للمسلمين ان قلت بعض الأخبار تدل على نجاسته مطلقاً حتى أطفال الزنا من المسلمين والكافرين بل عن السيد والصدوق الفتوى بذلك بل عن الحلي نفي الخلاف عن ذلك وذلك يقتضي عدم التبعية؟ قلنا إعراض نوع الأصحاب عنها مما يوجب وهنها وعدم حجيتها وقد حققنا ذلك وأثبته القوم (رحمهم الله) في كتاب الطهارة. ان قلت ان الكفر عدم الإسلام فيكون الأصل هو الكفر ولا يحكم عليهم بالتبعية؟ قلنا الكفر أمر وجودي وتقابله مع الإسلام تقابل التضاد ولو سلمنا انه عدمي فهو عدم الإسلام عما من شأنه ان يكون مسلماً فيكون تقابله تقابل العدم والملكة، وغير المميز ليس من شأنه ان يكون مسلماً والمميز قد ذكرنا ان الملتفت منه لحكم العقل بوجوب الإسلام عليه فمع إظهاره الجحود يحكم بكفره. ان قلت قد ورد ما يدل على ان ديته دية اليهود ثمانمائة درهم وأنه رجس ولا يدخل الجنة وأنه لا خير فيه وهو يقتضي عدم التبعية لأبويه المسلمين؟ قلنا عدم دخول الجنة خلاف ما
يقتضيه العدل الإلهي واللطف الرباني فلابد من تأويل تلك الأخبار والذي يقدح في بالي انها يمكن حملها على أحد أمرين:
الأول:ان هذه الأخبار تكون أشارة إلى أولاد الزنا في ذلك الوقت والعصر ممن بلغوا سن التكليف وولغوا بدماء المسلمين كما يتعارف عندنا اليوم بالحكم على بعض الأصناف بإعتبار ان أكثر الموجود منهم فعلًا يعمل هذا العمل فتكون الأخبار المذكورة من قبيل القضايا الخارجية الوقتية.
الثاني:ان المراد ان طبيعتهم تقتضي ذلك لو بلغوا سن التكليف نظير أخبار الشقاوة والسعادة وعدم نجابة ولد الحائك فلا ينافي ذلك لو وجد ولد الزنا وقد أطاع الرحمن ودخل الجنان، ويدل على ذلك ما في الكافي عن الصادق (ع): (ولد الزنا يستعمل ان عمل خيراً جزي به وان عمل شراً جزي به).
وللمجلسي (ره) وجه ثالث فقد حكي عنه انه قال: يمكن الجمع بين الأخبار على وجه يوافق قانون العدل بان يقال ان ولد الزنا لا يدخل الجنة وان كان لايعاقب بالنار أيضاً ما لم يظهر منه ما يستحقه ويثاب على الطاعة بغير الجنة ولا يلزم على الله تعالى ان يثيب الخلق في الجنة. ويدل عليه خبر المحاسن من ان ولد الزنا يدخل النار ويؤتى برزقه فيها، ولا ينافيه المروي في الكافي من انه يستعمل فيجزي بالخير ان عمل به، إذ ليس فيه تصريح بكون جزائه الجنة فلم
يبق إلا العمومات الدالة على ان الله تعالى يثيب المؤمن بالجنة فيقال بتخصيصها بتلك الأخبار- إنتهى. وأما ما ورد في دية ولد الزنا من انها كدية اليهودي ثمانمائة درهم فالمعروف انه غير معمول به عند الأصحاب مع انه غير دال على عدم التبعية لإمكان ان يكون كالعبد المسلم في نقصان ديته عن دية المسلمين وأما ما ورد من نفي الخير عن ولد الزنا فلعله من جهة ما ذكرناه من خباثة طبعه.
التنبيه الثاني:
ان المعروف بين فقهائنا ان غير البالغين من أولاد الكفار إذا سبوهم المسلمين منفردين عن آبائهم وأمهاتهم تنقطع تبعيتهم لأبائهم في النجاسة والكفر ويتبعون للسابي المسلم في الطهارة والإسلام وإستدلوا على ذلك بقاعدة نفي الحرج وبالبنوي المعروف: (كل مولود يولد على الفطرة) والسيرة على طهارتهم بل معاملتهم معاملة الصبي المسلم وأقوى ما إستدل به على ذلك هو ان الموجب لنجاستهم ومعاملتهم معاملة الكفار هو تبعيتهم وهي قد زالت قطعاً فلا وجه لمعاملتهم معاملة الكفار ولا ترتيب آثار النجاسة عليهم بل هم فعلًا تبعاً للمسلمين فتكون التبعية ثابتة في حقهم بالنسبة للمسلمين لا الكفار وان شئت قلت ان التبعية أمر عرفي والعرف يرون انهم تبع للمسلمين لا الكافرين ولا يخفى ما فيه فان أدلة التبعية لم يؤخذ فيها عنوان التبعية وأدلتها لعلها ظاهرة في تبعية المذكورين
لآبائهم الكفار فراجعها والمتعين هو الإستدلال بالسيرة لو كانت متحققة مع عدم الردع عنها.
التنبيه الثالث:
انه قد تقدم في الأخبار ما يدل على ان أولاد الكفار يعذبون كآبائهم مثل رواية وهب بن وهب عن الصادق عن أبيه عليهم السلام قال علي (ع): (أولاد المشركين مع آبائهم في النار وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة) وكصحيحة عبد الله بن سنان قال: سئلت أبا عبد الله (ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث (أي الذنب) قال (ع): كفار والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. ولا يخفى عليك ان هذا الحديث خلاف ما يقتضيه مذهب العدلية بداهة انه خلاف قاعدة العدل والقبح العقليين وخلاف ما في الكتاب الشريف من انه [لا تزر وازرة وزر أخرى] وعليه فلابد من تأويل ذلك بما لا يتنافى وحكم العقل، ولعل المراد هو جنة الدنيا ونارها بإعتبار ما نزل على بيوت الكفار من النقم وسلب البركة والعلل والأمراض التي تولدها المئاكل المحرمة والخبائث القذرة والآلام النفسية والهموم القلبية كما ان المؤمنين يكون أولادهم في سعادة دنيوية لتنزه بيوتهم عما يوجب الشقاء بل ان العبادات والإطاعة توجب نزول الرحمة والروح والريحان.
التنبيه الرابع:
ان ولد الكفر إذا أسلم أباه تبعه ولده في الإسلام لعموم أدلة التبعية المتقدمة ولخصوص خبر حفص بن غياث المتقدم في ثامن أدلة التبعية ويجبر ضعفه بنقل عدم الخلاف في المسألة عن غير واحد من الأصحاب.
مشروعية عبادات الصبي
المطلب السابع:قد اختلفوا في شرطية البلوغ لشرعية العبادات وصحتها بعد إتفاقهم على شرطية التمييز وشرطية البلوغ في الوجوب والتحريم بمعنى عدم العقاب على الصبي في فعله وتركه وإتفاقهم على الإستحباب للولي في ان يمرن الصبي على العباده كما حكاه غير واحد ولما في الحسن عن الصادق (ع) أنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فإذا غلب عليهم العطش أفطروا وإنما وقع النزاع في شرعية عبادة الصبي بمعنى صحة العبادة التي صدرت منه وتوجه الطلب الندبي بها إليه وترتب الثواب له على ذلك. والقوم في ذلك على أقوال:
أحدها:ان هذه العبادات من الأطفال تمرينية صرفة بمعنى عدم ترتب أجر وثواب من الله تعالى على عمل الصبي كما انه لايترتب العقاب على تركها وان كان لوليه ثواب التمرين على ذلك
وللصبي ان يعطى العوض عليها لا الثواب لان العوض في مقابل المشقة والثواب في مقابل إمتثال الأمر وهو الذي نسبه الأردبيلي (ره) إلى الأكثر والمحكي عن مختلف العلامة والإيضاح والمحقق الثاني.
وثانيها:ان عباداته شرعية كالبالغين ومعنى الشرعية كونها مندوبة للصبي مطلوبة من الشارع بحيث يستحق عليها الأجر والثواب الأخروي سواء كان فعل واجب أو مندوب أو ترك محرم أو مكروه وبعبارة أخرى خطاب الندب والكراهة متعلق بأفعاله والواجب في حكم المندوب والحرام في حكم المكروه لرفع العقاب عنه وان سلمنا ان أمر وليه له بالعبادة تمريناً يستحق به الثواب لان كون ثواب التمرين للولي غير مناف لكون الفعل مما فيه ثواب للطفل وعلى هذا القول ينوي الصبي في عباداته الندب لأنه الوجه الذي تقع عليه عباداته لا غيره. والقول بذلك هو المحكي عن الشيخ (ره) وعن العلامة في المنتهى واللمعة والدروس والمحقق الأردبيلي (ره) وفي مفتاح الكرامة نسبته للمشهور المعروف.
وثالثها:ان عبادات الصبي شرعية تمرينية لا انها شرعية أصلية والمراد بذلك ان إتيان الصبي لهذه الأفعال وتركه لهذه التروك مطلوب للشارع لا لأنفسها بل لحصول التعود والتمرن على العمل بعد البلوغ فصلاة الصبي فيها جهتان أحدهما جهة كونها صلاة وهذه الجهة ملغاة في الصبي لا فرق بين كونها صلاة أو قياماً أو نوماً
أو نحو ذلك في عدم رجحان أصلي فيها بالنسبة إليه وعدم وجود أجر في ذلك من جهة الصلاتية والثانية جهة كونها تعوداً على شيء يكون مطلوباً بعد البلوغ وان كان لاغياً الآن في حد ذاته وهذه الجهة مطلوبة للشارع يثاب عليها وبعبارة أخرى التمرن مستحب دون الصلاة والصوم وهذا القول قد حكاه في العناوين عن جماعة من المتأخرين منهم الشهيد الثاني (ره) ونسبه (ره) إلى جملة من المعاصرين.
رابعها: انها شرعية أصلية وشرعية تمرينية ففيها جهتان توجب شرعيتها بمعنى انها مطلوبة بالأصالة ومطلوبة من الصبي للتمرين لاانها مطلوب من وليه فقط التمرين كما ذهب إليه المشهور بل الصبي نفسه أيضاً مطلوب منه عمل العبادة تمريناً له ليحصل له الاعتياد عليها لتسهل عليه بعد البلوغ فللصبي ان ينوي ويقصد إمتثال الأمر الندبي بالعبادة نفسها وله ان يقصد الأمر الندبي بالتمرين عليها لأنه أيضاً متوجه له. ونسب هذا القول المامقاني (ره) للشيخ الأنصاري (ره).
خامسها:التفصيل بين العبادة المستحبة والعبادة الواجبة فالأول شرعية والثاني تمرينية. وحكي هذا القول عن المستند ولعل التحقيق ان يذهب إليه كل من قال: يتوجه الخطاب إلى الصبي في